السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / نبض واحد :هكذا هم الرجال..

نبض واحد :هكذا هم الرجال..

نعم هكذا هم الرجال الأوفياء المخلصون في الحضارات والأمم والشعوب، يعملون بصمت الحكماء من أجل رفعة قامات هذا الوطن حتى تصل هامات السحب، فهم حين يفكرون ويحللون ويستنتجون ويعملون طوال حياتهم لا يكون فقط جل همهم كما حال البعض منهم التفكير في المحيط الأسري الذي يعيشون فيه فقط، مسخرين جل طاقاتهم وإمكانياتهم طوال الوقت في توفير المال والأرض والعقار والخدم والحشم والحاشية للورثة من الأسرة فقط بعد رحيلهم من الدنيا، بل يجب أن تكون عظمة تفكيرهم أكبر بكثير من هذه البؤر الضيقة وهو ترك أثر عمل نبيل بعد حياتهم الدنيوية تتناقله الأجيال جيل بعد جيل للوطن، وبصمات مؤثرة فعالة من أجل أن ينتفع منه كل أجيال الوطن في قادم السنوات، وما احوجنا اليوم في هذا الوطن الشامخ بشموخ جباله من أي وقت مضى إلى لغة التكاتف والتعاون والتعاضد بين أبنائه بروح العمل المشترك في شتى ميادين ومواقع العمل، والعمل بروح الفريق الواحد خدمة للوطن في بناء لبناته الأساسية والنهوض به مستثمرين من جل مقوماته خدمة للأجيال، حتى نستطيع بعدها أن ننتج أجيالا يكون هدفها الاستثمار الرابح من أجل رفعة الوطن، وليس فقط استهلاك مقوماته واستنزاف موارده خلال هذه الفترة الآنية فقط، بدون التفكير في آلية رد الدين له، وما نستشهد به ونستشفه من هذا الرجل القروي البسيط الهندي درسا من دروس الإيثار والتضحية من أجل الوطن والعمل بصمت بدون تذمر وتشنج بعد أن رفض طلبه من الحكومة، ويدعى هذا الرجل dashrath manjhi يسكن في قرية نائية ومعزولة في الهند.أصيبت زوجته إصابة خطيرة جدا وبسبب بعد المسافات بين المستشفى والقرية الطويل المعوج (70كيلو مترا) لم تصل سيارة الإسعاف في الوقت المناسب وماتت رفيقة الدرب بين يدي زوجها وهو عاجز لا يملك من أمره شيئا، ومن رحم الألم الذي عايشه نتيجة فراق زوجته طلب من الحكومة أن تشق نفقا في الجبل لاختصار الطريق إلى القرية حتى لا تتكرر هذه الحادثة لأناس آخرين، وهنا تكمن معادن الرجال الأوفياء، ولكن الحكومة تجاهلته ولم تعر أي اهتمام لطلبه، لم يتذمر ولم يدب اليأس في روحه ، وبعزيمة الرجال قرر هذا الفلاح قليل الحيلة وبدافع الألم الذي حل به أن يتصرف بنفسه كي ينهي تلك المأساة التي يعيشها هو وأهل قريته؛ فأحضر فأسا ومعولا وقرر الحفر بيديه طريقا صخريا بريا بين الجبل. في البداية سخر منه جميع أهل القرية واتهموه بالجنون، وقالوا إنه فقد عقله بعد وفاة زوجته.أمضى هذا الفلاح 22 عاما ( من1960إلى 1982 ) يحفر في الجبل، يوميا من الصباح إلى المساء ، دون كلل ولا ملل، ولا يملك إلا فأسه ومعوله وإرادة تواجه الجبل وصورة زوجته في ذهنه وهي تموت بين يديه.ونجح في الأخير في أن يشق طريقا في الجبل بطوله 110 أمتار، وبعرض تسعة أمتار، وبارتفاع سبعة أمتار، لتصبح المسافة بين قريته والمدينة فقط سبعة كيلومترات بعد أن كانت سبعين كيلو مترا؛ وأصبح باستطاعة الأطفال الذهاب إلى المدرسة وأصبح بإمكان الإسعاف الوصول في الوقت المناسب.لقد فعل هذا الرجل بيديه العاريتين وبإرادته التي تغلب الجبل لمدة 22 عاما ما كانت تستطيع أن تفعله الحكومة في 3 شهور، وقد سمي هذا الفلاح برجل الجبل، وتم إنتاج فيلم سينمائي عنه يروي قصته وتم تسمية الشارع باسمه، وكم هذا الوطن خلال هذه الفترة الذهبية من تاريخه بحاجة ماسة من أمثال هؤلاء يعملون بصمت الكبار في أفعالهم ولا يتألمون من الظروف المحبطة فهكذا هم الرجال الحقيقيون دائما وأبدا يصرون ويكافحون أثناء حياتهم على ترك أعمال خالدة من أجل أن ينتفع منها جل أجيال الوطن.

حمد بن سعيد الصواعي
Hamad.2020@hotmail.com

إلى الأعلى