الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الإفلاس الفني

الإفلاس الفني

السيد عبد العليم

” في زماننا هذا، نجد كثيرا من الفنانين المصريين والعرب عندما يشارك في عمل فني سواء في الغناء أو التمثيل حتى يجد طريقه إلى العرض على الشاشة، وبدلا من ان يستمر في عمله الفني هذا ويرقى فيه حتى يصبح نجما كبيرا ويستمر في عطائه بوصف الفن رسالة تعمل على تصحيح ومعالجة مشاكل وأوضاع معينة في المجتمع وتوجيه الناس إلى ما فيه الخير”

فيما يعرف بزمن الفن الجميل، كان من النادر أن تجد فنانا مصريا أوعربيا يقوم بعمل غير فنه. وذلك لانه كان يعطي كل وقته وجهده لعمله الفني فقط، على الرغم من قلة ايرادات عمله هذا بشكل جعل الكثير من ابرز نجوم السينما العربية يمرضون ولا يجدون ثمنا لعلاجهم ويعيش عدد منهم ويموتون وهم فقراء. وذلك لان الفن بالنسبة لهم كان رسالة ومهنة يتقنها وليس مكسبا ماديا يسعى بكل السبل الى نيله. ومن ثم بقيت اعمال واسماء هؤلاء من جيل الرواد والعمالقة، وما زال هناك اقبال كبير على المشاهدة والاستمتاع بتلك الاعمال الفنية مهما تكررت وبعدت المسافة الزمنية. لان اساسها كان المهنية الحقيقية. كما كان من النادر ايضا اجراء حوار فني مع نجوم الغناء والتمثيل في ذلك الوقت.
اما في زماننا هذا، فنجد كثيرا من الفنانين المصريين والعرب عندما يشارك في عمل فني سواء في الغناء او التمثيل حتى يجد طريقه الى العرض على الشاشة، وبدلا من ان يستمر في عمله الفني هذا ويرقى فيه حتى يصبح نجما كبيرا ويستمر في عطائه بوصف الفن رسالة تعمل على تصحيح ومعالجة مشاكل واوضاع معينة في المجتمع وتوجيه الناس الى ما فيه الخير وانه يسلط الأضواء على مشاكل المجتمع من خلال التنبيه والتحذير وطرح معالجات لتلك المشاكل. اي السير في طريق العمل الفني الصحيح من بدايته الى منتهاه، كما كان يفعل جيل العمالقة القدامى.
لكن بدلا من ذلك نجد كثيرا من الفنانين والفنانات في وقتنا هذا ينصرفون عن الفن، ويتجهون الى تقديم برامج على الفضائيات اكثرها غير مجدٍ وبلا هدف بشكل يجعل البعض يعتقد انها في النهاية ربما تكون اكثر راحة لهم من العمل الفني الذي يستمر لايام وربما لشهور في التصوير وغيره، كما انها ربما تكون افضل من الناحية المادية. الامر الذي يظهر بحق وجود حالة مما يمكن وصفه بالافلاس الفني لدى هؤلاء الفنانين الذين سرعان ما يتخلون عن مهنتهم ورسالتهم من اجل الراحة وحفنة من المال وربما لافلاسهم المهني. فيقوم هؤلاء الفنانون بتقديم برامج تستضيف زملاءهم الفنانين وتقدم فقرات مبتذلة لا جديد فيها ولا فكر ولارسالة ولا علاج لمشاكل ولا شيء. فيكونون بذلك لم يفلحوا لا فنا ولا اعلاما. وذلك لان المجال الاعلامي يعاني هو الآخر. فنظرة على عدد كبير من الفضائيات العربية المنتشرة، نجد كثيرا من البرامج والموضوعات المتشابهة او ربما المنسوخة، حتى وصل الامر ان يقوم المذيعون ومقدمو البرامج باستضافة بعضهم البعض، ليعبر ذلك بشكل واضح عن حالة الافلاس الاعلامي. وكأن الساحة الإعلامية لم يعد فيها ذلك الاعلامي الذي يتناول قضايا جادة يستضيف المختصين والمعنيين واصحاب الافكار والرؤى فيها. حتى صارت تلك الساحة حكرا على مجموعة بعينها بافكارها وتوجهاتها ومعتقداتها، ولم يعد هناك تنوع في الاراء والرؤى والاطروحات. أي كأن الأمر صار أشبه بصدى صوت، بحيث لم يعد هناك اختلاف او تميز بين القنوات بل صارت كلها نسخة مكررة. ليزيد ذلك من تراجع المشهد الاعلامي المترهل من الأساس والذي لم يزده اقتحام الفنانين سوى ترهلا وابتذالا. ولينصرف الكثيرون عن مشاهدة مثل تلك البرامج والقنوات.
ولعل مما يزيد الأمر سوءا، هو عدم وجود هذا الافلاس المهني فحسب بل ان هناك ايضا افلاسا اخلاقيا واسعا. وذلك من خلال وجود فنانين وفنانات اساءوا للفن والقيم والاخلاق والانسانية. وذلك بنشر الفضائح الخاصة بهم عبر مساحات في الصحف والمجلات والفضائيات ورفع قضايا في ساحات المحاكم في بلدانهم لاثبات نسب اطفال من ابائهم الفنانين. فكيف جاء هؤلاء الاطفال؟ وبدلا من التستر على الفضيحة ومحاولة معالجة نتائجها بالتواري والخجل والحلول الأسرية والاجتماعية والقضائية بعيدا عن الانظار، كانت الفضائح عبر وسائل الاعلام المختلفة. اي ليست المعصية والتوبة والانابة ومحاولة معالجة تداعياتها، بل المجاهرة بالمعصية وكشف ستر الله. بما يمثل بشكل او اخر دعوى الى ممارسة الاعمال الفاضحة. ولم يتم ذلك من فنان واحد ليقال انها أمور فردية بل هناك تكرار لذلك. ثم ان هناك فنانين يقدمون برامج تقوم على الفضائح. فهذا مغني وممثل اتجه الى تقديم برامج تعرض راقصة زميلة له في حفلاته الغنائية مقطعا مصورا يقبل فيه قدمها. ليدخلا في سجال بان كل منهما يبتز الآخر من خلال اقامة علاقة غير مشروعة بينهما فيفضحان بعضهما البعض. وتهديدات بكشف المستور في مسلسل الفضائح اللا اخلاقية المبتذلة. وذلك من قبل فنانين يفترض فيهم الاحترام وتقديم اعمال فنية تدعو الى الفضيلة والاخلاق الحسنة وحسن السلوك بشكل يجعلهم حسب المفترض ان يكونوا قدوة ومثلا طيبا. فكيف يمكن لهذا ان يتحقق؟ وما هي الفائدة التي تعود على المشاهدين من تلك الفضائح والبرامج التي لا تقدم شيئا مفيدا؟
لقد صارت الحاجة ماسة الى وضع وتنفيذ قواعد قانونية صارمة لمن يعمل في مجالي الفن والاعلام. وان يكون هناك معايير وضوابط معينة للعمل في مجال الاعلام الذي يلامس حياة وذوقيات الملايين داخل البيوت بدون استئذان.
ان الاعلام رسالة يجب ان تعقد لها قواعدها وتأصل لها أصولها، ولا يكون هناك تطفل عليها من كل صحفي كتب مقالة تافهة او مغني القى أغنية ساذجة او راقصة قدمت عرضا رخيصا او ممثلا او ممثلة تكاسلت وافلست فنيا لتجد نفسها نجمة اعلامية بلا اي خبرات او معايير او ضوابط، ليزداد التخبط والعمى العقلي والفكري والخبال الإعلامي، وذلك الهراء الذي يعرض ليفسد على الناس أذواقهم.

إلى الأعلى