الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التشكيلي سامي بن عامر يعيد حياة الذكريات لـ “برج منيف” بصفاقس

التشكيلي سامي بن عامر يعيد حياة الذكريات لـ “برج منيف” بصفاقس

تونس ـ العمانية ـ فانا:
في مرسمه الكائن بالطابق الرابع بإحدى العمارات القديمة بحي المنار بالعاصمة، يجلس الفنان سامي بن عامر إلى طاولة صغيرة مفترشا حصيرا تقليديا قدّ من جلد خروف، يمارس شغفه بالفرشاة والالوان وبهما يرسم ما يجول بخاطره من أحاسيس مشحونة ومشاغل قد لا تعير اهتمام غيره.
فى هذا المرسم، لا مكان لغير أدوات العمل، لوحات تشكيلية بتقنيات مختلفة هنا وهناك، فرش ومحامل وألوان ومستلزمات مختلفة لا يعرف سرها الا الرسامون، هي كل ما يحتاجه الفنان التشكيلي ليخلد لابداعه بعيدا عن ضوضاء المدينة والحياة. هنا يسهر سامي بن عامر على تحقيق مشروعه الفني الذي حلم به منذ وقت ليس بالقريب ويسهر ليلا نهارا على تجسيده واخراجه فى احسن الصور.
يعتبر “برج منيف” أحد أبرز المعالم التاريخية فى مدينة صفاقس وهو مهدد بخطر السقوط، يقول سامي بن عامر “أحاول أن أجعل من هذا المعلم مكانا تتمازج على جدرانه ونوافذه الالوان لتنضج لوحات مشبعة بالدلالات الرمزية والجمالية”. وقد اختار سامي بن عامر فى بعض اعماله توظيف الخط العربي ورموزه لابراز جمالية الهندسة المعمارية القديمة من جهة ولتسليط الضوء على عدة اشياء ذات صلة بالحياة اليومية فى هذا “البرج الصفاقسي”. “الطاولة الصغيرة”، “حصير جلد الخروف”، “القبقاب”، “كرسي الحمام”، “البندير”، “الغربال” وغيرها، كلها أدوات استلهم منها الفنان سامي بن عامر مواضيع للوحاته التشكيلية وهي تحيل الى ذاكرة شخصية وجماعية مشبعة بالاحداث والطقوس الجميلة.
وقام الفنان سامي بن عامر بتصوير هذه الاعمال فوتوغرافيا وتسجيليا وعرضها فى محيط معلم “برج منيف” بصفاقس بعد ان تعذر عرض نسخها الاصلية فى هذا الفضاء نظرا لان هذا المعلم آيل للسقوط، وهي رسالة ربما أراد من خلالها بن عامر لفت نظر من يهمه الامر الى ضرورة انقاذ ابراج مدينة صفاقس من المخاطر التي تتهددها. ويندرج المشروع الفني ضمن تظاهرة “برج منيف فى خطر” التى تنتظم ببادرة من عدد من الرسامين بالجهة وجمعية احباء الفن التشكيلي بصفاقس، وهي تهدف بالخصوص الى انقاذ عدد من المعالم التاريخية والابراج بالجهة.
سامي بن عامر هو أحد الرسامين أصيلي جهة صفاقس وقد أخذ على عاتقه مثل عدد من فناني الجهة، إعداد مشروع فني حول أحد أبراج المدينة ليتم تقديمه لاحقا للعموم.
“هذا المشروع يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لي، فهو يمثل منعطفا فى مسيرتي الفنية وهو تتمة لعمل بدأ منذ اشهر من خلال مجموعة من الزيارات الميدانية لمعلم برج منيف” يقول بن عامر، متحدثا عن هذه الأعمال.ويعكس هذا المشروع الفني رغبة شخصية للفنان سامي بن عامر فى إعادة إحياء مجموعة من القيم الروحية والرمزية والاحداث التاريخية التي يرويها هذا المكان بكل ثناياه وزواياه.
وسجلت العديد من المعدات الفلاحية القديمة حضورها فى المشروع الفني لسامي بن عامر على غرار “المحراث” و”المنجل” و”المحشة” وفيها إحالة إلى “الأرض” وخيراتها ودلالاتها الرمزية.
و”البرج” يحيل كذلك إلى القفل الكبير والقديم والصدئ الذي يوجد على الجانب الخلفي للباب، وهو كذلك صورة تحيل على تلك الصفيحة التي يقع تثبيتها على ارجل الحصان صديقه الاليف، “البرج” هو أيضا بئر الماء (الماجل) الذي كان يمثل لعهود مضت مورد المياه الرئيسي لسكان مدينة صفاقس فى الصيف كما فى الشتاء.
يعتبر”برج منيف” احد اقدم الابراج التاريخية فى مدينة صفاقس وهو يقع فى طريق منزل شاكر ويحتفظ الفنان بن عامر بذكريات جميلة عن هذا المعلم تعود الى مرحلة الصبا والطفولة لذلك هو يحاول الغوص فى أدق تفاصيل المكان مطلقا العنان لفرشاته وألوانه وخياله ليحكي بعض ما يختلج فى وجدانه من أحاسيس ومشاعر جميلة.
وتبدو غاية الفنان بن عامر واضحة فى الربط بين ماض مشبع بالذكريات والخواطر الشخصية، وحاضر تنكر لذلك الماضي فجاءت أعماله الفنية المختلفة من لوحات تشكيلية وصور فوتوغرافية وتنصيبات فنية لتعيد الحياة لتلك الذكريات الجميلة. يقول بن عامر “نحن أمام نموذج أو مقاربة لإعادة هندسة الذاكرة، حوار بين تراكمات الذاكرة واحداثها المستجدة” قبل أن يضيف “إن الحياة بالبرج هي عالم بحد ذاته”.ويواصل حديثه مستحضرا عبق الماضي وأدق تفاصيله، “منذ دخولك البرج عبر بابه الصغير، يعتريك إحساس غريب، تفوح من المكان رائحة التاريخ، هنا تتناثر العديد من الاشياء القديمة، الجدران بدورها تروي حكايات الزمن الجميل، كذلك خيوط الضوء المنبعثة من شقوق الابواب والنوافذ، وذلك المدرج الذي لا أعلم الى اين يؤدي…هذا هو البرج”.

إلى الأعلى