السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خير ما نستقبل به رمضان

خير ما نستقبل به رمضان

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: خير ما نستقبل به رمضان هو سلامة الصدور وتصفية القلوب وتطهير النفوس.
ألا نتذكر ما فعله إخوة يوسف معه حينما ألقوه في بئر مظلم بلا طعام ولا شراب وصار على حافة الموت، وهم رجال أشداء كبار وأبوه شيخ كبير فلم يرحموا شيبة الكبير ولا ضعف الصغير، وعندما تمكن يوسف منهم هل بدأ تصفية الحسابات القديمة أم أنه استعلي بإيمانه وقدم العفو علي العقوبة، قال لإخوته:(لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).
وهذه هي أخلاق النبوة وتلك هي شيم الكرام، والعفو من شيم الكرام .
والمشهد نفسه في فتح مكة تكرر مع النبي وهؤلاء قومه الذين حاربوه وتآمروا علي قتله وألبوا عليه القبائل وعذبوا أصحابه وعندما هاجرت ابنته زينب نزغ أحدهم ناقتها فوقعت علي صخرة ونزفت دماؤها وما لبث أن ماتت ـ رضي الله عنها ـ من فعلوا هذا بأسرته وأهله وبناته ألا ينتقم لنفسه ولو بقول غليظ وتعنيف شديد؟ لا والله بل قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
رحم الله عبداً عفا عند المقدرة، ولا يقدر علي هذا إلا من قهروا نفوسهم فملكوها ولم تملكهم، فالنفس كالدابة إن ركبتها حملتك، وإن ركبتك قتلتك وأهلكتك.
ذكر القرآن درجتان: العدل والإحسان:(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظم لعلكم تذكرون)، فالقصاص حق وعدل، أما الأحب والأقرب إلى الله فهو العفو:
عن جرير أن رجلاً كان مع أبي موسى فغنموا مغنما فأعطاه أبو موسى نصيبه ولم يوفه فأبى أن يأخذه إلا جميعه، فضربه أبو موسى عشرين سوطا وحلق رأسه فجمع شعره وذهب به إلى عمر، فأخرج شعرا من جيبه فضرب به صدر عمر، قال: ما لك؟ فذكر قصته، فكتب عمر إلى أبي موسى: سلام عليك، أما بعد فإن فلان ابن فلان أخبرني بكذا وكذا وإني أقسم عليك إن كنت فعلت ما فعلت في ملأ من الناس جلست له في ملأ من الناس فاقتص منك، وإن كنت فعلت ما فعلت في خلاء فاقعد له في خلاء فليقتص منك ؛ فلما دفع إليه الكتاب قعد للقصاص ـ ولك أن تتملي هذا المشهد في قائد كبير يجلس أمام جندي من جنوده ليقتص منه! ـ فقال الرجل: قد عفوت عنه لله .
بهذا العدل قامت السموات والأرض، وبهذا العفو دخل الناس في دين الله أفواجاً، فالحمد لله علي نعمة الإسلام.
روى مسلم والترمذي وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله:(ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).
في أي شيء سيتنافس المتنافسون؟ وأي زاد سيحمله الراحلون؟ هذا الدين غير لنا ميادين التنافس فجعلها فيما يدوم ويبقى لا فيما يزول ويفنى، الله يحب أن يري تنافس عباده فيما يرضيه، فما هي أحب الأعمال إليه وأثقلها في الميزان عنده يوم القيامة؟ إنها حفظ حقوق العباد والرحمة علي خلق الله، صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك، فالظالم نادم وإن مدحه الناس، والمظلوم سالم وإن ذمه الناس .
كان لجعفر الصادق غلام قد أساء فهم بعقابه فقال له الغلام: يا سيدي أتضرب من ليس له شفيع غيرك؟ فقال: قد عفوت عنك، فقال: والله ما عفوت عني أنت وإنما عفا عني من أجري هذه الكلمة علي لساني، فعجب لها جعفر وقال: موحد ورب الكعبة لا يرى مع الله غير الله، اذهب فأنت حر لوجه الله .
اللهم اعف عنا وأعتق رقابنا من النار وارزقنا قلوبنا سليمة تقية نقية لا إثم فيها ولا بغي ولا غل ولا حسد.

إلى الأعلى