الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: مؤتمر باريس للسلام .. اختبار جديد للمواقف

رأي الوطن: مؤتمر باريس للسلام .. اختبار جديد للمواقف

في ظل النجاح الباهر الذي حققه مخطط “الربيع العربي” لتدمير البنية المقاومة لمشروع الاحتلال الإسرائيلي، يبدو المحيط الاستراتيجي لكيان الاحتلال الإسرائيلي خاليًا من أي تهديد في ظل حالة الضعف والتفكك واستشراء الفتن بمختلفها دينية طائفية كانت أو عرقية أو سياسية بالدول العربية التي كان كيان الاحتلال الإسرائيلي يعدها بأنها تمثل خطرًا وجوديًّا عليه، وعلى مخطط مد أذرع مشروعه في عموم المنطقة، الأمر الذي جعل ولأول مرة هذا الكيان المحتل خارج دائرة حريق الفوضى الإرهابية والفتن المذهبية والطائفية الذي جاء به “ربيع العرب” المزعوم، ويتولى نشر كراته الحارقة في المنطقة أدوات وعملاء ووكلاء وتنظيمات إرهابية تحت مسمى “ثورة” و”حرية” اللتين يتلقى أصحابهما وقودهما وتعليماتهما من قبل كيان الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه الاستراتيجيين وعملائه في السر والعلن.
وفي ظل هذا الواقع الجديد الذي تمكن كيان الاحتلال الإسرائيلي وحلفاؤه وعملاؤه وأدواته في المنطقة والعالم من فرضه لجهة تحقيق المصالح الإسرائيلية، وتحت مظلة هذه الظروف التي تشهد مساعي لوضع رقبة الدول العربية المستهدفة تحت سكين التقسيم، تعمل القوى الكبرى الحليف الاستراتيجي لكيان الاحتلال الإسرائيلي على إعادة عملية السلام بين الكيان المحتل والفلسطينيين، وذلك لإيجاد أرضية مشتركة بالقدر الكافي لجلوس الجانبين إلى مائدة التفاوض بحلول نهاية العام.
ويقود هذه المساعي فرنسا الدولة الأولى التي أهدت مفاعلًا نوويًّا وهو مفاعل “ديمونة” لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وهي الدولة الشريكة مع بريطانيا في استعمار دول المنطقة وتقسيمها على النحو المشاهد وفق اتفاقية “سايكس ـ بيكو” المعروفة والشهيرة، وهي الدولة الشريكة مع بريطانيا في اقتطاع وسلب دولة فلسطين من شعبها الفلسطيني وتمليكها لمن لا يستحقونها وهم الإسرائيليون الذين أرادت أوروبا أن تتخلص من أعبائهم.
وأمام هذه الحقائق التاريخية انطلق سامر الاجتماع الوزاري الدولي حول عملية السلام في الشرق الأوسط في باريس عاصمة فرنسا “صديقة العرب” كما يصفها محبوها، ويضم اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط التي تتألف من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وتشارك فيه أيضًا جامعة الدول العربية ومجلس الأمن الدولي ونحو 20 دولة.
وتنطلق المبادرة الفرنسية على أرضية تبدو خشنة، وأجواء بدت تشاؤمية دلل عليها دبلوماسي فرنسي كبير ـ لم يكشف عن اسمه ـ بقوله “نعرف أننا لن نتمكن من إقناع الإسرائيليين والفلسطينيين بتحقيق السلام على الفور، لكننا نرغب في تهيئة الظروف المناسبة لجلوس الجانبين إلى مائدة التفاوض”، في حين رفع مستوى التشاؤمية كثيرًا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بتأكيده أن “القرار الأخير هو لطرفي الصراع اللذين يجب أن يتحليا بالشجاعة للوصول إلى السلام”. مشددًا على أن التغيرات التي اجتاحت الشرق الأوسط تعني أن المساعي السابقة لإحلال السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين لم تعد ذات مغزى، وينبغي أن تلعب القوى الكبرى دورًا مهمًّا في حل الأزمة”، وأن “النقاش بشأن شروط السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ينبغي أن يضع في اعتباره المنطقة بأكملها”. ووفقًا لتصريحات الرئيس الفرنسي، فإن المتغيرات في المنطقة اليوم هي لصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي شكك في جدوى المؤتمر الباريسي، وليس لصالح الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
لكن في الشكل والمضمون، المبادرة الفرنسية بقدر ما هي انعكاس لما فرضته تطورات مخطط “الربيع العربي” بقدر ما تمثل اختبارًا جديًّا وحقيقيًّا لمواقف كيان الاحتلال الإسرائيلي من عملية السلام ولمواقف حلفائه الاستراتيجيين الأميركيين والأوروبيين.

إلى الأعلى