السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مليون نخلة لتعزيز الأمن الغذائي للسلطنة

مليون نخلة لتعزيز الأمن الغذائي للسلطنة

السيد عبد العليم

” .. ليس من المبالغة القول إن للنخلة أهمية خاصة في السلطنة، لما تمثله من رمز تاريخي وعنصر ارتباط بينها وبين الشعب العماني. حيث تعد زراعة النخيل وانتاج التمور بأنواعها المختلفة عنصرا أساسيا للنشاط الاقتصادي والدخل لكثير من العمانيين على مدار التاريخ. ويمتهنها الكثير من أبناء السلطنة مهما اختلفت ثقافتهم أو علت مناصبهم. ”

من الأشجار التي كثر ذكرها في القرآن الكريم، النخيل” جنات من نخيل وأعناب” يس 34 ، “وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ” الرعد 4. بل ان الذكر الحكيم لم يذكر النخلة فقط، بل تعرض لأجزائها” وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ” ق 10 ومكوناتها المختلفة كالعرجون والفتيل والقطمير والنقير والشطء والأكمام. كما أولت السنة النبوية المطهرة اهتماما كبيرا بالنخلة وحثت على زراعتها في أصعب الأحوال، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها” او كما قال صلى الله عليه وسلم. بما يدل على الأهمية الكبرى لهذه الشجرة والتي يثبت أيضا العلم الحديث أهمية كل أجزائها كمواد غذائية مفيدة للانسان وكعلاج وغير ذلك من أوجه الاستفادة منها. إضافة الى الصناعات التي تدخل فيها النخيل والتي تقوم على منتجاته وخاصة صناعة التمور التي يتم استهلاكها محليا او تصديرها خارجيا لتمثل رافدا اقتصاديا مهما.
وليس من المبالغة القول إن للنخلة أهمية خاصة في السلطنة، لما تمثله من رمز تاريخي وعنصر ارتباط بينها وبين الشعب العماني. حيث تعد زراعة النخيل وانتاج التمور بانواعها المختلفة عنصرا أساسيا للنشاط الاقتصادي والدخل لكثير من العمانيين على مدار التاريخ. ويمتهنها الكثير من أبناء السلطنة مهما اختلفت ثقافتهم أو علت مناصبهم.
ومن المناظر الجميلة المألوفة والمنتشرة والتي تدل على حب او عشق العمانيين للنخيل، أنها لا تمثل أشجارا تتم زراعتها والعناية بها في المزارع الخاصة بها فقط والمنتشرة في انحاء السلطنة، بل انها تمثل عنصر الزينة الرئيسية لأغلب البيوت العمانية. وذلك بما نراه من وجود اشجار النخيل الوارفة داخل اسوار المنازل والفيلل وخارجها لتمثل منظرا جميلا يسر النفوس، لاسيما عندما تطل بطلعها الجميل ويكبر وتظهر الكيزان ثم تصفر او تحمر رطبها اللذيذة المذاق بمنظرها اللافت الخلاب داخل وخارج البيوت.
ربما لا يجد البعض غرابة في ذلك المنظر الجميل وذلك لأنه اعتاد عليه منذ نشأته. لكن بالنظر الى بلدان اخرى، نجد أن ذلك أمر مميز للعمانيين. فهناك بلدان أخرى تعاني من مشاكل كثيرة في عناصر الغذاء الرئيسية، ويعاني شعبها من نقص وارتفاع كبير في اسعار الرطب والتمور. ومع ذلك، قلما تجد من يزرع نخلة امام منزله او حتى على رأس حقله كما كان يفعل اجداده. ومع ان الله سبحانه وهبهم المياه والتربة الصالحة لزراعتها، إلا انهم بدلا من ذلك يقومون بزراعة أشجار زينة لا تثمر شيء، أي منظر فقط بلا ثمر ولا فائدة.
ومن ثم يصير من الأهمية بمكان تعزيز هذا النمط من الثقافة الزراعية والمعمارية المنتشرة في السلطنة القائمة بشكل كبير على اشجار النخيل. وتشجيع ذلك وغرسه في نفوس الناشئة ليتربوا عليها فيزداد التفافهم واهتمامهم بما تمثله النخلة من موروث ثقافي زراعي وبما تمثله من انتاج للرطب والتمور التي تفيد البشر والطيور والحيوانات والتربة الزراعية كذلك. والتي تستغل كل أجزائها في صناعات مختلفة قديمة وحديثة. وبما تمثله زراعة وصناعة التمور من رافد للاقتصاد الوطني. وذلك ليتواصل اهتمامهم بهذا المورد النافع والمهم.
وقد التفت عاهل البلاد المفدى الى ذلك مبكرا وعمل على ترسيخه بالقول والعمل. وذلك عندما قال” إنه بعد التمعن في شؤون الغذاء في بلادنا وجدنا أن النخلة منذ القدم هي العمود الفقري للأمن الغذائي في عمان”. ثم قرن القول بالعمل وذلك بالتوجيه بزراعة مليون نخلة بأنواع معينة تجود بها هذه الأرض الطيبة.
وتعبيرا عن الاهتمام الكبير الذي توليه حكومة السلطنة بالنخيل ومنتجاتها، عقد في 23 من مايو الماضي، مؤتمر ومعرض الاستثمار في قطاع النخيل والتمور تحت رعاية معالي فؤاد بن جعفر الساجواني وزير الزراعة والثروة السمكية ليستمر ثلاثة أيام بحضور أكثر من 150 من المتخصصين في صناعة التمور والأكاديميين في كلية الزراعة ومشاركين من جميع أنحاء العالم. وأعلن معاليه بأن مشروع المليون نخلة أكبر مشروع زراعي على مستوى السلطنة وتم إنشاؤه بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وبمتابعة شخصية من جلالته، لأن هذا المشروع يمثل نقلة نوعية للنخلة وتنميتها بتركيزه على أصناف عالية الجودة يتم قبولها في السوق المحلية والعالمية مما يعيد لهذه النخلة التي ارتبط اسمها بعمان وأهل عمان مكانتها الطبيعية التي ينبغي أن تكون فيه من حيث الجودة والنوع والأصناف والاهتمام بالنخلة والاستثمار فيها والصناعات التحويلية المرتبطة بها والتسويق وتقليل الفاقد منها.
وأشار إلى أن هناك تنسيقا بين وزارة الزراعة والثروة السمكية ومشروع المليون نخلة حيث تقوم الوزارة بتزويد المشروع بفسائل يتم إنتاجها من أنواع الفسائل النسيجية عن طريق الزراعة النسيجية والوزارة تقوم بتزويد المشروع بحوالي 40 ألف فسيلة سنويا من الأنواع الأربعة التي يقوم مشروع المليون نخلة بزراعتها فالمشروع قائم على أحسن الأسس والخطط وقد تم اختيار الأراضي حتى تكون ذات وفرة مائية وفيها كميات مياه مستدامة ليكون المشروع قائما لأطول فترة ممكنة وهذا المشروع سوف يتيح إنتاج 90 ألف طن من التمور عالية الجودة وما يصاحبها من صناعات تحويلية وتغليف وتعبئة وغيرها وستكون فرصة للاستثمار في هذا القطاع الحيوي الهام.
وعلى صعيد ما تم انجازه في مشروع المليون نخلة، فقد تم حتى الآن تجهيز 11 مزرعة تستوعب 600 ألف نخلة. وسيتم استكمال الباقي في السنوات القليلة القادمة كما أتم المشروع الخرائط والتصاميم للمختبر المركزي، والذي سيتكون من ستة أفرع لكي يكون صمام أمان للمشروع لضمان الجودة في الإنتاج واستدامة المزارع بشكل عام.
وحول دور وزارة الزراعة في الاهتمام بالنخلة على مستوى السلطنة أشار معاليه إلى أن وزارة الزراعة تقوم حاليا بتنفيذ مشروع الإحلال عن طريق إعادة تأهيل النخيل في القرى المختلفة فيقوم الخبراء في وزارة الزراعة بإعادة تأهيل الأراضي الزراعية وإزالة النخيل التي وصلت للعمر الافتراضي وإعادة تأهيل نخيل القرية بكاملها بمنظومة ري حديثة وقلع الأشجار ذات المواصفات المتدنية وإحلال أصناف عالية الجودة وهذه التجربة تحظى بقبول واسع من المجتمعات المحلية ونحن ماضون في هذا المشروع وآخر مشروع تم الانتهاء منه في ولاية ينقل حيث تمت إعادة تأهيل النخيل بها .
ان هذه الاهتمام الكبير من قبل حكومة جلالته بالنخيل وتعزيز زراعته والعمل الجاد على الاستفادة منه من خلال الزرع والتصنيع والسويق والتصدير، يعكس الوعي الحقيقي بطبيعة هذه الأرض الطيبة ومصلحة أهلها والاستفادة القصوى بكل الموارد التي حباها الله بها ليعيش أبناؤها في سلام وامن واستقرار ورخاء بما يلبي آمالهم وطموحاتهم. وذلك من خلال رؤية وخطة استراتيجية تنطلق من الماضي لتحلل الحاضر وتستشرف المستقبل في تحقيق الأمن الغذائي للسلطنة.

إلى الأعلى