الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (83)

تكـريـم الله للإنسان (83)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـيروى عـن عـمـر بن الخـطـاب ـ رضي الله عـنه ـ أن قـال: الاسـتقـامة أن تسـتقـيـم عـلى الحـق ولا تـروغ عـنه روغـان الثـعـلـب، ومفهـوم هـذا أن خـلـق الاسـتقـامة يـبـعـد صاحبه عـن التـلـون والـذبـذب، وعـن النـفـاق والـرياء والسمـعـة فالمستـقـيـم قـد عـرف طـريقـه إلى الحـق فاتبعـه، وآمـن بعـقـيـدته وثـبـت عـلى ذلك، ومضى عـلى سـبيله لا يـمـيـل ولا ينـحـرف عـنه يمـيـناً ولا شـمالاً.
وقال أحـد العـلماء: الاســتـقـامة كلـمة جـامعـة آخـذة بمجـامع الـديـن ، وهي الـقـيام بيـن يـدي الله عـلى حـقـيـقـة الصـدق والـوفاء بالعـهـد، والاسـتـقامة تـتعـلـق بالا قـوال والأفـعـال والاحـوال والـنـيات.
وقـال بعـضهـم: أعـظـم الــكـرامة لـزوم الاسـتـقـامة، لأن مـن لازم الاسـتـقـامة لا يمـكـن أن يـخـدع أو يـنافـق أو يـغــدر، بـل يـكـون كـريمـا عـلى نفـسه غـاية الاكـرام، إذ لـم يـقـبـل لها أن تـنحـط إلى درك التـلـون والـتـذبـذب، بـعـد عـلـوها وسـمـوها ويـكـون كـريماً عـلى ربه، لأن الله عـز وجـل يخـتـص بـرحـمـته ونعـمـته ومرضاته، أولـئـك الـذين يخـلصـون أعـمـالهـم وأقــوالهـم، في كل أحـوالهـم لـوجـه الله سـبحانه وتعـالى.
وليـس بـدعـا إذا قـيـل عـن فـضـيلة الاســتـقامة وتأثـيرها عـلى الفـرد والمجـتمـع، فهي التي تجـعـل صاحـبها عـلى الــدوام يحـاسـب نـفـسه، ويـراقـب ربه سـرا وعـلانية ويـلـتـزم بصـراطـه المسـتـقـيـم، ويمـزج ســلـوكه وتصرفاته بخـلـوص النيـة لله وصـدق التـوجـه إلـيه، فـتـكـون اسـتـقـامته نـورا يسـعى بـين يـديـه، فـيـهـديه الطــريـق المسـتـقـيـم، وسـراجـا يضيء جـوانـب الانسـان المسـتقـيم، ويصـرفه التصرف القـويـم وبـناء عـلى ذلك قـيـل الاسـتقـامة روح تحـيا به النفـوس في جـميع الأحـوال، كـما تحـيا الأرض الميتـة بـنـزول المطـر إلـيها، قال تعـالى:(وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ) (ق 9 ـ 11).
وروى عـن أبي بـكـر الصـديـق ـ رضي الله عـنه ـ أنه قال:(الاسـتـقامة ألا تـشرك بالله شـيئاً)، وفـسـر العـلـماء قـول أبي بـكـر بأنه أراد بالاسـتـقـامة عـلى محـض الـتـوحـيـد ، لأن مـن اســتـقـام عـلى صــدق التـوحـيـد لله، اسـتـوى عـلى الصـراط المـسـتقـيـم فـي أقـواله وأعـمـاله، وفي خـواطـره وأفـكاره فأنصـبـغ بصـبغـة الله، ومـن أحـسن مـن الله صـبغـة، قال الله تبارك وتعـالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البـقـرة ـ 138).
وقـد حـثـنا الله سـبحانه وتعـالى عـلى الاسـتقـامة في كتابه العـزيـز حـيـث قال:(وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعـام ـ 153)، وقال:(.. وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (آل عـمـران ـ 101)، وقـال:(.. وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الحج ـ 54)، وقـال:(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المـؤمنـون ـ 73).
ذلك هـو صـراط الله الـذي يـوصـل الـعـبـد إلى رضائه، وتحـقـيـق الاســتـقامة ليـس أمـراً صـعـباً لمـن عـود نـفـسه عـلى ذلك ووطـنها، فالنفـس تـنـقـاد إذا قـيـدت وإذا أهـملـت قـادت صـاحـبها إلى ما لا تحـمـد عـقـباه.
وطـريـق الاســتـقـامة أوضـح الطــرق، وأقـصـرها لـوصـول إلى رضـاء الله وحـسب المـرء أن يـقـرأ قـوله تعـالى:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فـصلت 30 ـ 33).
فإن مـن قـرأ تلـك الآيات بتـمعــن وتـدبـر، ونـظـر إلى ذلـك التصـويـر العـجـيـب يصـير صحـبة المـلائـكـة وولاءهـم ومـودتهـم، أدرك فـضـل الله العـظـيـم عـلى عـبـاده المـؤمنيـن الطـائعـيـن المسـتقـيـمـين، يهـون عـليه ما يبـذله، كـيـف لا وهـم يـقـولـون لأولـيائهـم المـؤمنيـن: تخـافـوا ولا تحـزنـوا وابشـروا بالجـنة التي كـنـتـم تـوعــدون نحـن أولياؤكـم في الحـياة الـدنيا وفي الآخـرة، إنها صحـبة عـظـيمـة وبشـارة أعـظـم.
فالـواجـب عـلى أهـل الاسـتـقـامة، أن يـدركـوا عـلـو تـلك المـنزلة ولـولا تـوفـيـق الله ورحـمته، ما نالـوا تلـك المـنزلة العـالـية الـرفـيعـة، قال الله تعـالى:(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس ـ 58).
إن أهـل الاسـتـقـامة يـودون حـيـن يـسمعـون قـول المـلائكـة الكـرام:(نحـن أولـياؤكـم في الحـياة الـدنيا وفي الآخـرة)، أن يسـمـع إخـوانهـم المـؤمنـون ذلك القـول وتـلك البشـارة، حتى يـبـذلـوا قـصارى جهـدهـم في طـاعـة الله تعـالى، حتى تشـملهـم الـولايـة والبشـارة، فـيـنالـوا نـزلا مـن غـفـو رحـيـم، فإذا أدركـوا عـلـو ذلك الـنـزل، احـتـقـروا ما يـبـذلـون في ســبـيـله، لأنها السـعـادة الأبـدية والحـياة الحـقـيـقـية الخـالية مـن كل المنغـصات التي تعــتري الحـياة الـدنيـا الـفـانـيـة.
ولقـد ضـرب الـرسـول )صلى الله عـليه وسـلم( المثـل الأعـلى، في الاسـتقـامـة ظـاهـراً وباطـناً، في أقـواله وأفـعـاله وفي حـركاته وسـكناته، ولـم بـكتفي أن يـعـطـى القــدوة الحسـنة في الاسـتـقامة، وإنـما أخـذ يحـث أمته عـليها والاقـتـداء به، والسير عـلى سـنته، فـقـد قـال للــذي سـأله أن يـقـول له في الإسـلام قـولاً فـصـلاً لا يسـأل عـنه أحـدا غـيـره، قـال له:(قــل أمنـت بالله، ثـم اســتـقـم).
فـليـمـض المـؤمـن المستقـيـم في طـريقه، جاعـلا نصـب عـينيه عـلى الـدوام قــول الله عـز وجـل: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الـروم ـ 30)، وقال تعـالى:(فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (الشـورى ـ 15).
قال الله تعـالى في كـتابه العـزيـز:(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التـوبة ـ 111)، وقال:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البـقـرة ـ 40).
إن الـوفاء يـدل عـلى التمـام والـكـمال، وجـاءت كـلمة الـوفاء دالة عـلى إتـمام العهـد والـوعـد ، وإكـمال الشـرط وفي الحـديـث:(أوفـى الله ذمـتـك)، أي: أتمهـا، قال الله تعـالى:(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الـزمـر ـ 42).
.. نستكمل بقية الحلقات خلال شهر رمضان الفضيل ان شاء الله.

إلى الأعلى