الخميس 17 أغسطس 2017 م - ٢٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / المثقف والأمن .. عندما يقوى مشترك الوطن

المثقف والأمن .. عندما يقوى مشترك الوطن

**
الثقافة والأمن مفردات متداخلة متناغمة تتحاور مع الإنسان وتتفاعل مع معطيات السلوك اليومي، تدخل في نطاقها أوصاف مجتمعية مختلفة بمسميات شتى لكنها تجتمع في صناعة الإنسان وتمكينه من العيش بسلام وتعميق دوره في التنمية وبناء الأوطان، فالسياسي والمثقف ورجل الأمن وغيرهم ، نتاج لهذا التكامل، فلا قيمة لفصلها عن بعضها، ولا يمكن التوهم بفجوة التقارب وبون التوافق بينها، وهؤلاء وغيرهم بشر يصيبون ويخطئون، يؤمنون بقيم ويلتزمون بقوانين وأنظمة وشروط تحكم ممارساتهم، وضوابط ومنهجيات تبني من طبيعة وظائفهم قيمة لصناعة مجتمع السلام والأمن والتنمية، وتمكين الكلمة الراقية الطيبة بما تحمله من فكر خلاّق وأدب وذوقمن النمو، باعتبارها نتاج لمدرسة فكرية معتدلة تصنع التقارب وتؤمن بقيمة الحياة الآمنة، إنهم جميعا يدركون بأن الحرية لا تتحقق، إلا في ظل ضوابط ومنطلقات وأسس وقواعد، وصناعة العيش في حياة الناس لا يتم، إلا بحسن الرعاية والتوجيه والتقييم والمتابعة، وأن بناء مجتمع التنمية لا يستمر، إلا في ظل ثقافة الوعي، ووعيٌّ يُبنى على تقدير قيمة الفكر الخلاق والحوار المتعدد، وتعميق أثر الكلمة الطيبة التي ينتجها المثقف في تعزيز الثقة في ذاتهونقلها إلى المجتمعلتسمو خلالها مبادئ الحياة السليمة وأطرها الراقية، لذلك ففرص التقارب والتكامل بين المثقف وأجهزة الأمن أوسع مما يتصور البعض واختزالها في مسألة العداء والتباعد يتنافى مع النجاحات التي حققتها الإنسانية في عصور التاريخ المختلفة وبنيت عليها حضارات ممتدة اجتمعت فيها مؤسسات الثقافة والفكر والفن مع وجود مؤسسات الأمن والقانون، فالأمن مسؤولية الجميع، واستشعار قيمته يتطلب تذكير مستمر ورصد للممارسات التيتتجافى مع الأمن ، كالجريمة والارهاب والتخويف والاعتداء على النفس والعقل والأعراض والأموال، والتي تتطلب فاعلية أجهزة الأمن في ضبط مسارها وفق أسس تراعي خصوصية المجتمع وثقافته وقيمه وتعدديته، فإن تحديات الأمن الاجتماعي والجريمة ومشكلات الشباب والمخدرات والجرائم الالكترونية وغيرها لا يمكن التعامل معها، إلا في ظل قوانين وضوابط وتعليمات ترعاها مؤسسات الأمن وأجهزته، ومن يمتلكون الكلمة والمعلومة والنصح والتأثير من المثقفين وغيرهم في تحقيق الوعي، وهنا تأتي قيمة تكامل المسؤوليات في الحد منها ومواجهتها في ظل أطر منهجية واستراتيجيات عمل مقننة، فالعمليسير في إطار التكامل، والأداء يقيّم في ظل وحدة الهدف، والجهد يصنعه رجل الأمن بضبطه وربطه، والمثقّف بكونه القدوة في نقل رسالة التنمية والتطوير وترسيخ ثقافة العمل والبحث واستنطاق القيم وتوجيه الثقافة وإدارة محتواها لصالح إنسانية الإنسان.
وعليه فإن ما يثار من موجة الصراع بين المثقف وأجهزة الأمن، في ظل مسوغات حكمة الضبط الأمني ودوره في تحجيم ممارسات بعض المثقفين ” باسم الحرية” تتنافى مع أولوية الأمن وتضعه أمام اجتهادات شخصية ورغبات فردية، وهو ما لا يمكن قبوله، فمساحة الحريةالمتاحة لأي مواطن لا تعني تجاوز القانون، وليس لأي أحد مهما كان وصفه أن يكون وصّيا على الدولة ومؤسساتها في إبراز ما تستهويه نفسه، وما يوافق هواه دون اعتبار لمعايير المواطنة والمسؤولية وضوابط القانون وموجهات الأمن العام، كما أنه ليس هناك من أشخاص محددين يمثلون مثقفي الوطن، فالجميع يحمل رسالة الوطن وعليه أن يتحمل مسؤوليته نحوها بتجرده من أي مقاصد ذاتية أو أفكار مسيئة، وعندما تقوم مؤسسات الامن بمسؤوليتها في الضبط الاجتماعي، فإنهاتمارس بذلك حق الدولة في رعاية مواطنيها والقاطنين بها والمحافظة على سلامتهم، وإيجاد بيئة آمنة مطمئنة تراعي أسس العيشالمشترك،والتواصل والوئام بين أبناء المجتمع، وفي الوقت نفسه تتيح للمثقف وغيره بيئة مهنية يؤدي فيها دوره التثقيفي والتوعوي والوطني،ويمارس فيها مواهبه وابداعاته وابتكاراته، كأداة إصلاح وتطوير وتنوير اجتماعي.
إن الأمن ومؤسساته لم تكن في يوم ما أداة قمع وسلب لكرامة الإنسان، والمتتبع لدور أجهزة الأمن الوطنية يجد في إنسانيتها وحرصها على أمن الوطن والمواطن وحصوله على حقوقه في ظل وعي وشعور بالمسؤولية ودعمه للوحدة الوطنية واحترام المسؤوليات مدخلا للشراكة، وتصبح عمانأساس المعادلةالمستهدفة بترقية مصالحها العليا وأهدافها التنموية السامية، فتقوى رابطة الوطن وتنموأرصدة العمل المشترك من أجل عمان، فإن المأمول أيضا أن يقفالمجتمعبأفراده ومؤسساته على دور المثقف ومسؤولياته وحدود صلاحيات الكلمة والأنظمة النافذة بحقها، ليكون داعما له آخذا بيده في سعيه نحو تعزيز وحدة وطنه والوفاء بمسؤولياته، ناصحا له عندما تتنافى ممارسته مع ضمير المسؤولية ومنطق القبول الاجتماعي.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى