الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : السعادة المهنية

رحاب : السعادة المهنية

دار بنا الحديث خلال أحد البرامج التدريبية حول أهمية أن يحب الموظف عمله وضرورة التركيز على اختصاصاته فقط من أجل الإجادة والاتقان. واستشهدنا بحالات كثيرة وأمثلة لمجتمعات شرقية وغربية متقدمة ونامية استطاع الإنسان فيها أن يعطي كل مواهبه ووقته وطاقاته وميوله للمهنة التي يؤديها. وبكل تأكيد استطاعت تلك المجتمعات أن تنهض وأن تسجل أرقاما قياسية في مضمار السباق الحضاري مُسخرّة جميع الموارد وتحويلها إلى منتجات استثمارية تنعش أسواقها وتزيد من عائداتها الاستثمارية. وبالتالي فإن تلك المجتمعات نجحت في السيطرة على الواقع وتستطيع أن تحتكر ذاكرة التاريخ لقرون قادمة. واستنج المشاركون من خلال النقاش أن السر في ذلك يُعزى إلى أن المواطن في تلك الدول ينشغل بعمله وواجباته من أجل تحقيق الجودة والاتقان. فهو يعيش لغاية واضحة وجلية وهي الهدف. وفي سياق ذلك ومن أجل التدريب وقفت بمحاذاة جدار واجهة القاعة على سافة تبعد ثلاثة أمتار عن الشاشة التي كنت أعرض عليها الشرائج، ثم رفعت يدي اليمنى وجعلتها ممددة ومتصلبة مستجمعا القوة بحيث صارت تشكل عائقا بين الحضور وبين الجدار، وبعد ذلك طلبت من أحد المشاركين أن يتقدم، فقام وخطا خطوات حتى وقف حائرا أمام يدي لا يعرف ماذا يفعل. ولإزالة ضباب الحيرة من عقله، طلبت منه أن يجلس، ثم وجهته أن يجعل هدفه هو الوصول إلى الجدار مهما كانت العقبات. ولمع الهدف في عقله وبدأت أحشد كل قوتي وجعلتها في قبضة يدي لكي اجعل بينه وبين هدفه عائقا. وقف المشارك وهو ينظر الى الجدار الذي أمامه دون يُعير يدي التي تتمدد بينه وبين الجدار أية أهمية، ثم تقدم خطوات وفي لمحة بصر أنزل يدي أرضا ولمس الجدار. ضحاك المشاركون وشعر هو بلذة النصر. فسألته لماذا أزحت اليد من أمامك في المرة الثانية ولم تحاول ذلك في المرة الأولى؟ وطبعا كانت اجابته أن تحديد الهدف جعله يعرف ما يريده تحديدا، ثم استأنفنا الحوار حول ضرورة أن يركز كل إنسان تفكيره في عمله، وأن يعالج مشكلة التشتت، اذ لا يعقل أن يجعل الموظف من نفسه سياسيا ومفتيا وخبيرا اقتصاديا وموسوعيا في كل العلوم والفنون وكل ذلك على حساب مهنته التي أنيطت به أمانتها. إن ما يبدد طاقات بعض المجتمعات ويطيل حالة الفقر والتخلف فيها سببه هو انشغال الانسان فيها بما لا يعنيه وانصرافه عن اختصاصه وزهده بوظيفته. واذكر أن أحد المتحدثين الحكما قال لي ذات مرة: لا تسرق! فسألته: ماذا تعني؟ قال: إن الذي يصرف وقته خارج نطاق اختصاصه واهتمامه العلمي والمهني هو كمن يسرق, وفي نفس الموضوع ضربت إحدى المشاركات مثلا بمعلمة عمانية شابة تعلم في الروضة، وعرضت صور ومشاهد من هاتفها النقال لإبداعات تلك المعلمة الشابة التي تنفق كثيرا من مرتبها المتواضع في سبيل شراء العاب وخامات وألوان وأشياء كثيرة يحبها الأطفال، وكيف تنوع في اساليبها التدريسية إلى درجة تجعل الأطفال يبكون عندما ينتهي دوام الروضة. وتقوم تلك المعلمة التي لا تحمل سوى الثانوية العامة ودورة رياض الأطفال بعملها على نحو مبدع جدا، فهي تبتكر الأساليب والطرائق وتنوع أساليب الاتصال لكي تصل إلى قلوب أطفالها وتشد انتباههم وتثير فيهم رغبة التعلم وتحفز لديهم فضول التجربة والاستكشاف وتدربهم على التأمل.
إن الطريق إلى السعادة المهنية يبدأ من قلب وعقل الموظف؛ فمتى شعر الموظف بوجوب أن يشغله عمله عما عداه وأن يستثمر طاقاته وقدراته ووقته في مهنته؛ فإنه بلا شك سيحقق النجاح ويصل إلى مرحلة تحقيق الذات.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى