الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من رصيد الحراسة والاحتراس

من رصيد الحراسة والاحتراس

عادل سعد

”.. لنذهب بعيدًا عن العراق ونسأل كم حجم الإحباط والقنوط واليأس، وبالتالي الاستهانة بمفهوم الاحتراس حيث يندفع الآلاف من فقراء آسيا وإفريقيا لأن يرموا أنفسهم إلى التهلكة ضمن (مشاريع) الهجرة غير المشروعة إلىأوروبا، مع علمهم المسبق أن إمكانية وصولهم ناجين إلى الشواطئ الشمالية للبحر المتوسط تكاد تكون صفرًا بالمئة”

يحتل مفهوما الحراسة والاحتراس، بمعنى التحسب والوقاية والتوقع والاحتراز، حيزًا كبيرًا من اهتماماتنا اليومية في العلاقة مع أنفسنا، أو في العلاقة مع الآخرين ضمن السقف الذي يزيد أو يقلل فرص الاصطدام أو التناحرأو الانسجام، ويتباين المفهومان من حالة إلىأخرى تبعًاإلىنتائج يمكن فيها تجاهل هذه المهمة أو تناسيها أو نسيانها أو الترفع عنها على غرار ما فعله صائب عريقات كبير المفاوضين في السلطة الفلسطينية بقوله الشهير عندما سئل عن احتمالات سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي فقد أجاب قائلًا لست حارسًا على شفاه نتنياهو، ولكن في كل الأحوال لا يمكن أن يقدم شيئًا يضع في الاعتبار الحقوق الفلسطينية.
وفي سياق ما أسلفنا أيضًا، يظل التجاذب حادًّاأو خافتًا بين مفهومي (الإنسان حارس ضميره) و(نوم الحراس ضياء للصوص) واحدًا من أخطأ التوجهات على المواطن إذا أعطى الأفضلية لحراسة حياته دون أن يضع بذات الخط من الأهمية حراسة حق الأخرين؛ ولذلك نجد لدى الأمم المتحدة ما تدعو له في المزيد من التشريعات والنصوص والبروتوكولات والعهود لحماية الحقوق الإنسانية والاحتراس من المس بها، وهي تعني الحقوق في السلام والأمن والحياة الكريمة، وكذلك في إطار الشعار الذي أطلقته المنظمة الدولية باعتماد مفهوم (مقاتل لا قاتل) ضمن رعاية حقوق المدنيين عندما يكونون تحت ضغط حرب أو خصومات أو صراعات دموية، حتى وإن اشتد وتصاعد غبار المعارك، إذ لا قيمة أخلاقية لأي إنجاز عسكري مهما كان الحق الذي يحركه إذا لم يأخذ بالاعتبار المسؤولية في تلك الرعاية التي يحمي بها مواطنين عزلا لا حول لهم ولاقوة، وكل ما حصل لهم أنهم وجدوا أنفسهم وسط النيران.
إن الاحتراس هنا ضمن ما أشرنا إليه هو من الواجبات الإنسانية والأخلاقية التي ينبغي أن ترتفع على الواجبات الأخرى بالمزيد من الإصرار وإرادة التغيير لصالح الفعل التضامني، وهكذا يكون أصحاب الشأن في هذا المجال قد حافظوا على هوياتهم الإنسانية.
وما دمنا في هذا الموضوع ومن خلال الشأن العراقي، لنا أن نسأل: كم يعطي المسؤولون العراقيون من أهمية لحماية وحراسةأنفسهم وسط أساطيل من السيارات المصفحة، والاستعانة بحراس أشداء وقطع الطرق لفسح المجالأمامهم، ومنع المواطنين من التحرك حنى يستكمل هؤلاء المسؤولون مسيرتهم في الوصول إلى الأماكن التي يقصدونها؟ وكم من هؤلاء المسؤولين العراقيين اختلط بالناس وزار أسواقًا وبيوت فقراء، وتفقد مستشفيات شحت بها الأدوية ونخر بها الإهمال؟ وكم من المسؤولين العراقيين ظهر على شاشات التلفاز واعترفأنه أعطى للشأن الشخصي الخاص به أهمية في الحراسة عليه أكثر من حراسته لحقوق الوطن والمواطنين وشرف الانتماء لهم؟ وكم مسؤول عراقي نجح في اعتماد إجراءات الأمانة والذمة المالية الشخصية البيضاءبالتعادل مع مسؤوليته الأخلاقية في حراسة المال العام؟
الواقع لوأنجزءًا بسيطًا من تلك الحراسة المشرفة قد تحقق لكان العراق الآن ليس ضمن قائمة عشر دول هي الأكثر فسادًا في العالم، وأين هم الموظفون العراقيون الشرفاء الذين نذروا أنفسهم لحراسة المال العام والترفع عن المحسوبية والرشوة والاختلاس،وأعلنوا ذلك في مواجهة مكشوفة مع مختلسين وسراق مال ومعتدين على حقوق مواطنين؟
ولنذهب بعيدًا عن العراقونسأل: كم حجم الإحباط والقنوط واليأس، وبالتالي الاستهانة بمفهوم الاحتراس حيثيندفع الآلاف من فقراء آسيا وإفريقيا لأن يرموا أنفسهم إلى التهلكة ضمن (مشاريع) الهجرة غير المشروعة إلىأوروبا، مع علمهم المسبق أن إمكانية وصولهم ناجين إلى الشواطئ الشمالية للبحر المتوسط تكاد تكون صفرًا بالمئة، فأين هو الاحتراس الشخصي في ذلك، مع معلومة جديدة أنأكثر من800 مهاجر اختفوا في مياه البحر خلال الأسبوع الماضي غرقًا بشهاداتناجين؟
وبالعودةإلى البدء لا حراسة ولا احتراس بالوصفة الكاملة إذا لم يتوافر هامش من الأمانة والحرص على هذه المهمة.

إلى الأعلى