الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مُرْعِبٌ لَيلِي..

مُرْعِبٌ لَيلِي..

علي عقلة عرسان

حُلْمي المُعَتَّقُ لا يكلُّ، ولا يملُّ، ولا ينام.. والروحُ في المنفى، أَيا أمي، نشيدٌ لا يُضام.. أحيا.. أموت، كأنني أحيا.. وترتفعُ العزيمةُ في المُلِمَّاتِ العِظام، يشتدُّ في قلبي النشيد: ” لو مزّقوني ألف تمزيقٍ، لما كنتُ الذَّليل.. لو أزهقوا روحي، لَهَلَّلَ في المدى صوتي.. بأني ذلك الحرّ الأصيل..

مرعبٌ ليلي.. كوابيسُ ابتلاء،
واستغاثاتٌ، دموعٌ، ودماء..
نَدْبُ منكوبين يدوي في الفضاء:
“أنقذونا، أنقذوا أرواحَنا،
زحفُ موتٍ في خلايانا، كما زحفُ الوباء..
أنقذونا، أنقذوا فينا حياة وإباء..
إننا في غيهبٍ..
يُلقى بنا أشلاء..
أنقذونا أيها الأحياء.. يا..
أنقذوا.. يا..
يا أيها الـ..
يا.. يا..”..
موجٌ من الأرواحِ ودَّعَ ذاتَه..
صارَ البِلى.. صار الفَناء..
واختفَت أشلاء خلق أبرياء..
بين صدقٍ، ونفاق، ورياء.
مرعبٌ ليلي.. كوابيس البلاء..
وسمائي نَدْفُ قَهْرٍ، وتلاوين ابتلاء..
وأنا أشتدُّ كي أخرجَ من كهفي بداءٍ، أيِّ داء.
إنما القهرُ: “ظلامُ الظُّلمات،
وسجونٌ عاليات،
وبغايا في ثياب العابدات،
وجُناةٌ من بطونِ الزَّانيات،
يحرقون المرءَ حيًّا،
ثم يبكون على الأموات، مثل النائحات..
ويقيمون صَلاة المجد، من غير صَلاة”؟؟
يا أنا، حَيٌّ على باب المَمَات،
روحيَ المَكْبولُ في قيدٍ رهيب..
يجتبيني في اللهيب،
يجتبيني، ويُفَدِّي، ويهيب..
بين رعبٍ، ونحيبٍ، ودعاء، وصلاة.
حُلُمي.. المأمول.. ؟!
لا.. لا حُلْمَ لي..
هل تُراني حالمًا، والموتُ يغزوني مدى الليل الكئيب..؟!
يرشحُ السجنُ عذاباتٍ، ويُعْلِي لي ظلالَ الكائنات..
شبحًا، في شبحٍ.. في شبحٍ..
هكذا تمضي ظلال اللحظات..
وأنا أَشْتَمُّ ريحَ الموتِ آتٍ،
كل ما في الموت آتْ.
أتُراني الصحوَ، أم أني العذاب..
وأنا يمضَغُني، كلبٌ وذيب.؟!
موطني.. زنزانتي،
سِجني، الذي صار الوبا والاكتواء..
وحَوَالَيَّ دَجَى الظلمُ الرهيب.

* * *
من ظلام السجن لاحَتْ نجمةٌ،
حبلى بنورٍ لا يُريب..
في البؤس، أم في اليأس.. أَلمحُها تغيب..
يا هول ما أُبصِرُ،
يا فَقْدي أنا..
ها.. إنها، يغتالُها الدَّيجورُ..
غارت، أو تغور..؟!
يا لونها.. ورسٌ، شحوبُ الكون ممتدًا ذُهولًا،
في البعيد وفي القريب..
ما سرُّها، تأتي وقد شابَ الرضيعُ،
وماتَ في القلب السرور،
وراح أهلي يندُبون وجودَهم..
ضاقت بهم كل الموانئ، والمعابر، والجسور،
أمواتهم عُرْيٌ، بلا أكفان.. أو حتى قبور.
ما سرُّ هذا الغَورُ، أو هذا الحضورْ؟!
يا نجمةً عذراءَ في خِدرٍ، تدور من المساء إلى البُكُورْ..
عملاقة الأحلامِ، في بؤبؤها تذوي الأماني والدّهور..
وينام في أحضانها جَسَدُ الغرور..
تبقى: تُحيّرني، تُخَبِّرني، تُخَيِّرني،
وتُنذرني أَدهى الأمور..
وتدور في القطبين،
“تبصُقني” صَقيعًا، بين لحدين،
وتلفُظُني القبور..
ما سرُّ ديجورٍ، ورا ديجور..
يا نجمةً غارَت، بليلٍ من فجور؟!
* * *
غابت، ظلال الضوء، أسمع من بعيد..
موّآل مجروحٍ، يُغنِّي الموتَ، يُبدي ويُعيد..
نايًا يترجم قهرُه قهرَ المعذّب، والمؤبَّد، والشريد..
وغريبَ قلبٍ، ينشجُ الكلماتِ من حبل الوريد،
آهٍ، وآهاتٍ، وترنيم فريد،
تَسْكابُ دمعٍ، لا يكفُّ عن الهُتون، عن النشيد..
يَروي حكاياتِ الثَّكالى، واليتامى، والعبيد،
وحكاية الشهداء، إذ يرقى الشهيدُ ورا الشهيد:
” يا عين.. يا.. يا ليلْ..
قلبي ضَناه الويلْ..
يا قلب قلبي.. أوف..
يا عين .. يا.. يا ليل..
يا ليل عيني.. أوف.
القلبُ كهفٌ من كهوف القهر، من ظلم طويل..
والعمرُ جَدْلُ الرِّيحِِ، في بحر العَويل..
والوقت تهويلٌ، على تهويل.
يا ويلَ أمي، زوجتي، طفلي،
وأهلي في تلاوين العَذاب، وفي الرَّحيل..
يا همّهم، همٌّ ثقيل..
هاموا بهذا التيهِ، لا مأوىً لهم، ولا حتى دليل..
ما بين رعبٍ من وحوش الأرض، والذل الوبيل..
هاموا.. جياعًا، ما لهم من يبذلُ المعروف، أو يَشفي الغَليل..
يبكي عليَّ الأهلُ، أَبكيهم.. ويا..
يا ليل ليلي.. أوف
يا قلب قلبي.. أوف..
القلب كهفٌ من كهوف الخوف..
يا ليل ليلي.. أوف..
يا ليل عيني.. أوف.
القلب مجروحٌ، وقلبُ القلب يا أمي قتيل..
والروحُ أغلالٌ، وتهويلٌ، وموّالٌ عَليل..
والصبحُ يحمل سِرَّهُ، أو رعبَهُ..
والدربُ يا أمي أباطيلٌ، طويل.
يا عين عيني.. أوف..
يا ليل ليلي.. أوف..
في القلب كهف الخوف.
أشتاقُ أهلي، بلدتي..
مهدَ الطفولة والصِّبا..
صبوَ الصَّبِيِّ إذا صَبا..
دربَ الصداقة والوفا..
صَحبي الذين أُحبّهم..
أوقاتَ كُنا كالحمام،
نطيرُ، نفرَحُ.. في النهار وفي الظلام..
ونشيع في الناس المسرّة والوئام.
أشتاق بيتي،
غَرَسةً أودعتُها حلمي، وظلًا لا يُضام..
زهرَ البنفسج إذ يدغدغُه الغَمام..
عُشب الحديقة،
والندى يحنو على أسراره، يصحو، ينام..
أشتاق طفلي،
يلْثغُ حرفَ الرّاء،
لم يعرف أباه..
في عينه رَقراقُ دمعٍ، لا يَغيضُ ولا يَفيض..
وإخَالُه يشتاق، يسأل أمه:
” أمي: أبي.. أين أبي؟!
كلٌّ الرِّفاق لهم أبٌ..
لكنْ.. أبي مَن، أينَ هو؟!..
أريدُ منه لعبةً، أو ضحكةً،
أريدُ أن يضمَّني..
أنامَ ما بين يديه.”!!..
أهيمُ في الألم المقيم، لكي أراه..
لكي أراه.. لكي أراه..
يا.. آه..
هل يا تُرى أُفضي إليه العُمْرَ،
هل ألثمه، تلمسني يداه.؟!
يا قلب قلبي .. أوف..
يا ليل ليلي.. أوف..
أشتاقُ ينشقَّ الجدارُ،
أطيرَ من لَهَفٍ إليه،
أقول: “ها إني هنا يا ابني.. تَعَال..
خذ لعبةً مني، وموَّالي..
وخذْ عيني، وحَلِّق في الفَضاء..
أُنْشُدْ سماءً غير هاتيك التي، كانت لنا أحلى سماء..
أقصد سماءً من أمانٍ، من بهاءٍ، من ضياء..
سماءَ أرضٍ لا يدانيها الرياءُ، ولا يدمّرها الغباءُ، ولا يلوِّثُها الوباء..
حلِّق، وطِرْ..
غادرْ ديارَ الظلم، والرّعب المميت..
أنت البقية، والأمل..
أكمل رسالة والدِك..
أكمل طريقي يا وَلَدْ..
حرِّرْ وجودَك والبَلَدْ..
حاول، وعش..
حاول، وعش..
حاااول..”..
* * *
أرهقني الموَّال..
أذهلَني الموَّال..
أنعشَني الموّال..
فَرَدْتُ جِنحي كي أطير..
لكنني في السجن يا أمي،
وقلب السّجن نبضُ الزمهرير،
لا رأي، لا رؤيا، ولا وَهْمٌ يَخِيلُ لي المصير..
حتى ولا جِنْح يصفِّقُ كي يطير..
قَيدُ الحديد يشلُّني،
ورطوبةُ الجدران تَنْضَحُ بالعَفَن،
أرضُ السَّجين مباءة،
ثلجٌ، وقهر يزرع الحُمَّى، ويرويها،
فتنتِج ما يريدُ الظالمون..
كلٌ على سَحْقِي حريصٌ، بل شديدُ الحرصِ يا أمي..
ويعمل في الضياء وفي الظلام.
* * *
أرهقني، الموَّال..
أذهلَني الموّال..
فأنا أغنى مثل مذبوحٍ بصَوَّانٍ كَلِيل..
دمِّي تخثَّر، لا يسيل..
من ذا يخلّص كائنًا من نفسه..
من ليله.. من قهرهِ.. من بؤسه.. من يأسه..؟!
يا دهرُ.. كم ليلي طويل..
يا دهرُ.. كم ليلي طويل..
زحفٌ به القهرُ إلى قلبي،
الذي يؤيه في ظلٍّ ظَليل..
قلبي كهوف القهر في ليل ثقيل.
من ذا يؤاسي الروحَ من جرحٍ، يحيل العمرَ موالًا طويل؟!
يا عين قلبي.. أوف..
يا ليل ليلي.. أوف..
يا قلب عيني.. أوف؟!
* * *
دَقَّتْ فَيافي الروح، ريحٌ باردة.
في صدريَ المشحون بالشّكوى، صليل..
كأنما زنزانتي.. تفضي إلى زنزانة..
تفضي إلى أخرى، بها يشكو نَزيل..
يمشي بها قيدٌ، يُصلْصِل في الظلام..
ونشيجُ روحٍ، لا يُريحُ، ولا يَنام..
ومن البعيد خَلائق.. تغذوا تلافيف الزّحام..
الفجرُ هاجرَ من هنا،
لا فجر للمحكوم بالقهرِ، وبالإعدام.
صرخاتُ مفجوعٍ تناهت في الأنام..
صرخاتُ موجوعين، في ليل عيونُه لا تنام..
عين الأنام كليلةٌ، والظُّلم قتلٌ وانتقام.
ما سرُّ شؤمِ اليوم، صلصلةِ القيودِ مَدى الظلام؟!
ما سرُّ صرخاتِ التوجُّع، والدّموع..
لا.. ليس كابوسًا بثقل الكون هذا..
إنما.. صَحوٌ من الكابوسِ،
قد يفضي إلى فجرٍ، ونهرٍ من سلام..
يا رب مَتِّعني ببعض النورِ،
كي أرنو إلى ما بعدَ تبديدِ الظَّلام..
الليل كابوسٌ، ورعبٌ، وانتقام..
يا رب متِّعني ببعض النور.. كي أرنو..
إلى ما بعدَ تبديدِ الظلام.

* * * *
حُلْمي المُعَتَّقُ لا يكلُّ، ولا يملُّ، ولا ينام..
والروحُ في المنفى، أَيا أمي، نشيدٌ لا يُضام..
أحيا.. أموت، كأنني أحيا..
وترتفعُ العزيمةُ في المُلِمَّاتِ العِظام،
يشتدُّ في قلبي النشيد:
” لو مزّقوني ألف تمزيقٍ، لما كنتُ الذَّليل..
لو أزهقوا روحي، لَهَلَّلَ في المدى صوتي..
بأني ذلك الحرّ الأصيل..
لو كنت صَخْرَ السِّجنِ، ذاتَ السِّجن..
ما أيقنْتُ أنَّ تَحَرُّرًا ما، مستحيل..
أو أنني يومًا أكون أنا كلِيلَ العزمٍ، خوّارًا،
ثقيلَ الظل، خَوَّانًا، وفتَّاكًا بأهلي، أو عميل..
ها إنني المكبولُ: طَلْقُ الصوتِ، ذو جسمٍ شفيف كالأصيل..
أشدو، وتسمعني الدُّنا: ” لستُ الذَّليل..
يا كلَّ أحرارِ الدُّنا، لستُ الذَّليل،
إنَّا وأنتم، نصنعُ الصُّبحَ الجميل..
إنَّا وأنتم، نصنعُ الصُّبحَ الجميل.”.
ها إنني، رُغم المواجعِ، والجراحِ، وسيفِ ظلمِ القاهرين،
والليل ذي البَلْوى، الطويل..
ها إنني طَلْقٌ، أصيل..
ها إنني طَلْقٌ أصيل.
سأظلُّ يا أمي الأصالةَ والأصيل.
روحي خليلُ النّسْرِ،
عملاقٌ طموحي..
إنني حُرٌّ، برغم السِّجن، وضّاء الجبين..
” والحر يا أمي تراتيلٌ، وإيمانٌ، وضوء في الدُّجَى..
نورُ الهدايةِ واليقين..
وبهجةُ الناسِ، وما يشفي الغليل..
وإنه الـ يُوحِي، يضيء الدربَ للأَعمى، ويهديه السبيل..
يَبقى يقاربَ غايةً.. لا يطمئنُّ إلى دليل..”
ها إنني أمشي إلى حتفي،
وليلي مثقلٌ بالموتِ، يا أمي..
وهذا الكون من حولي ثقيلٌ، وعليل..
دُنيا يلوِّثها الطُّغَاةُ، تسيلُ في نهر العَويل.
يا رب مَتِّعني ببعض النورِ،
كي أرنو إلى ما بعد تبديدِ الظلام..
الليل كابوسٌ، ورعبٌ، وانتقام..
يا رب متِّعني ببعضِ النُّورِ.. كي أرنو..
إلى ما بعد تبديدِ الظلام.

إلى الأعلى