الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صراع الأوهام التلمودية مع الحقائق التاريخية!

صراع الأوهام التلمودية مع الحقائق التاريخية!

جواد البشيتي

”عملًا بـ”الشرعية الدولية”، وامتثالًا لقرارات الأمم المتحدة، لا يجوز للفلسطينيين أمران: أن يعترفوا بدولة إسرائيل بحدودها ما بين حربي 1948 و1967، فإسرائيل المعترَف بها دوليًّا هي التي لا تتخطَّى في حدودها حدود قرار الأمم المتحدة الرقم 181، وأن يعترفوا بإسرائيل هذه (أي إسرائيل بحدودها ما بين حربي 1948 و1967) على أنَّها “دولة يهودية”، أي دولة تخصُّ “الشعب اليهودي” وحده.”

لوسُئل نتنياهو، مع سائر المتعصبين التلموديين، عن “شرعية” دولة بني إسرائيل لأجاب على البديهة قائلًا إنَّ “السماء” هي التي منها اسْتُمِدت (أوَّلًا) هذه الشرعية؛ فـ”خطاب” الرَّب، أو “وعده”، كان أوَّلًا؛ ثمَّ جاء خطاب بلفور، أو وعده، ثمَّ جاء قرار الأمم المتحدة الرقم 181، ثمَّ..
إنَّ “خطاب الرَّب” هو حجر الأساس في بنية “روايته التاريخية” المقُنِعة للأغبياء من بشر القرن الحادي والعشرين؛ وكان ينبغي لكل عقلاني أنْ يشك ولو قليلًا في هذا الذي يعتدونه “مسلَّمة”، على ما يفتقر إليه من أدلة الإثبات؛ فإنَّ من السُّخف بمكان أنْ نتَّخِذ من أمْرٍ يحتاج إلى الإثبات “مُسلَّمة”، ثمَّ نُثْبِت بها، أو ننفي، أمورًا أخرى!
وما زلنا نذكر قصة “مسيلمة” القرن الحادي والعشرين جورج بوش؛ أوَلَم يزعم هذا الرَّجُل أنَّه “كليم الرَّب” في زماننا، وأنَّه يمت بصلة قربى، أو بصلة الرَّحم، إلى السماء،وأنَّه وحيٌ يوحى في ما يُقرِّر؟!
مَنْ هُمْ حوله، أدخلوا في روعه أنَّ روح القدس نفثت في روعه أنَّ الرَّب هو الذي يلهمه الرأي والقرار؛ فكان “الخبر السيئ” أنَّ الرَّب أمر “المولود الجديد”، أي جورج بوش، الذي انتمى إلى كنيسة الإنجيليين سنة 1985 بعدما قضى الشباب من عمره في أعمال تُغضِب الرَّب كمثل معاقرة الخمر، بـ”فتح” أفغانستان والعراق، واستئصال شأفة الطغيان فيهما. و”الخبر الجيد” هو أنَّ الرَّب أمره بأن يقيم للفلسطينيين دولة في جزء من “أرض الميعاد”، فـ”نزلت” تلك “الخطة”، التي توهمنا أنها من تدبير اللجنة الدولية الرباعية، والمسماة “خريطة الطريق”!
“الرئيس” قال، ذات يومٍ، إنَّ “الرَّب” خاطبه قائلا: “جورج إنْهِ الطغيان في أفغانستان والعراق، وأَقِمْ للفلسطينيين دولة، واحْفَظ للإسرائيليين أمنهم”، فأجابه “المأمور” قائلا: “إنِّي لفاعلها”. وكشف “الرئيس” أنَّ “الرَّب” كلمه عن “السلام في الشرق الأوسط”، وأهمية تحقيقه. على أنَّ “الرئيس” أوضح أنَّه “لا يستخدم الإرادة الإلهية في تبرير القرارات (السياسية) التي يتَّخذها”، ويحاول، فحسب، أن يكون “رسولًا ينفِّذ إرادة الرَّب”.
كان الرئيس بوش يَرْقُب نهاية العالم كمثل من يرقب سقوط السماء على الأرض؛ لكنَّه لفرط إيمانه لا يرقبها في سلبيةٍ، فهو، وبعدما حرَّر عقله من قيود المنطق والتفكير السوي، آمَنَ بأنَّ السماء قد وقع اختيارها عليه من أجل التعجيل في عودة المسيح على ظهر غمامة. لقد حار “المولود الجديد” في الطريقة التي ينبغي له اتباعها في سبيل تسريع تلك العودة، ومعها نهاية العالم، فهمسوا في أذنه قائلين إنَّ المسيح يشترط لعودته هدم الحرم القدسي، وإعادة بناء الهيكل على أنقاضه ومكانه، فما كان منه، وهو الذي اهتدى بعد طول ضلال، إلا أن شرع يلبِّي هذا الشرط السماوي.
لقد شَنَّفْتَ نتنياهو، وصحبه، آذان مستمعيه بكلامه عن “أرض الميعاد”، وعن “وطن الأجداد”، و”الوطن القومي التاريخي للشعب اليهودي”، وعن “التنازل المؤلم (له) عن جزء (عزيز) من هذا الوطن للشعب الفلسطيني (الذي سكنه من غير وجه حق)”، وعن “التاريخ المشوَّه، وغير المشوَّه”، وعن “الشعب اليهودي الذي لم يكن بعودته إلى موطنه مُحْتَلًّا أجنبيًّا كالمُحْتَل البريطاني للهند والبلجيكي للكونجو”؛ لكنْ لنَعُدْ إلى خرافة “الوعد” و”أرض الميعاد”، ونتأمَّل.
أين كان أبرام العبراني عندما ظَهَرَ “الرَّبُّ” له، على ما جاء في “سِفْر التكوين”، ليُخاطبه قائلًا: “لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إلى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ”؟
إنَّه (مع قومه) لم يكن في فلسطين، التي كان فيها الكنعانيون، والتي كانت، حتى في أسفارهم، “أرض كنعان”.
إنَّ موطن أجدادهم الحقيقي هو نفسه المكان الذي فيه ظَهَر “الرَّب” لزعيمهم الأقدم، لِيَعِدَهُ، على ما زعموا، بجعل “أرض كنعان” لهم. زعيمهم ذاك، مع قومه، لم يكن موجودًا في “أرض كنعان” عندما وعده “الرَّب” بجعلها مُلْكًا له ولنسله. لقد كان “هناك”، في موطنه الحقيقي الأصلي؛ أمَّا “هنا”، أي في “أرض كنعان”، فكان مالكها الشرعي الحقيقي الأصلي؛ ولقد أصبحت (“أرض كنعان”) لجهة صلتها بأجدادهم كالهند لجهة صلتها بالمُحْتل البريطاني، وكالكونجو لجهة صلتها بالمُحْتَل البلجيكي.
إذا غسلوا عقولهم من الأوهام التلمودية، وسمحوا للفكر الذي يضرب جذوره عميقًا في “حقائق التاريخ”بأنْ يستوطنها، فإنَّهم، عندئذٍ، سيعترفون بأنَّ فلسطين كانت لغيرهم (كانت للكنعانيين) ولم تكن لهم؛ لكنَّهم (أي أجدادهم) تركوا موطنهم الأصلي الحقيقي، وجاءوا إلى فلسطين غزاةً (مستذرعين بـ”الوعد الرَّباني”).
وقال نتنياهو: “إنَّني وقفتُ أمام شعبي، وقلت له، مع أنَّ الأمر لم يكن سهلًا عليَّ، إنَّني سأقبل دولة فلسطينية؛ ولقد حان للرئيس عباس أنْ يحذو حذوي، ويقول لشعبه إنَّه سيقبل دولة يهودية. إنَّها ستُّ كلمات لو نطق بها الرئيس عباس لتغيَّر التاريخ..”.
حسنًا، دعونا نفترض أنَّ الرئيس عباس قد نطق بتلك الكلمات (السِّحرية) السِّت. دعونا نقول إنَّ الرئيس عباس قال إنَّه يقبل دولة يهودية كما (وانتبهوا لـ”كما”) قَبِلنتنياهو دولة فلسطينية؛ فهل سترى التاريخ تغيَّر؟!
الرئيس عباس قد يقول: “إنَّني أقبل دولة يهودية؛ لأنَّني أقبل قرار الأمم المتحدة الرَّقم 181، والذي فيه فحسب تعيَّنت تلك الدولة، مساحةً وحدودًا؛ وإنَّني أقبل دولة يهودية في جزء من الوطن التاريخي لأجدادنا، تنازلنا عنه (ونحن نتألَّم) لشعبٍ يسكن الآن فلسطين من غير وجه حق”.
لا يحق لنتنياهو أنْ يعترض قائلًا إنَّ على الرئيس عباس أنْ يقبل الدولة اليهودية بحدودها التي تريدها إسرائيل؛ فالإسرائيليون أوَّلًا لم يقبلوا الدولة الفلسطينية بحدودها التي يريدها عباس؛ كما أنَّهمقالوا بالتفاوض طريقًا (وحيدةً) لحلٍّ نهائي لمشكلة الحدود بين الدولتين. إنَّ على نتنياهو أنْ يقبل دولة فلسطينية بحدودها كما وَرَدت في “قرار التقسيم”، فيَعِده الرئيس عباس، عندئذٍ، بعدم عودة أي لاجئ فلسطيني إلى هذا الإقليم للدولة اليهودية، أو أنْ يقبل دولة فلسطينية بحدود الرابع من حزيران 1967؛ لكن من غير أنْ يتخلَّى اللاجئون الفلسطينيون عن حقِّهم في العودة إلى حيث كانوا قبل حرب 1948.
هذه هي الكلمات التي إنْ نَطَقْتَ بها تغيَّر التاريخ.
عملًا بـ”الشرعية الدولية”، وامتثالًا لقرارات الأمم المتحدة، لا يجوز للفلسطينيين أمران: أن يعترفوا بدولة إسرائيل بحدودها ما بين حربي 1948 و1967، فإسرائيل المعترَف بها دوليًّا هي التي لا تتخطَّى في حدودها حدود قرار الأمم المتحدة الرقم 181، وأن يعترفوا بإسرائيل هذه (أي إسرائيل بحدودها ما بين حربي 1948 و1967) على أنَّها “دولة يهودية”، أي دولة تخصُّ “الشعب اليهودي” وحده.
إنَّ “خطوط الهدنة”، أو “خطوط الرابع من حزيران (1967)”، ليست بالحدود (الإسرائيلية) المعترَف بها دوليًّا؛ وليست، من ثمَّ، بالحدود التي يحقُّ للمتحدِّثين باسم “الشرعية الدولة” دعوة الفلسطينيين إلى الاعتراف بها على أنَّها حدود سياسية دائمة لدولة إسرائيل.
لقد قنط نتنياهو من الجهود المضنية التي بذلها علماء الآثار الإسرائيليون (منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية) لإثبات أنَّ لـ”الشعب اليهودي” حقًّا دينيًّا وتاريخيًّا في أرض فلسطين، وفي “العاصمة الموحَّدة الأبدية” على وجه الخصوص.
ولا شكَّ في أنَّ “النتائج” قد ذهبت بأوهامه التلمودية إذ أكَّد علماء آثار يهود، بعد البحث والحفر والتنقيب في “مدينة داود” في حيِّ سلوان في القدس الشرقية، أنْ لا شيء هناك يدلُّ على أنَّ داود كان له قصرًا، حيث بحثوا وحفروا ونقَّبوا، أو أنَّ ذلك المكان عَرَف داود، أو عرفه داود.
وأخصُّ بالذِّكْر من هؤلاء المحاضِر في جامعة تل أبيب رافاييل جرينبرج، الذي قال “لم نعثر على شيء”، وعالم الآثار في الجامعة نفسها البرفيسور إسرائيل فنكلشتاين الذي قال “هؤلاء يخلطون الدين بالعلم.. المنظَّمات اليهودية اليمينية المتطرفة (كجمعية “إيلعاد”) لم تعثر على قطعة أثرية واحدة من قصر النبي داود”، وعالم الآثار المستقل البروفيسور يوني مزراحي الذي قال لم نعثر على لافتة مكتوب عليها “مرحبًا بكم في قصر داود”!
ولقد أنكر أبناء الأوهام التلمودية ما يشبه بديهية هندسية إذ رفضوا تصديق ما أتاهم به علم التاريخ، وعلم الآثار، من أدلة مفحمة على أنَّ الحرم الإبراهيمي في الخليل لا يضم رفات “أبرام العبراني”.
“كذبةٌ تاريخية (وقانونية) كبرى” أن يزعم الفلسطينيون، الذين عاشوا في أرض فلسطين كلها، عيشًا متَّصِلًا، قرونًا من الزمان، أنَّ لهم حقًّا قوميًّا وتاريخيًّا في فلسطين؛ و”فضيلةٌ كبرى” أن يعترف الفلسطينيون بأنَّ زعمهم هذا كان “كذبة كبرى” من خلال اعترافهم بإسرائيل على أنَّها دولة تخصُّ “الشعب اليهودي” فحسب!
و”حقيقةٌ لا ريب فيها”، وفي منزلة “الحقائق الفيزيائية”، أنْ يزعم “الشعب اليهودي” أنَّ “الربَّ” هو الذي “منح” له أرض فلسطين (وغيرها) إذ خاطب أبرام العبراني قائلًا: “لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصريم (النيل) إلى نهر فرات (الفرات) الكبير”!
اليهودي، أو الإسرائيلي، صار، في طريقته في التفكير والنظر إلى الأمور، وليدًا لتلك الخرافة التوراتية، التي اخترعها أسلافه (الروحيون) القدماء، فاقتنع، وسعى في إقناع غيره، بأنَّ فلسطين له وحده، وبأنَّ العربي الفلسطيني غريب عن هذا “الوطن الرباني”، ولو عاش فيه عيشا تاريخيا متصلا أكثر منه؛ كما اقتنع، وسعى في إقناع غيره، بأنَّ في الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها في حق العربي الفلسطيني تكمن قيم أخلاقية وإنسانية وديمقراطية، فهذا العربي الفلسطيني يجب أن يغادر “ارض الميعاد” إلى غير رجعة، فإذا بقي فيها فلن يبقى إلا برأفته الإنسانية!
لقد تَحَدَّث “المسيحي المحافظ” بات روبرتسون عن أسباب المرض الذي أصاب دماغ شارون، فاكتشف أو قرَّر أنَّ مسبِّبها هو غضب الرَّب على هذا الذي تطاوَل على حقِّهِ (حق الرَّب) في تملُّك تلك “الأرض المقدَّسة”، وسعى (عَبْرَ إخراجه للمستوطنين والجنود الإسرائيليين مِنْ قطاع غزة) إلى تقسيمها. ونَسَبَ إلى “نبي” يُسمَّى “يوئيل” تصريحًا يؤكِّد فيه أنَّ الرب “يُخاصِم” كل مَنْ “يُقَسِّم أرْضًا يَعْتَبِرْها الرب أرضه”.
أحد أبناء الوهم التلمودي قال: إنَّ أحدًا في العالم ليس من حقه أن يسأل إسرائيل في أمر بناء منازل في القدس الشرقية (عاصمة الملك داوود) لأنَّها عاصمتها منذ ثلاثة آلاف سنة، وإنَّها كانت يهودية خالصة عندما كان أجداد العرب يعاقرون الخمر، ويئدون البنات، ويعبدون اللات والعزَّى. والقرآن نفسه لم يَذْكُر اسم القدس؛ و”خريطة الطريق” لم تُشِرْ لا من قريب ولا من بعيد إلى القدس الشرقية. أمَّا الضفة الغربية (ومعها القدس الشرقية) فهي أرض لا سيادة لأيِّ دولة عليها؛ لقد كانت قبل حرب حزيران 1967 تحت “الاحتلال الأردني”، ثمَّ سيطرت عليها إسرائيل؛ وعليه، لم تستولِ عليها إسرائيل من أيِّ دولة حتى تعيدها إليها؛ وعليه، أيضًا، يحق لإسرائيل أن تفعل فيها ما تشاء.
لقد عبَدَ اليهود خرافة “الوعد الرباني”، التي اخترعها قادتهم، حتى استعبدتهم واستبدت بتفكيرهم في وجه عام، وفي تفكيرهم السياسي في وجه خاص، فصار متعذرًا، بل مستحيلًا، إقناع اليهودي أو الإسرائيلي، اليوم، بأنَّ وجوده “القومي” في فلسطين لا يتمتع بالشرعية التي يتمتع بها الوجود القومي للألماني في ألمانيا، وللفرنسي في فرنسا، وللروسي في روسيا، وللصيني في الصين.. وللفلسطيني (العربي) في فلسطين!
اليهود لم يعرفهم التاريخ إلا بصفة كونهم جماعة بشرية معدومة الوزن التاريخي والحضاري والثقافي، فكانوا عرضة، من ثمَّ، إلى أن يفقدوا شخصيتهم الاجتماعية والتاريخية والثقافية واللغوية بتأثير الأمم ذات الوزن التاريخي والحضاري الثقيل، فأقاموا بينهم وبين غيرهم سدَّان.
سدهم الأول كان قولهم بفئتين لا ثالث لهما ينتمي إليهما البشر جميعا: “اليهود” و”غير اليهود”. ولا أعرف لماذا يستمر المجتمع الإنساني في مهادنة ومسايرة هذا التصنيف العنصري البغيض!
وسدهمالثاني هو الاحتجاز العرقي لديانتهم، فلا يحق لغير المنتمي إلى عرقهم اعتناقها.
لقد حان للعِلْم أن يرد اليهود، جماعة بشرية وعقيدة، إلى أصولهم الواقعية التاريخية، وأن يحرِّرهم، ويحرِّر معهم العقل الإنساني، من الأوهام التلمودية.
حان له أن يضم “زَعْم الوعد الرباني لأبرام العبراني” إلى مكتبة الكتب الخرافية، على أن يوضع في الرف الأسفل، وليس في الرف الأعلى حيث تتلألأ إلياذة هوميروس. حان له أن يَدَع أولئك الموتى يدفنون موتاهم، فالعالم لن يرتقي وعيا وروحا وشعورا إلا عندما يتقيأ كل وهم يهودي.

إلى الأعلى