الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تطور اللغة

تطور اللغة

”ربما كان موضوع تطور اللغة من الأهمية ليستحق الدراسة والبحث فيما هو أكثر من مقال، وبما يتجاوز قدرات الصحفي أو الإعلامي ويحتاج لجهد أكاديميين في اللغات ومختلف العلوم الإنسانية الأخرى. إلا أن هناك بعض الملاحظات السريعة، فيما يخص تطور اللغة عموما والعربية خصوصا في العقود الأخيرة.”
ــــــــــــــــــــــــ
لست باحثا لغويا ولا خبيرا لسانيا ولا حتى فقيها نحويا، إلا أن مهنتي تعتمد على اللغة كأداة توصيل فحسب ومن ثم يأتي الاهتمام باللغة وتطورها ليس كوسيلة “توصيل” للمعلومات والآراء فحسب وإنما كأداة تعكس تطورات الجماعات البشرية ومنحى ثقافتها وقيمها. وبما أن اللغة العربية لغة حية فهي متطورة، وربما كانت من أكثر اللغات الحية تطورا رغم عدم مساهمة الناطقين بالعربية بقدر كبير من انجازات الثقافة والعلوم في العقود الأخيرة. ومع أن كثيرا من مبتكرات البشرية، في العقود الأخيرة، لا تجد لها تسمية عربية أصيلة إلا أن التطورات المتسارعة في المنطقة (اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا) أدت إلى تطورات لافتة في اللغة العربية في عملية تفاعلية، بما يعني أنها تطورات ستترك أثرا أيضا على تطور مختلف مناحي حياة شعوب المنطقة. مثال بسيط للدلالة على ذلك قبل الدخول في تفصيل: هل نعرف كيف يفكر أطفالنا فينا ونحن لا نستطيع الكتابة أو القراء بطريقة الرسائل النصية التي تكتب فيها اللغة العربية بالحروف اللاتينية وباختصارات ومفردات مبتكرة؟ وكيف سيشكل هذا موقفهم من الجيل الذي سبقهم، وبالتالي ما سينتقل إليهم عبره من قيم وسلوكيات وطرق تفكير؟
بداية، لعب التطور التكنولوجي وابتكار وسائل اتصال جديدة في فترات زمنية قصيرة وبشكل مطرد دورا أساسيا في “تغيرات” طرأت على لغة التواصل ـ وقد لا يقتصر هذا على اللغة العربية، لكنها مـتأثرة بشدة. وسواء اعتبرنا ذلك التغير “تطورا” أم “تدهورا” فبدون أي حكم قيمي يعد التغير تطورا ما نحو الأفضل أو الأسوأ، حسب وجهة نظرك بالطبع. المهم تطورت اللغة مع تطور التكنولوجيا، بالرسائل النصية عبر الموبايل وتغريد تويتر ومحاورات ماي سبيس وفيسبوك وغوغل بلس. ولا يقتصر التغيير على استخدام الحروف والأرقام الأجنبية لكتابة اللغة العربية، بل صاحب ذلك ـ وربما سبقه ـ “نحت” مفردات جديدة ذات دلالات أصبحت مفهومة أكثر بين فئات الشباب المتعاملين مع أدوات التكنولوجيا الحديثة وتستعصي على كثيرين غيرهم. ولا يتعلق الأمر بمفردات تخص مبتكرات التكنولوجيا التي ليس الناطقون بالعربية إلا مستهلكين لها ولم يسهموا في ابتكارها فحملت أسماء أجنبية، إنما هناك ابتكارات لغوية تعبر عن سلوكيات وطرق تفكير مختلفة تماما يصعب إعادتها إلى أي جذر لغوي عربي. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وليس هنا مجال التعرض لها لأنها ستحتاج إلى شرح وربما تستحوذ على مساحات أكبر من مساحة هذا المقال.
ربما كان موضوع تطور اللغة من الأهمية ليستحق الدراسة والبحث فيما هو أكثر من مقال، وبما يتجاوز قدرات الصحفي أو الإعلامي ويحتاج لجهد أكاديميين في اللغات ومختلف العلوم الإنسانية الأخرى. إلا أن هناك بعض الملاحظات السريعة، فيما يخص تطور اللغة عموما والعربية خصوصا في العقود الأخيرة. فاللغة لا تنفصل عن بقية نشاطات البشر، وبما أن نصف القرن الأخير تميز باستسهال شديد في كل شيء تقريبا فهكذا كان تطور اللغة أيضا لا تحكمه قواعد ولا أسس ولا يحافظ على خواص وميزات أو يرسخ لأخرى جديدة. وينسحب الاستسهال والتراجع على التعليم والثقافة عموما، ولم يعد تعلم اللغات عامة مناسبا لسوق العمل كما كان قبل عدة عقود قليلة. وتشكل الضغوط الاقتصادية، ونصيب الخدمة التعليمية من الميزانيات، عاملا إضافيا حتى إن الخريجين الآن يصعب أن تجد بينهم من يجيد اللغة العربية كما كان حال نظرائهم قبل ثلاثين عاما مثلا.
ليس التعليم وسوق العمل فحسب، بل إن اهتمام الناس بالقراءة واستخدام اللغة نفسه تغير. كان البعض يخشى على اللغة من تطور الدراما والحكي عبر الإذاعة والتلفزيون ـ والذي غالبا ما يستخدم لهجات عامية على حساب اللغة الفصحى أو حتى الوسيطة ـ لكن أثر ذلك لم يكن بقوة تأثير التكنولوجيا الأحدث ووسائل التواصل الاجتماعي (مع التحفظ على مسألة “اجتماعي” تلك حسب فهمي لما هو اجتماعي، وهذا خلاف آخر مع الأجيال الجديدة ولغتها وتعبيرها عن نفسها). فقد اصبحت أدوات التكنولوجيا الحديثة، والمستندة للإنترنت كقاعدة اتصال، تشكل أسلوب الحياة للأجيال الجديدة ولا مفر من تطور اللغة لمواكبة ذلك. ويرى البعض أن هذا التطور “منفلت” ويضر باللغة، لكن آخرين يرون أنه تطور ضروري للحفاظ على اللغة “حية” ومهما كانت التشوهات فإنها ستستقر في النهاية على شكل جديد له خصائصه وميزاته. وتجاهد المعاجم ومجمعات اللغات لتطوير محتوياتها ونهجها لتواكب هي أيضا تطور اللغة المتسارع نتيجة تطور وسائل الاتصال والتواصل.
يبقى هناك تطور أظنه لا يقل أهمية، وربما خطورة، هو ذلك المتعلق بأن اللغة تعكس المستوى الثقافي والحضاري لناطقيها والمتعاملين بها. فنتيجة تغيرات اجتماعية/اقتصادية هائلة في المجتمعات الناطقة بالعربية حفلت اللغة المتداولة ببذاءات مبتكرة وأخرى مطورة من أصول سابقة لم يكن معدلها في لغة حديث الناس بنصف هذا القدر قبل عقود. وقد يعكس استسهالا قيميا وأخلاقيا في سياق الاستسهال والسطحية العامة ـ وربما كان المجتمع المصري نموذجا واضحا على ذلك ـ دون أن يعني أنه نمط متكرر في بقية المجتمعات العربية بدرجات متفاوتة ـ وللأمانة فلا علاقة له بما حدث من تغيير بدأ في يناير وفبراير 2011. فمنذ بداية القرن ولغة الناس، خاصة الطبقات العليا اقتصاديا بشكل مفاجئ، تتحول للبذاءة حتى كادت اللغة السيئة تصبح تعبيرا عن “تميز طبقي”. لكن انفجار ذلك علنا وفي وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة هو ما جعل الناس تربط بينه وبين التغيير قبل ثلاث سنوات.

د. أيمن مصطفى
كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى