الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / التحول من موازنات الإعانات إلى السيطرة على النفقات

التحول من موازنات الإعانات إلى السيطرة على النفقات

محمد بن سعيد الفطيسي

” إلى متى ستستمر المرافق العامة والمسؤولون القائمون عليها في حالة حرب استنزاف وهجوم عشوائي على الموازنة العامة للدولة في وقت يمكن توجيه الموازنات العامة نحو القضاء على ما اسميناه بموازنة المكافآت والإعانات, والتحول الى موازنات مستقلة ومتحررة وقادرة على السيطرة على النفقات مقابل تقديم خدمات اكبر وفرض ضرائب أقل؟!!”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموازنة العامة للدولة هي باختصار بيان تفصيلي يتم تقديره من قبل مؤسسات وطنية مختصة يحتوي على الإيرادات العامة, التي يتوقع أن تحصلها الدولة ” المدخلات ” ، والنفقات العامة ” المخرجات ” التي يلزم إنفاقها خلال سنة مالية قادمة ؛ ( فالموازنة تعتبر بمثابة البرنامج المالي للخطة عن سنة مالية مقبلة من أجل تحقيق أهداف محددة في إطار الخطة العامة للتنمية), وبالتالي فانه وبعد إقرار واعتماد الموازنة يكون لكل مرفق حكومي مبالغ مالية مخصصة للإنفاق في مرحلة التنفيذ, وهي مرحلة جني ثمار سلامة التفكير والتخطيط والتنفيذ, او هدر المال العام والتلاعب في أموال الدولة.
وفي هذه المرحلة ـ أي مرحلة التنفيذ ـ تتضح دائما العديد من الجوانب الاقتصادية والسياسية التي تدور حول سلامة التخطيط والاستشراف وإعادة رسم التوجهات المستقبلية والقدرة على رصد الأخطاء والتجاوزات وإعادة هيكلية التوازنات وسلامة القرارات الحكومية, الأمر الذي تبدأ معه المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الرقابة والمراجعة, والتي لا يجب ان تقتصر على مراجعة الإنفاق او رقابة المعاملات المالية, بل يجب ان تتخطاها الى ابعد من ذلك بكثير, واقصد به الرقابة على القرارات والتوجهات والسياسات الحكومية, والمحاسبة الحازمة والحاسمة والضرب بيد من حديد على سوء الأفكار والقرارات الحكومية التي بدورها تتسبب بهدر المال العام والتلاعب في أموال الدولة.
جانب آخر يجب الإشارة إليه في هذا السياق وهو ان ذلك البرنامج المالي للدولة والذي يسمى بالموازنة العامة من وجهة نظري ليست مجرد أرقاما حسابية مجردة – مدخلات ومخرجات – او أنها تقتصر على مفهومها التقليدي أي على إيرادات الدولة ومصروفاتها وأن تتعادل المصروفات والإيرادات سنويا بصورة دقيقة, ولكن أرى بان الموازنة بشكلها المتكامل تقع في قلب العملية السياسية والأمنية للدولة, ما يدفع بدوره للتأكيد على ان الموازنات التي لا تستطيع تحقيق او المحافظة على المبادئ السياسية والأمنية والتي يقع على رأسها المحافظة على منسوب الثقة العامة بالحكومة هي موازنات لا تزيد عن كونها مجرد إعانات ومكافآت على الفشل في إدارة المرافق الحكومية والتخطيط للمستقبل وسوء القرارات والسياسات العامة, وعلى رأس المبادئ السياسية الموجهة لسياسات الدولة المادة (10) من النظام الأساسي للدولة رقم 101/96 إقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة للمواطنين ويضمن الاحترام للنظام العام ورعاية المصالح العليا للوطن.
لدرجة أن بعض الدول ولتحقيق الأهداف السابقة من عدل ومساواة وطمأنينة للمواطنين, واحترام للنظام العام والمحافظة على الثقة العامة, ونتيجة للتطورات المتسارعة وارتفاع سقف الأزمات الحتمية والمشاكل والتحديات المختلفة التي تواجهها, قامت بتغيير المبادئ الموجهة للموازنات العامة لتصبح ( أداة من أدوات التوجيه الاقتصادي والمالي والاجتماعي وأطلق عليها الموازنات التدخلية، وقد لجأت بعض الدول إلى نظرية الموازنة الدورية، خروجا على مبدأ سنوية الموازنة, آخذة في الاعتبار الدورات الاقتصادية من مراحل ركود و كساد وازدهار، وتهدف الموازنة الدورية إلى عدم النظر إلى كل موازنة سنوية على حدى بالإستقلال عن موازنات السنوات المالية الأخرى بل ينظر إلى الموازنة السنوية من خلال علاقاتها بالموازنات التي سبقتها والتي شملتها تبعا للدورات الاقتصادية، والهدف من ذلك الحد من خطر الأزمات الدورية ، والمحافظة على التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ) والأمني للدولة.
بينما ـ وللأسف الشديد ـ تبقى الموازنات العامة التقليدية او الكلاسيكية كما هي اليوم ومعروف عنها, مجرد موازنات تشجع المسئولين على تبذير الأموال الوطنية وتساهم على هدر المال العام والفساد المالي والإداري, حيث انه وكما هو معروف بأنه اذا لم يتم إنفاق الأموال المخصصة للوزارات وبقية المرافق بحلول نهاية السنة المالية فسوف تحدث ثلاثة أشياء, يفقدون المال الذي وفروه من خلال استرجاعه وعودته لوزارة المالية, وبالتالي سيحصلون على أموال اقل في السنة المقبلة, وتوبيخ وزارة المالية على طلبهم أموالا أكثر من اللازم في السنة السابقة, ومن هنا يأتي التشجيع الرسمي على الهجوم الحكومي المتزايد والمطبق منذ عقود طويلة لصرف جميع الأموال قبل نهاية السنة المالية على أشياء لا حاجة لها ولا فائدة, وكان ذلك المال هو مال مهدور مستباح , وليس مال وطني عام وأمانة يجب المحافظة عليه.
لذا فان الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق وطنيا هي: الى متى ستستمر المرافق العامة والمسؤولين القائمين عليها في حالة حرب استنزاف وهجوم عشوائي على الموازنة العامة للدولة في وقت يمكن توجيه الموازنات العامة نحو القضاء على ما أسميناه بموازنة المكافآت والإعانات, والتحول الى موازنات مستقلة ومتحررة وقادرة على السيطرة على النفقات مقابل تقديم خدمات اكبر وفرض ضرائب اقل؟!! والى متى ستظل المرافق العامة, وخصوصا المرافق الإدارية منها مرافق خدمة بدلا من التمكين الجماهيري والمجتمعي؟ ومتى سيحل التوجيه الإداري للحكومة بدلا من التجديف؟ ومتى ستحل التنافسية في إيصال الخدمات في القطاع العام, وننتقل للكسب بدلا من الإنفاق والوقاية بدلا من العلاج؟
ورغم أن الإجابة عن معظم الأسئلة السابقة قد تم التطرق إليها ببعض التفصيل في مقالات ودراسات وكتب منشورة سابقة لنا ككتاب الدولة المطمئنة, ص 163-184 ومقالات كمقال : الإدارة الحكومية بالتوجيه ” الانتقال الى الأمام” , وأوراقنا الرابحة في المرحلة الوطنية القادمة ” نظرة استشرافية “, ونحو تطبيق فكرة:مشروع التنافسية بين مؤسسات القطاع العام , وهي على سبيل المثال لا الحصر , لذا وفي هذا الطرح الذي لا نسعى فيه الى النقد بقدر ما نحاول تجديد الأفكار بعيدا عن البيروقراطيات المكتبية الجامدة, لذا سنحاول الحديث قليلا عن بعض الأفكار والمرئيات التي يمكن ان تساهم في رسم بعض الخطوط العريضة المستقبلية للقضاء على التوجهات والسياسيات المتهالكة والتي توجه الموازنات العامة التقليدية التي مازالت مسيطرة على مرئيات الحكومات الكلاسيكية وموجهة لها , وأطلق عليها شخصيا موازنة الإعانات والمكافآت الحكومية , لأنها في اغلب الأوقات تكافئ موظفيها على الفشل وتعينهم على الكسل , والتحول الى ما يطلق عليه ” بموازنة السيطرة على النفقات”.
بحيث يمكننا من خلال تلك الأفكار التخلص من العديد من النفقات والخدمات التي تجرها الحكومة وراءها – نظرية العربة والحصان – , والتي تزيد كل يوم من الحمل الذي يقع على كاهلها , كما ستشجع على الاستثمار الداخلي , والخدمة العامة , ورفد موازنة الدولة بالأموال , وتوفير الوظائف, وغير ذلك من وسائل السيطرة على الإنفاق من جهة , والادخار من جهة أخرى , ومن أهمها على سبيل المثال لا الحصر:
أولا : يجب التخلص من سياسة الموازنات التقليدية التي تشجع المسئولين في الدولة على تبذير الأموال الوطنية وتساهم على هدر المال العام وتشجع على الفساد المالي والإداري, من خلال فكرة ضرورة إنفاق الأموال المخصصة للوزارات مع نهاية السنة المالية بأية طريقة, والتحول الى موازنات ريادية تعمل على السيطرة على الإنفاق وتشجع المسئولين على الابتكار, والسماح للإدارات بالاحتفاظ بالمدخرات, وتشجيعهم على توفير المال لأهداف وضرورات ذات جدوى اقتصادية على المرفق نفسه لخدمة الصالح العام, وكل ذلك بكل تأكيد تحت رقابة أجهزة الرقابة العامة للدولة ولكن دون تدخلها الى في حالة المخالفات والتجاوزات الدستورية والقانونية فقط .
ثانيا: يجب العمل على التخلص من الرعاية الأبوية – الموازنة العامة للدولة – للمرافق الإقليمية ” المحافظات والولايات” وإعطاءها الاستقلال الإداري والمالي ” حكومات محلية ” تحت رقابة المركز ومحاسبته, وذلك لتشجيعها على الاعتماد على الذات من خلال الدور الحقيقي الذي يجب ان يقوم به المحافظ في المحافظة بداية من التخطيط الى التنفيذ, وقد اشبع هذا الموضوع نقاش بالنسبة لنا, ويمكن الرجوع للتفاصيل في دراسة لي تحت عنوان :- واستقلال محافظات السلطنة, بين التحديات والمصلحة الوطنية.
ثالثا : المنافسة بين القطاع العام بعضه البعض على تقديم الخدمات العامة, من خلال استثمار الأموال العامة الفائضة في الموازنات السنوية مثلا على تقديم خدمات رديفة وموازية بأجور رمزية, كذلك من خلال ايجاد أفكار إبداعية غير إجبارية او فرضها بالقوة على المواطن, وتكون قابلة للتطبيق في المؤسسات العامة الخدمية, وأخيرا تشجيع القطاعين العام والخاص على الخدمة الاجتماعية والتطوعية من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية والتعاونية للمجتمع للتخفيف من ضغط الضرائب التي تمارسها الأجهزة المالية للدولة على المواطنين للتخلص من حمل وأعباء الأزمات المالية , وعلى رأسها إنشاء الجمعيات التعاونية والاستهلاكية من خلال شراكة حكومية وخاصة ” أفراد ومؤسسات في مختلف محافظات السلطنة “,وهو ما سيساهم في خلق فرص عمل , والتخفيف من ضغوط الضرائب الحكومية على المواطن , وسيشجع المواطنين على الاستثمار في تلك الأفكار.
رابعا: تقليص النفقات يحتم ضرورة التخلص من بعض حمل العربة ” الخدمات العامة ” التي تجرها الحكومة وراءها, وذلك من خلال تحويل تلك الخدمات العامة الى استثمارات خاصة تنافسية وليس احتكارية تحت رقابة الدولة الدستورية والقانونية بمساهمة من القطاع الخاص والمواطنين, وبمعنى آخر, إعطاء مرافق خاصة تقديم خدمة عامة مقابل مميزات استثمارية معينة, مثال على ذلك, إعطاء فرد او مؤسسة خاصة الأرض والترخيص لإقامة مصانع تحويل القمامة التي توجه للمحارق بلا فائدة والتخلص منها في وقت يمكن تحويلها وتدويرها وإعادة استخدامها, شريطة قيامها بشراء تلك القمامة من المواطنين بأسعار معينة, وإعطاء فرص عمل أفضل للموظفين العاملين في هذا القطاع في تلك المؤسسة بأجور أفضل , وبذلك يمكن التخلص من الكثير من الأعباء الملقاة على البلديات الإقليمية , ويمكن سحب ذلك على العديد من الخدمات.
خامسا: السماح لشركات القطاع الخاص الدولية والمحلية وحتى التطوعية والخيرية في الاستثمار الاجتماعي كالرعاية الاجتماعية للأطفال والمساكن لذوي الدخل المحدود وحتى إنشاء طرقات عامة تجني من خلالها أجور مرورية, وكذلك تأجير الحدائق العامة والمنتزهات البحرية, وخصوصا تلك الأماكن التي تقع بالجوار من الشواطئ البحرية غير المستغلة في العديد من ولايات السلطنة الحبيبة, فالعوامل الحاسمة للبت في هذه الأمور لها علاقة بالحوافز التي تحرك الناس الذين هم ضمن النظام على الإبداع والابتكار.
وفي الختام نقتبس هذه الفقرة من كتاب ” عصر انقطاع الاستمرار ” لبيتر دراكر وهو احد الاقتصاديين الأميركيين, ويعد احد الآباء الروحيين للإدارة الحديثة: ( إننا لا نواجه ذبول الدولة وتلاشيها بل على العكس, فنحن بحاجة الى حكمة نشيطة وقوية وفاعلة جدا, ولكننا نواجه بالفعل خيارا بين حكمة كبيرة ولكنها عقيمة وحكومة قوية لأنها تقتصر على اتخاذ القرار والتوجيه, وتترك العمل للآخرين, إننا نحتاج الى حكومة قادرة على الحكم وتمارس الحكم حقيقة وهي ليست حكومة تعمل او تدير بل حكومة تحكم وتوجيه ).

إلى الأعلى