الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حكومة أكثر فاشية

حكومة أكثر فاشية

علي بدوان

”لقد جاء تعيين رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيجدور ليبرمان على رأس وزارة جيش الاحتلال “الإسرائيلي” بعد صفقة مشتركة تمت بين بنيامين نتنياهو وأفيجدور ليبرمان، لتصبح المؤسستان السياسية والعسكرية “الإسرائيلية” تحت قيادة مجموعة من المهووسين والمغرورين والمتطرفين، حيث الذهاب بعيدًا أكثر نحو اليمين والتطرف، في حكومة هي الأكثر تشددًا في تاريخ “إسرائيل”.”

تحولات ليست بعابرة تجري في “إسرائيل” منذ وقتٍ ليس بالقصير. في بنية المجتمع الاجتماعية واتجاهاته، وفي بناه السياسية والحزبية، وكان آخر تلك المشاهد في التحولات الملموسة تعيين المتطرف اليهودي المولدافي الأصل أفيجدور ليبرمان وزيرًا للحرب.
لقد جاء تعيين رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيجدور ليبرمان على رأس وزارة جيش الاحتلال “الإسرائيلي” بعد صفقة مشتركة تمت بين بنيامين نتنياهو وأفيجدور ليبرمان، لتصبح المؤسستان السياسية والعسكرية “الإسرائيلية” تحت قيادة مجموعة من المهووسين والمغرورين والمتطرفين، حيث الذهاب بعيدًا أكثر نحو اليمين والتطرف، في حكومة هي الأكثر تشددًا في تاريخ “إسرائيل”. فاتفاق الشراكة بين نتنياهو وليبرمان وانضمام حزب “إسرائيل بيتنا” إلى الحكومة الائتلافية بقيادة نتنياهو، وبوزيرَين: أفيجدور ليبرمان وزيرًا للحرب، وصوفا لاندبر وزيرة للهجرة، يوفّر قاعدة استقرار متينة لقوى اليمين واليمين المتطرف، ويُبعِد الحكومة الائتلافية عن الاهتزاز والتأرجح، ومخاوف فقدان الثقة البرلمانية، وتهديد الكتل البرلمانية المعارضة في الكنيست، حيث بات الائتلاف الحكومي الجديد يضم 66 نائبًا بدل 61 كانوا له قبل إبرام الاتفاق مع ليبرمان، من أصل 120 عضوًا هم كامل أعضاء الكنيست العشرين.
التغيير الجديد في الخريطة الائتلافية الحكومية في “إسرائيل” يجعل طريق تلك الحكومة يسير مُسرعًا نحو المستنقع الآسن الذي تنمو عليه، وتتغذى منه مظاهر الفاشية والعنصرية وغطرسة القوة. فرئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيجدور ليبرمان يُعتبر من غلاة المتطرفين، ومن أصحاب دعوات الترانسفير بحق الفلسطينيين، ومن دعاة استخدام القوة في مواجهة الفلسطينيين المناهضين للاحتلال، ومن المعارضين لعملية التسوية مع الفلسطينيين والسلطة الوطنية الفلسطينية على طول الخط. فضلًا عن مواقفه المُتشددة بشأن فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948.
إن خطوة بنيامين نتنياهو بالاتفاق والشراكة مع المُتطرف المهووس أفيجدور ليبرمان، تأتي بعد القلق الكبير الذي عاشه بنيامين نتنياهو خلال الأشهر الأخيرة، وخشيته من تآكل مكانته كزعيم قوي داخل معسكر اليمين بشقيه القومي العقائدي والتوراتي، وكذلك اليمين المتطرف، على خلفية استمرار الانتفاضة الفلسطينية المتواصلة على شكل هباتٍ يومية، واستمرار عمليات طعن واستهداف جنود الاحتلال ومجموعات المستوطنين، وفشله في إجهاضها وفي إعادة الشعور بالأمن لـ”الإسرائيليين”، وهو ما كان قد عكسته استطلاعات الرأي الأخيرة المنشورة على صفحات المطبوعات العبرية وعبر الإعلام المرئي في “إسرائيل”، حيث أكدت نتائج استطلاع رأي للقناة الثانية في التلفزيون “الإسرائيلي”، أجري في بداية آذار/مارس 2016 الماضي، تراجع مكانة نتنياهو وحزبه حزب (الليكود) بأربعة مقاعد، وتراجع حزب العمل والمعارضة من اليسار الصهيوني بقيادة اسحق هرتسوغ بستة مقاعد، بالمقابل ازدادت مقاعد حزب (يوجد مستقبل بثمانية مقاعد، وحزب (البيت اليهودي) بثلاثة مقاعد، وحزب أفيجدور ليبرمان “إسرائيل بيتنا” بمقعدين.
وعليه، إن من شأن انضمام أفيجدور ليبرمان للحكومة “الإسرائيلية”، كوزير للحرب، أن يزيد من تَجَنُّح “الحكومة الإسرائيليّة” نحو سياسات التطرف، بحيث باتت تركيبتها أكثر مطواعية لتلبية وتنفيذ دعوات اليمين واليمين التطرف تجاه المواضيع المطروحة، بما في ذلك جولة جديدة وموسّعة من التّعيينات الحكومية في المواقع ذات القرار للعديد من الرموز الغارقة في فاشيتها وعنصريتها، كما في جولة جديدة من التسخين السياسي والعسكري في المنطقة، ومع الفلسطينيين بشكلٍ رئيسي. وربما القيام بمغامرات عسكرية جديدة في الأراضي السورية باستخدام سلاح الجو، وتنفيذ عمليات اغتيالات لإحداث المزيد من خلط الأوراق في معمعان الأزمة السورية.
إن من المؤكد أن مساهمة أفيجدور ليبرمان السياسية الكبرى في حكومة اليمين واليمين المتطرف ستكون من خلال عضويته في المجلس الوزاري المُصغّر (الكابينيت)، وهو مركز صناعة القرار والمداولات الاستراتيجية الأهم في “إسرائيل”، وبالتالي فإن وجود ليبرمان في المجلس المُصغّر (الكابينيت) سيعزز من تشريع قوانين عنصرية جديدة ضد المواطنين الفلسطينيين داخل حدود العام 1948، وكذلك دفع مشروع قانون يسمح بإعدام ناشطين فلسطينيين مُدانين بتنفيذ عمليات أو التخطيط لها ضد جيش الاحتلال والمستوطنين كما يطالب ليبرمان وحزبه منذ وقت طويلٍ، حيث سَبَقَ وأن تَمَ إدراج ومعالجة 66 قانونًا عنصريًّا ومناهضًا للمواطنين العرب وتطلعاتهم الوطنية والقومية ومطالبهم في المساواة والعدالة الاجتماعية. إن من بادر لطرح مُعظم تلك القوانين كان ليبرمان وحزبه، وشارك في صياغتها وتأييدها نحو 67% من أعضاء الكنيست الحالي، وحتى البعض من المعارضة المُتشكّلة من أحزاب مايسمى بــ”اليسار الصهيوني” بقيادة اسحق هرتزوغ المتواطئة مع عملية سنّ هذا النوع من القوانين.
إن مؤشرات ماسبق الإشارة إليه أعلاه، تَدُلُ على المزيد من الغرق المُتتالي في الفاشية داخل أعلى مؤسسات الدولة العبرية الصهيونية، والأمر لا يتمثل هنا فقط في كمّ القوانين وفحواها، وإنما أيضًا في كيفية طرحها، حيث تُشير إلى أن طرح أكثر من مئة قانون خلال سنة، حيث يظهر أن اليمين واليمين المتطرف لم يَعُد يبذل جهدًا لتجميل الوجه البشع للتشريع.
إن القوانين ليست مُجرد أرقام في نهاية الأمر، إنها ليست الظاهرة، بل هي مؤشرات ودلائل حول الظواهر السياسية والاجتماعية العميقة التي باتت تَحكُم المجتمع اليهودي الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية، فالتشريعات التي تَصدُر عن الكنيست بخصوص الفلسطينيين لها سياقها السياسي والاجتماعي، كما لها سياق بنيوي يتعلق ببنية النظام الاستعماري الكولونيالي الصهيوني على أرض فلسطين نفسه كحالة استعمارية مُركبة، مزجت مُبكّرًا بين مفهوم وسياسات الترانسفير والتطهير العرقي التي مورست بحق الشعب الفلسطيني صاحب الوطن الأصلي منذ العام 1948، وسياسات الأبارتهايد والعزل (البانتوستانات) بحق الفلسطينيين.
وفي حقيقة الأمر، إن برنامج المهوووس أفيجدور ليبرمان يُمثّلُفي الواقع الآن، وعلى ضوء التحولات الجارية في المجتمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية التيار المركزي في “إسرائيل”، سواء فيما يتعلق بموضوع الاستمرار بتبني الاحتلال وعمليات الاستيطان ونهب الأرض وتهويدها في المناطق المحتلة عام 1967 وخاصة القدس ومحيطها، ورفض الاستجابة لاستحقاقات التسوية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وأيضا فيما يتعلق بموضوع فلسطينيي الداخل داخل حدود العام 1948 من ناحية حقوقهم في المواطنة الكاملة والتامة، حيث يتبنى نتنياهو فعليًّا شعار ليبرمان عن ما أسماه “المواطنة مقابل الولاء”، بمعنى مقايضة مواطنة الفلسطينيين أصحاب الأرض بهويتهم الوطنية، والمضي في إحياء مشاريع الأسرلة بحقهم، وهي المشاريع التي سقطت وانهارت عمليًّا على صخرة صمود فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948.

إلى الأعلى