الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الكاتب البرتغالي لويس فيليب سارامنتو: عندما يُنْشَرُ لي كتاب، أشعُرُ بالرّعْب مِنْ عَدَم العودة إلى كتابةِ آخَر

الكاتب البرتغالي لويس فيليب سارامنتو: عندما يُنْشَرُ لي كتاب، أشعُرُ بالرّعْب مِنْ عَدَم العودة إلى كتابةِ آخَر

الأدب أيضا فضاء سحيق لِشُكْر الحياة الّتي منَحَتْـني العيْش
ولد لويس فيليبي سارامنتو في 12 أكتوبر 1956 درس الفلسفة في كلية الآداب، جامعة لشبونة. كاتب صحفي ومترجم و مخرج تلفزيوني، محرر، فيلم ومخرج فيديو، أستاذ الكتابة الإبداعية، وتاريخ Modernisms والجماليات. تُرْجِمتْ بعض نصوصه إلى الإنجليزية، الإسبانية، الفرنسية، الايطالية، العربية، الفصحى، اليابانية، الرومانية، المقدونية، الكرواتية والروسية.

* هل تحدثنا قليلا عن خطاك في طريق الإبداع المتراوح بين الإخراج والكتابة؟
** منذ أدركتُ أنّ إبداعَ الظواهرِ الفنّية يمُرّ قِسْم كبير منه عبْر 24 ساعة يوميا في حياتي، عِدَّة مساراتٍ انفتحتْ لي، كالأدب والسينما والصحافة، والمسرح. سيُقالُ أنها طريق نمطية. لا. أبدا. لأنني لا أنتمي إلى عالم الّذين بدؤوا قراءةَ الأعمال الكلاسيكية في سِنِّ خمس سنوات وكتابة الشّعْر في السّادسة من العمر، ولكِنّني مرَرْت مِن طفولة مشابهة لكثيرين آخرين في البرتغال في سنوات الستينات من القرن الماضي.. مِثْـل مُعظم الأولاد في ذلك الوقت حلمت أن أكون لاعب كرة قدم، أو مذيعَ راديو أو إطفائي، طيارا أو رائد فضاء. هذه الأحلام حمَلَتني عبْر جهاز الخيال إلى ملاعب كرة القدم حيث حقّـقـتُ أهدافَ رائعة أو قدّمْت برامِج إذاعية غير مسبوقة، أو أخمَدْت الحرائق في المباني الهامّة أو أبحرتُ نحو الفضاء المجهول بحثا عن العالم.
كان التعاون المبكر في المُلْحقات الصحفية الشبابِـية، فرصةَ حياتي، جعلتني أقترب من عالمٍ كان غير معروف تماما بالنسبة لي. دخلتُ مبكرا جدا إلى عالم التحرير في الصّحف حيث تعرّفت على المثقفين البرتغاليين الأكثر أهمية. عبر ممارسة بسيطة تتجلى في الاسْتماع إلى تجمعاتهم، اكتشفتُ عالم الكتُب الرائع، ورواة القِصص والمفكرين وحِرَفِيّي الكلمات السحرية.

* تقصد أنّ الافتتان كان لا مَفَرّ منه؟
** نعم، الافتتان كان لا مَفَرّ منه وربما عَنْ طريق المحاكاة، بدأتُ كتابة قِـصصي وقصائدي الأولى، ولكن مع التأثير القويّ للتقنية الصحفية التي كنتُ أمارس. أدْركتُ أن الصحافة واحدة من أعلى التخصصات الأدبية، وانطلاقا منها، تكونُ القصص أكثر واقعية، وأقرب إلى القارئ. ومع ذلك، فإن الانبهار باّللغة قادني إلى التجريب الحداثي واكتشاف الآخرين. تبعا لذلك جربتُ الفيلم وبالتالي التلفزيون. هذي المسارات التي تتقاطع تقريبا في نفس الوقت، يترَأسها سِحْر التّواصل داخلها، أو بالأحرى، العودة بها إلى الخارج بِمعنى المشاركة والمتعة…40 عاما بعْدَ أوّلِ كتابٍ لي و35 عاما بعدَ أوّل سِلْسلة من الأفلام التلفزيونية لا يزال نفْس الانبهار بالغموض الذي يقودُنا إلى خلْق أشكالَ جديدة لِلتّأويل انطلاقا مِن الواقع، لفَهمه والتّعرف قليلا على أنفسنا. نفْـس الافتتان، ونفْـس الْحِسّ النقدي، ونفْـس الإحساس بانعدام الأمْنِ، نفْـس المخاوف، ولكنْ أيضا الرغبةُ الدائمة في أنْ أكون صوْتا متَحرِّكا أبدا لنْ يبتهج.

* هل لديك عادات في الكتابة، توقيت محدد، مثلا، أو مكان مفضل؟
** الطّقوس تـتغير مع مرور الوقت. عندما كنتُ صغيرا، كنتُ أُفَضِّل الكتابةَ ليلا وحتى الصباح الباكر، يُرافِقـني شراب بورتو الجيّد. اليومَ، أفَضّل الاستيقاظَ مبكرا، حوالي 7 صباحا وأبدأُ الكتابة. تعودتُ الكتابة على طاولة خشبية طويلة، وجْهُها إلى الحائط. إنّه وقت الانطواء داخليا، والتفكير، والحلم. في النهاية، عالم خياليّ كليّا يتداعى للوصول إلى الهدَف النّهائي وهو التواصل. التواصُل، مواجهة الأفكار، الانتـقاد أو التنديد بالشتائم التي يُلْقيها أسيادُ العالم ضِدّ الشعوب. وخاصّة ضد شعوب الجنوب. في عالمي الصّغير، مثْل مُخْتبر الكيميائي، تنشَأ أفكار مِن شأنِها أن تُجَسّم وتُلْبِس أعمالي. دائما في الصّمْت والوحدة.

* هل تكتب النّص دفعة واحدة أو بِشكل متقطّع؟
** النّص، بالنسبة لي، يتعَرّض لنسْخٍ كثير، وأحيانا يكون تمرينا مسكونا بلُعبة الّلغة. كتبُي تخرُج من شظايا بخَطّ اليد، وخاصة في السّفَر، تمارينُ تَأَمّلٍ فلْسَفِـي ولُغَوي وتاريخي، وفي وقتٍ لاحق يتكَيّفُ العمل مع التنفيذ. السينما واحدة مِن أعظمِ ما أعشقً، أكثَر مِن القراءة. عنْدما يحينُ الوقت، ولا يكون لدَيّ أي شيء لإضَافته، سواء تخييلا، أو مقالا أو قصيدة، أُنْهِي الكتابَ. بعد ذلك أدَعُه يستريح في مِلَفّ مَخْفِيّ على جهاز الكمبيوتر الخاص بي،ويستريح القلَم لِبضعة أسابيع. عند مراجَعَته أكـتشِفُ ما إذا كان بالتأكيد منْـتَـهـيا أو يتَطلّب تغييرات. بِمَتَمِّ ذلك، يذْهب إلى النّاشر. ومن هناك يكُـفّ عنِ الانتماء إليّ. أنساهُ. ونادرا ما أعود إليه.

* ما تعنيه الكتابة بالنسبة لك ؟
** بدأتْ كعشْقٍ لاكتشاف الّلغة. اليوم، أصبح الأدَب عضْوا حميما مِن عائلتي. أتفاهَـمُ معه، أغضب منه، أضحك معه، في بعْض الأحيان أقطَعُ مَعه العلاقاتِ. دائما مدفوعا بأحاسيسَ وعاطفة جديدة، لِشَبَقِ مُنْعشٍ ومُغَيّرٍ للكائن. الأدب يجُسّ فضاءَ الباطن، فقط يتحقق عند الخروج. يكون حقيقيا فقط عندما ينفجر. لا نكون ما نحنُ إلّا عندما نغادِرُنا. الكينونة هي الخروج. عندما نَخْرُج مِنّا، هناك دائما شيء جديد ينْـتَـظِرُنا، ويحْـمـِلُنا عبْرَ طرُقَ غامضة مِن الغواية تـقودُنا حتْما إلى سِحْر ودهشة. الأدب أيضا فضاء سحيق لِشُكْر الحياة الّتي منَحَتْـني العيْش.

* هلْ هناك جُزيئات مِنْك، مِنْ مَعيشِك، في كتابتك؟
** طبعا. العلاقة بين تجاربنا مع الانبهار بالعالم المجهول الذي نَشدّه فينا، يتَـشَكّل في كُلّ قصيدة، كلّ تأمُّلٍ، في كلّ فقرة مِن قصّة مُخترَعة حيث الواقعُ حاضر جِدّا، كما في الواقع الذي يُحيطُ بنا. نَكْتُب لِنَعْرِف مَن نَحْن ومع مَنْ نتواصل. في هذا الحوار، أدْرِك أنّي اليَوم مُخْتَـلِف عَنِ الأمْسِ ومختلِـف عن الغد. إنّها علاقة تؤدي بنا إلى تِكرار الفرْقِ في عالم مِن التنوع الذي نُشَكّلُه في كلّ ظاهرة مجَرّبَة.

* هل تحبّ الكتابة أكثر أو الترجمة؟ لماذا؟
** الكتابة والترجمة وجْهانِ لعُملة واحدة. التّـرْجَمة هي الشِّراعُ الأوّلُ لِقاربي، على غيْر هدى أجذف بحثا عن مناطق جديدة، عَبْرها أعيدُ اكتشافَ مناطقِ الآخر. أنْفـيني في سَفَرٍ إلى بُعْدٍ مُوازٍ لعاطفتي، بنَفْسِ التوَهّج، بِنَفْس الصّرامة. مِن هذه العلاقة تنشَأ أحيانا علاقات جديدة معَ الكُتـّاب الذين أتَرْجِمُ.لهُمْ. أسَر جديدة، عوالمَ جديدة، أحاسيسَ جديدة بِبُعْدٍ رائعٍ لِلُغة أخرى.

* كيف يكون إحساسكَ قبْلَ نشْر كتابٍ لك؟
** هدوء مُطْلَق لِهذه الرحلة، لا أحد يستطيع أن يأخُذَه مِنّي. مِن دواعي سُروري رؤيَتُه يطير إلى المكتبات المحلية والأجنبية. ولكنْ أيضا أكونُ على استعدادٍ لقَبولِ دعوة يمنحُها ليَ الكتابُ للسّفَر معَه إلى أماكن أخرى. عندما يُنْشَرُ لي كتاب، أشعُرُ بالرّعْب مِنْ عَدَم العودة إلى كتابةِ آخَر.

* هل لديك حساسية تجاه النقد؟
** إذا كان صادقا، نعم. إذا كانت وظيفته مكبّرَ صوتٍ لمصالحَ لا علاقة لها بكتابي، لا.

* عبْرَ الكتابة، هل تريد تمرير رسائل أمْ فقط تريد سرْدَ قصص؟
** جميع كتابتي متورطة في الزمن الذي أعيش فيه. إنها كتابة اليوميّ، اللحظة المُحَوّلَة لّلْبَشرية، لِتَشَنُّجاتِها، لِتَعَسّفها ومواجهاتها الأيديولوجية. القصَص توجد هنا. يكفي أن ننْظُرَ إليها باهتمام وتفصيل. في تفاصيلِ الصّورة هناك قِصّة خَفِية لنقول ما لا يمْكِن فصْله عنِ الكوْن الذي تندمج فيه. سواء في الرواية أو الشِّعْر، برئاسة الرّسَائل الإنسانية وضِدّ أيّ قوّة تُحاول إلْغاء حُرّية التعبير الإنساني. لسْنا مِلْكا لِأيّ أحدٍ. نَحْن جُزْء مِنْ جَسَد بِـدونِنا سيكون أكثر فَـقْرا. هذِه عَظَمة البناء الإنساني.

* الفيسبوك، يفتح الآفاق؟ يُقَرّبُ القارئ مِن الكاتب؟
** لا شَكّ في ذلك. ثوْرة الاتّصالات التّي تُـديرُها الشّبكات الاجتماعية تغَيّرُ وتُغَذّي العلاقة ليس فقط بيْن الكاتب وقارئه، ولكِن بيْن جميع البَشَر. مِن أجْل الخيْر والشّر. لكِنّ الثّوَرات تحتوي دائما على مخاطر وإذا كان الأمْر كذلك فإنّنا لا نزال نعيش في الكُهوف نَجْهَلُ وجود الآخر.
الفيسبوك صالون ضَخْم لِمواجهَة الفروقات، لإعادة اللقاء، للسِّلم التاريخي والحركاتِ الإنسانية من أجلِ المساواة بيْن جميع البشر بِغَضّ النّظر عن أيديولوجياتهم أو خياراتهم الدينية، أو لون البشرة أو الجغرافية. الفيسبوك عالم إفْـتراضِّي حيثُ الوجودُ حَقيقيّ كما هو في مدينتي. وفي هذا الصّالون الضّخْم الْتقيْنا وجلَسنا لهذا الحوار الأخوي حوْلَ موضوعٍ في حَدّ ذاتِه حياة منْذُ ملايين السّنين وإلى ما لا نهاية.

* مقطع من سبعة مساءآتٍ في حانة:

من مزور اللحظات إلى خالق البيئات،
يسعى شاعر النثر إلى الوضوح الغامض للمجاز:
على طاولة الحانة، بين الأدوات، البن والكونياك: لم يكن وحيدا.
مجهولون كثيرون: خارجك وداخلك.
انظر إليهم من الخارج لتغذيتهم من الداخل.
إنسَ هؤلاء من داخلك ودع نفسك تفتتن بهم من الخارج.
بين الحقيقي وغير الحقيقي، الخلق المقدس للفنان -
واضح دون آلهة- في تواطؤ هادئ مع الخارج
في مواجهة فعالة مع الداخل.
دون حقيقة أو لا حقيقة، شاعر النثر ما عاد موجودا على طاولة حانة.
الظل غير المحسوس أو بقعة الوقت،
الرواية تنظف بقايا بقع التاريخ
التي نددت بها القصيدة سابقا. والوجود؟
هجين كارثي للكاتب. عاصفة الكتاب.

* مقطع من قصيدة ” “ثلاثة أنهر”

رجل مجهول يبحث عن لا شيء
في مدينة صيفية مثل قصيدة مفتوحة
يتوقف للنظر في ساحة المغامرة
لا يأمل شيئا، فقط يتعرف على الفجر
الذي يعَمِّدُه كملاك غير مأمول
كما لو أنّ المستقبل كان رؤيا في ورق
في منظر الأشجار الحمراء
وأرواح الثلج في جسد الشتاء،
الطريقُ القروي
يفتح له سُلّما صغيرا في عالم مميز
“البيت مفتوح” في ثغر الحدائق
مثل نسمة كلاسيكية انطباعية زرقاء
تتنفس في الجدار الحميم لملاك مرسَل
المدينة تختار ملصق البطن المليء
في مقدمة مهرجان الخريف المُعلَن
سليل رجل مجهول دون مدينة.

* مقتطف من قصيدة “بسعة أيام في المدينة”

الساعات أفلام مدن عبثية
في فوضى الحب، على رصيف الصورة.
أفلام طويلة تصرخ الأفكار
في اللحم الحيّ كما كتُب-قنبلة
تسونامي لا يمكن تصوره على هذا الشاطئ.
ضوء هذا البحر والنهر لا سرَّ له
لكنه قصة ممنوعة الحكي:
قد تكون من عهد الباروك، أبيض وأسود،
ضاجة بالضوء- الظل، ملونة
كما كونُ الفنانِ السكران
الذي يستشعر الصورة كما ارتجال
كل دقيقة في حوار مجرد.
سينما هذه المدينة تكسر الجدران
وتأتي إلى حدائق البقاء على قيد الحياة
كَمَكانٍ للثقافة والذاكرة،
موسيقى تصويرية ضد الشطط
مجاز لكل الأذرع،
إخراج دقيق لقبلة،
حركة المخرج الحالم
مونتاج قصة،
حياة مجهولة عابرة،
لممثل يجدد نفسه
بالغوص في الكاميرا التي تلتقطه.
في هذه الساعات السخيفة، مدينة السينما،
عاصمة السطحية، نظرة تبحث
عن خلود بانوراما التحوّل الثابت
وسوف يكون دائما كتابا حرا للّذي يعيش فيها
كمكان الأبد المستحيل.

قصائد للشاعر البرتغالي لويس فيليب سارامنتو ترجمتها عن البرتغالية عزيزة رحموني

حوار: عزيزة رحموني شاعرة ومترجمة مغربية

إلى الأعلى