الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الشاعر سعيد بن عبد الله الفارسي (ولد وزير)

الشاعر سعيد بن عبد الله الفارسي (ولد وزير)

مقدمة:
يعد الاهتمام بتاريخ الأمم وتوثيقه، وحفظ تراث الأوائل ودراسته، علامة على حرص الخلف على الالتزام بالأصالة، وطريقاً أمثل للسير نحو السمو الحضاري.
وتتميز السلطنة بإرث حضاري كبير ومتميز يشمل جوانب مادية ومعنوية مختلفة، تكونت على مدى سنوات طويلة من العطاء الحضاري المتدفق، وتمثلت شخوصها في مئات المخطوطات والكتب والأسفار، وأنواع الفلكلور والفنون المختلفة، إضافة إلى الشواهد المعمارية والهندسية المختلفة من قلاع وحصون وأبراج وأفلاج وغيرها.
ويعد الشعر الشعبي أحد أبرز مكونات الإرث الثقافي العماني الذي يتضمن كذلك الحكايات الشعبية والأهازيج وفنون الرقص والغناء والألفاظ والأمثلة الشعبية.
وفي الوقت الذي نرى فيه عددا من الدراسات والندوات التي تتناول حياة مجموعة من رموز الشعر الفصيح، إلا أن الأمر يكاد يختلف عند الحديث عن الأدب الشعبي ورموزه الذين لم يلقوا حظاً مشابهاً من الاهتمام، فأسماء كعامر بن سليمان الشعيبي (المطوع)، وبنت غفيل، وسويري، وحافظ المسكري، ومبارك بن خاطر، ومحمد بن جمعه الغيلاني ، وراشد بن حمد الدهمشي العريمي، وسالم بن مالك السلطي، هي أسماء كان لها تأثيرها البارز على الحياة الفكرية والاجتماعية في المجتمع العماني على امتداد عقود طويلة، ومازال الكثيرون يتداولون أشعارهم وقصصهم المختلفة التي ارتبطت كذلك بعدد من الفنون الشعرية المختلفة.
ويعد الشاعر سعيد بن عبد الله ولد وزير الفارسي أحد أبرز الشعراء الشعبيين في المائة سنة الأخيرة في السلطنة، وتعد تجربته الشعرية الغزيرة بكل محاورها المختلفة نموذجاً ثرياً للدراسة والتوثيق من قبل القائمين والمهتمين بالشعر الشعبي في السلطنة.
وقد تمثلت كثير من الصفات والسمات الايجابية في شخصية شاعرنا، فهو الشاعر الموسوعة، وهو الإمام والمؤذن والخطيب، وهو التاجر في بعض مراحل حياته، وهو الناصح والمرشد والمصلح الاجتماعي من خلال كثير من قصائده الاجتماعية والنصحية، وهو المؤرخ والجغرافي من خلال قصائده العديدة التي أرخت ووصفت لكثير من الأحداث والمواقع.

حياته ونشأته :
ولد الشاعر سعيد بن عبد الله بن وزير الفارسي في حارة (المصفية) بالقرب من المسجد الجامع الكبير بولاية صور في سنة 1332هـ بحسب ما يذكر الشاعر في مذكراته التي كتبها.
وعندما بلغ من العمر عشر سنوات دخل مدرسة القرآن كحال بقية أقرانه في المدينة وختم المصحف الشريف، ثم بدأ في ممارسة الأسفار البحرية من خلال السفن الشراعية، وبدأ يتنقل بين الموانئ التجارية المختلفة كمصيره وبر الجازر وساحل الصومال وممباسه ودار السلام.
وفي حوالي سنة 1367 هـ (1947م) سافر الشاعر إلى الجزيرة الخضراء التي بقي فيها لمدة سنة ونصف تقريباً والتقى هناك بعدد من الشعراء والأدباء أمثال شاعر الجزيرة سعيد بن خميس الذي دارت بينهما محاورات شعرية عديدة.
وبعد عودته إلى مسقط رأسه صور عاد إلى العمل بالتجارة كتاجر متنقل قبل أن يسافر في حوالي سنة 1382هـ (1961م) إلى دولة الكويت، التي بقي فيها لمدة (22) عاماً، حيث درس بعض مبادئ علوم الدين من قراءة وتفسير وتجويد وفقه وخطابة في (دار القرآن) الأمر الذي أهله للعمل في وزارة الأوقاف الكويتية كإمام ومؤذن وخطيب.
وخلال فترة إقامته في الكويت لم ينقطع تواصله مع الشعر والأدب الشعبي، حيث شارك في عدد من البرامج الإذاعية الأدبية كبرنامج (ركن البادية)، وكانت له محاورات عديدة مع عدد من الشعراء الشعبيين الخليجيين، كما لم تنقطع صلته بالمحافل الأدبية والأوضاع السياسية والاجتماعية في السلطنة، حيث نلاحظ ذلك في كثير من القصائد الوطنية والاجتماعية التي كتبها الشاعر في فترة وجوده في الكويت.
وفي حوالي سنة 1404هـ (1984م) عاد الشاعر إلى أرض الوطن، حيث عمل كإمام وخطيب في عدد من الجوامع بولاية صور كجامع النعيمي وجامع الفوارس.
وفاته :
توفي الشاعر في أواخر عام 1990م حيث كان مصاباً بمرض السكري، وحدث أن وصف له أحدهم شراب الحنظل كدواء شاف بشرط أن يتناول جرعات محددة، ولكن الشاعر تناول جرعة أكبر من الجرعة المحددة، مما سببت مضاعفات أدت إلى تدهور حالته الصحية ومن ثم وفاته، حيث توفي عن عمر يناهز الثمانين.

علاقته بالشعر :
من خلال سيرة الذاتية المختصرة التي كتبها الشاعر في سنواته الأخير يمكن لنا أن نوجز بعض الجوانب المتعلقة ببداياته مع الشعر:
- من خلال الفنون التي كانت تمارس على ظهر السفن التي كان الشاعر يسافر فيها بعد فراغه من تعلم القرآن الكريم، حيث يقول الشاعر ” والمحمل كبير يحمل عدد أربعين رجلاً، ومعهم الطبول والقصائد المسلية، ولهم طبل كبير وطبل صغير، وأنا معهم أسمع قولهم”.
- من خلال الفنون التي كانت تمارس في المناسبات المختلفة عند العودة من الرحلات التجارية ” وإذا انتهينا من السفر نرجع إلى الوطن صور من الرجال المطربين الرزافين مع قصائد الرزحة والهنابل والقصفيات والعازي، وعندنا صفين متقابلين وشاعرين متحاورين واحد يتكلم والثاني يجاوب وأنا عندهم لا أفارقهم”.
- تمتع الشاعر بذاكرة شعرية قوية في حفظ الأشعار التي كانت تقال في المناسبات المختلفة التي يحضرها” ومعي ذاكرة قوية في حفظ كلام الشعراء، وقال الشاعر حافظ بن محمد المسكري الذي يحفظ الشعر هو الشاعر، وبالفعل سماني الكنز لقوة حفظي، ولو ضاع الكلام من حافظ ومن بن همش ومحمد الغيلاني لم يضيع من عندي حتى اليوم”.
- في سيرته المختصرة تحدث الشاعر صراحة عن الأسباب التي جعلت منه شاعراً وذلك في رده على الشاعر الكبير حافظ المسكري، حيث يقول ” وبعد سألني الشاعر حافظ وقال لي يا سعيد كيف كنت شاعر، فقلت له بمتابعتي معكم أيها الشعراء، ولكثرة حفظي لكلامكم العجيب”، ثم يضيف ” كنت أفكر في تأليف قصيدة لي وأفكر في قصيدة من قصائد حافظ وبن همش متحاورين في صور، وسرت مشغول البال، وسهت عيوني بالمنام، وغرقت في النوم الكثير، وإذا أشوف السماء فيها خشوف (فتحات) تنزل منها الفلوس القرش والربية والبيزة والعانات أنصاف وأرباع، وقمت أركض آخذ من الفلوس وأحط في ثوبي من كل صرف أشوفه. وبعد قليل قمت ولا عندي شيء إلا القصائد الشعرية مني ومن قول الشعراء”.
- حرصه على الاحتكاك بالشعراء الكبار والاستفادة من توجيهاتهم: حيث نلمح ذلك من خلال ما ذكره الشاعر في سيرته ” وفي مبدأ شعري أنا وراشد بن حمد الدهمشي وأكثر الغلط يسير من عندي حتى سرت أتابع أهل القصيد أحفظ وأشعر مثلهم.
- في سن الرابعة عشرة كتب الشاعر أولى قصائده بينما كان مسافراً في رحلة تجارية على متن إحدى السفن الشراعية، وكانت قصيدة غزلية تحمل معاني الغربة والبعد عن الوطن، ومطلعها يقول:
طلبت ربي كريم ما خاب طلابه قال الفتى أخو علي وتسمعوا جوابه
يا طير بطرشك شل خبري وأعنى له إن كان روح دليل وبتجي على صوابه
روافده الأدبية:
كانت هناك العديد من الروافد والعوامل التي أسهمت في صقل موهبة الشاعر، ومقدرته الكبيرة في مجال الشعر الشعبي، ولعل من بين هذه العوامل:
1- حفظه وتلاوته للقرآن الكريم، ونرى هذا التأثير واضحاً وجلياً في كثير من قصائده الدينية والنصحية.
2- وجوده في جو أدبي مليء بالشعراء الشعبيين، حيث صادفت الفترة التي ظهر فيها الشاعر وجود شعراء كبار في صور أمثال الشاعر حافظ بن محمد المسكري والشاعر محمد بن جمعه الغيلاني والشاعر راشد بن حمد الدهمشي.
3- تنقلاته الداخلية والخارجية، ويظهر ذلك من خلال محاراته المختلفة مع عدد من الشعراء الشعبيين كالشعراء سالم بن مالك وحافظ بن محمد الصلتيان في وادي بني جابر، وراشد المصلحي (سويري) في وادي بن خالد، ومظعون ومسعود في جعلان، وخلفان بلوه، ومبارك بن خاطر، وخلفان الحراصي في الباطنة، وشاعر الجزيرة الخضراء في أفريقيا سعيد بن خميس.
4- اطلاعه على التراث المحلي بمختلف أنواعه.
5- حياة الغربة التي استمرت لمدة (22) عاماً، والتي اطلع من خلالها على كثير من الأحداث السياسية والقومية التي أثرت على ثقافة الشاعر وفكره القومي، ونلمح ذلك في كثير من القصائد القومية، والقصائد التي تناولت قضايا اجتماعية كانت جديدة على المجتمع العماني وقت طرحها.

من خصائص شعره:

1- بروز الملامح الدينية في كثير من قصائد الشاعر: حيث أن كثير من قصائد الديوان مليئة بالإشارات والاقتباسات والملامح الدينية، كما أنها تبدأ بذكر الله أو صفاته، أو مظاهر قدرته، أو لطفه بخلقه، أو بالثناء والحمد لله وغيرها، وفي بعضها يتبع ذلك الصلاة على الرسول، ويكون ختام جل القصائد بالصلاة والسلام على رسول الله، وذكر الصحابة. ولعل ذلك يعود إلى حفظه وتلاوته للقرآن الكريم صغيراً، ودراسته في (دار القرآن) بالكويت، وعمله إماماً ومؤذناً وخطيباً لفترة طويلة.
إضافة إلى طرحه لكثير من القصص والقضايا الدينية المختلفة، ونلمح ذلك في قصائد كثيرة كقصيدة آدم وحواء التي يستعرض فيها قصة بدء الخليقة، وقصة الطوفان، وقصة إسكان إبراهيم عليه السلام من ذريته في مكة، وهناك ملامح دينية أخرى متعددة في قصائده يصعب ذكرها واستعراضها جميعاً منها : قصيدة من (18) بيتاً في يوم الوقوف بعرفة، وقصيدة أخرى من (25) بيتاً في عودة الحجاج، وقصيدة من (30) بيتاً في ذكرى معركة بدر الكبرى، وقصيدة من (52) بيتاً في فضائل شهر رمضان، وقصيدة من (26) بيتاً في نصح تاركي الصلاة، وأخرى من (30) بيتاً في بر الوالدين، وواحدة من (28) بيتاً في وصف حساب القبر، وقصيدة في الهجرة إلى المدينة، إضافة إلى قصائد عديدة في سرد قصص الأنبياء كقصة إسماعيل الذبيح، وقصة موسى عليه السلام.
2- بروز الحس الوطني في كثير من أشعاره:وبرغم أن الشاعر كان مقيماً خارج السلطنة طوال فترة النهضة المباركة عدا السنوات الست الأخيرة قبل وفاته، إلا أنه كان متعايشاً بفكره ووجدانه من كثير من القضايا والمواقف والمناسبات الوطنية المختلفة بمناسبة نهضة السبعين، قصيدة ميدان بمناسبة نهضة عمان، قصيدة ميدان بمناسبة النصر، قصيدة بمناسبة العيد الوطني العاشر، مربوعة بمناسبة العيد الوطني الثالث عشر، قصيدة بمناسبة عام الشبيبة، قصيدة بمناسبة رجوع السفينة صحار من السفر…ألخ.
3- بروز الحس القومي في عدد من أشعاره: ولعل ذلك يعود إلى كثرة أسفار الشاعر، ومكوثه لأكثر من (22) عاماً خارج السلطنة احتك فيها بكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية المختلفة.
ونلمح ذلك من خلال عدد من القصائد القومية كقصيدته بمناسبة اجتماع القمة العربية الذي عقد بالإسكندرية سنة 1946 إثر تحويل نهر الأردن من قبل إسرائيل، وقصيدته بمناسبة حرب أكتوبر 1973، وقصائد مختلفة تناولت قمم مجلس التعاون الخليجي المختلفة.
4- بروز الجانب الوعظي والإرشادي: وبخاصة في القصائد التي كتبها في الفترة الأخيرة من حياته، ولعل ذلك يعود إلى التجربة الحياتية الثرية التي عاشها الشاعر، وعمله كإمام وخطيب، واطلاعه بحكم غربته الطويلة على سلوكيات اجتماعية مختلفة.
ونرى ذلك من خلال عناوين عدد كبير من قصائده كعاطفيه ( العلم عز )، وقصيدة بمناسبة (أسبوع المرور)، وأخرى في عيد الأسرة، وثالثة ينصح فيها المدخنين، ورابعة نصيحة إلى سائقي السيارات المسرعين، وخامسة عن حساب القبر، وسادسة عن البر بالوالدين….ألخ.
5- توظيف بعض المفردات غير العربية في قصائده: مثال : يقول في إحدى قصائده من فن الميدان : “أحسنت (سانا) يا مولانا”، وكلمة (سانا) كلمة سواحلية تعني جداً أو كثيراً.
ومثال آخر: يقول الشاعر في قصيدة من فن الرمسة: ” وفتحت بوك الهوى اللي رقابه تنود”، يعني فتح كتاب الهوى مستخدماً الكلمة الانجليزية book.
6- تنوع قصائده بين المطولات وبين المقطعات.
7- مراعاة القوالب التقليدية : مطلع القصيدة – بنية القصيدة – الخاتمة.
8- استنطاقه للجماد: ( محاورة بين النوى والتمر – محاورة الشاعر للمسجد الجامع )
9- الحديث عن ثنائيات متضادة: (المقارنة بين الماضي والحاضر – المحاورة بين الشتاء والصيف).
10- استخدام بعض البحور الشعرية التي تكاد تندثر: ومنها على سبيل المثال بحر المديد، وبحر الرمل، وبحر المجتث كما في قول الشاعر :
يا ناس قلبي جريح من الود وأسبابه
ابكي فراق المليح لمفارق أصحابه
11- وصف الأماكن وجغرافيتها: حيث أن هناك عدد من قصائد الشاعر قد تناولت وصفاً للأماكن التي زارها الشاعر مما يدل على كثرة التنقل، ولعل أوضح دليل على ذلك قصيدة رزحة وطنية للشاعر يصف فيها المدن والموانئ العمانية الساحلية من ظفار حتى مسندم في متوالية جميلة مرتبة حسب مواقعها الجغرافية مع وصف ما تتميز به هذه الأماكن.
12- وصف الأحداث : نظراً لأن الشاعر من بيئة بحرية يعتمد أهلها على الأسفار التجارية كوسيلة مهمة من وسائل طلب المعيشة، ونتيجة لعمل الشاعر كتاجر متنقل بين الموانئ فقد صادف كثيراً من المواقف المختلفة من خلال هذه الرحلات البحرية الشاقة، الأمر الذي جعله يحاول وصفها في عدد من قصائده.
حيث وصف الشاعر سعيد ولد وزير في إحدى قصائده “الميل في المرسى شطن” ما تعرض له من مشقة السفر على الباخرة والصعوبات التي واجهها في رحلته أثناء العودة من مليندي إلى صور وكانت الباخرة تتوقف كثيرا حتى نفذ منهم الزاد ومنعهم صاحب الباخرة من النزول في بعض المراسي التي كانوا يتوقفون بها وأصبح لديهم قلة في الماء وكانوا يشربون بمقياس معين.
وقصيدة أخرى قالها في البصرة عام 1357هـ،بينما كان في رحلة تجارية إلى هناك، حيث وصف الشاعر ما حل به من أحداث في هذه الرحلة، والتوفيق الذي أصابه عندما خالف بقية التجار في شرائهم للتمر، وقام بشراء بضائع أخرى لاقت رواجاً في المواني الأخرى بعكس التمر الذي اشتراه البقية.
وثالثة في وصف ما حدث له في مقديشيو حيث كان مسافراً في إحدى السفن في رحلة إلى مواني شرق أفريقيا، وكانت الصومال تحت الاحتلال الإيطالي، ووجد الشاعر صعوبة كبيرة في إخراج العملة بسبب قرار الحكومة الايطالية منع ذلك.
ورابعة في وصف ما حدث له في إحدى الرحلات التجارية إلى الهند وما صادفهم من أنواء مناخية سيئة وانكسار صارية المركب، الأمر الذي أدى إلى اضطرارهم لرمي الحمولة، وبقائهم ثمانية أيام بدون زاد.

الكتب والدراسات التي أرخت له:
برغم غزارة التجربة الشعرية للشاعر، وأهميته كأحد أبرز رموز الشعر الشعبي في السلطنة إلا أنه وبحسب علم الباحث لم تجر الكثير من الدراسات أو المؤلفات التي تناولت فكر الشاعر وتجربته الشعرية والحياتية الثرية سوى دراستين استطاع الباحث الإطلاع عليهما وهما:
1- ديوان الشاعر”الأدب الشعبي في بلد الشراع”: وقد قام بجمعه وتحقيقه الأديب سالم بن محمد الغيلاني في عام 1985م، وجاء في 389 صفحة، وقد احتوى على مقدمة بقلم الشيخ علي بن عبد الله آل خليفة مدير مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربي، واحتوي على أبواب عدة تناولت ألوان الشعر الشعبي التي تطرق طرقها الشاعر، ونماذج من قصائده في مجال الاجتماعيات، والدينيات، والنصائح، والمناسبات، والوطنيات، والألغاز.
2- أضواء على الشعر الشعبي العماني: وهي دراسة قام الأديب سالم بن محمد الغيلاني بجمعها، وتناولت في جزئها الأخير ملخص للديوان السابق ذكره.
3- دراسة بعنوان “الأبعاد الروحية في المأثورات الشعبية”: وهي ورقة عمل قدمها الباحث والشاعر المرحوم ناصر بن علي البلال إلى ندوة “المأثورات الشعبية” التي نظمها المنتدى الأدبي خلال الفترة من 19-21/12/1992م، وتناول فيها “الملامح الدينية عند الشاعر ولد وزير”، ولم تتطرق إلى سيرة حياة الشاعر أو أية قضايا أو مجالات شعرية أخرى تخص الشاعر.
4- إشارات متفرقة في عدد من الدراسات والمطبوعات، وهي إشارات لا تكاد تشكل مادة معلوماتية كافية للباحثين والمهتمين.

جانب من الفنون الشعرية التي تناولها في شعره:
تناول الشاعر في قصائده عدداً من الفنون الشعرية الشعبية التي تميزت بها البيئة العمانية، ولعل من أبرز هذه الفنون التي تناولها فن الرزحة، وفن الميدان، وفنون الرمسة بأشكالها، وفن التغرود.
ومن الملاحظ أن تناول الشاعر لهذه الأنماط المختلفة من الفنون دليل واضح على مدى الثقافة الموسوعية، وغزارة التجربة، والوسطية، وكثرة التنقل والترحال لدى الشاعر، ففن التغرود على سبيل المثال هو فن بدوي لا ينتشر كثيراً في بيئة الشاعر الساحلية، كما أن اشتغاله بطرق باب فنون السمر والترفيه دليل على وسطية الشاعر الفكرية وعدم تعصبه برغم تنشئته الدينية، وعمله كإمام ومؤذن.
وهنا سنعرض لنماذج من هذه الفنون مع الاكتفاء بعرض مطالع بعض القصائد التي كتبها في هذه الفنون خوفاً من الإطالة والإسهاب:
1- الرزحة:
وهو فن يعتمد على شعر الغزل والحماسة ويصلح لكل أغراض الشعر وكل المناسبات، وله أشكال عدة مثل (الهمبل)، و(اللال)، و(القصفيات). وقد طرق الشاعر هذا الفن كثيراً في أشعاره، وفي مختلف المجالات الوطنية والغزلية والدينية والاجتماعية، ولعل من نماذج هذا الفن نورد هنا أبياتاً من رزحه قالها الشاعر سعيد ولد وزير لولايته صور وأهلها:
يا نوخذا السفينة في المجاري ارصد
ووصل دار القصور العامرة
انظر وطالع في غبة بطين الحد
مرسى مخا ريّس وحط الباوره
وقسم سلامي بين الشايب والولد
لتزيد لهذا وهذا تحقره

2- الميدان:
وهو من الفنون الشعرية المنتشرة في عدد من مناطق وولايات السلطنة كصور وجعلان بني بو حسن ووادي بني خالد والمصنعة وغيرها، ويمتاز بالتلاعب في الألفاظ الشعرية واستخدام الجناس، ويستخدم كفن ترفيه وتسليه، وكذلك كفن تطبيبي، وهو من الفنون الشعرية التي تحتاج شاعرية خاصة وذهن حاضر متوقد.
وقد كتب الشاعر في هذا الفن عدد كبير من القصائد، حتى في فترة وجوده خارج السلطنة، كما أن حرص الشاعر على تناول بعض قضايا النصح والإرشاد من خلال هذا اللون من الفنون الشعرية لهو رغبة منه نحو القيام بدوره في مجال التوعية والنصح من خلال استخدام فن سهل ومرغوب ومحبب.

بن عبادي:
عاطفية بن عبادي يا سالم ( عالم بحالي ) :
طلبت ربي كريم لي عالم بحالي
يغفر ذنوب العبد وذنوبٍ ثقالي
قال الفتى خو علي وتسمعوا امثالي
يا عيد فيك العجب من فاخر وغالي
وفيك الفرح والسرور وهم القلب زالي
وفيك الخيول الدهم وبكارٍ بصالي

3- التغرود:
وهو أحد الفنون العمانية التي تمارس في البادية، وقد قال الشاعر في هذا الفن الكثير من القصائد المختلفة، كما وظفها في تناول عدد من القضايا الوطنية والقومية والاجتماعية، برغم أن هذا الفن يستخدم كثيراً في مجال الغزل والعاطفة.

بعض الأغراض الشعرية التي تناولها الشاعر في قصائده:
1- المحاورة:
احتوت قصائد الشاعر على كثير من قصائد المحاورة التي أجراها الشاعر مع عدد كبير من الشعراء المحليين بالسلطنة، ومن الملاحظ على هذه القصائد توزع هؤلاء الشعراء على بيئات جغرافية مختلفة، وهذا دليل على كثرة تنقل الشاعر وتواصله مع الأحداث والمناسبات الشعرية والفنية المختلفة.
وهناك محاورات مختلفة مع شعراء آخرين نذكر منها مربوعة محاورة مع الشاعر راشد بن حمد ولد همش، ورزحه محاورة بين الشاعر ولد وزير والشاعر سليمان محمد الحراصي في بلد جمّا ديرة بني حراص، ومحاورة مع الشاعر سبيت بن حمدان العريمي ، ورزحه محاورة بين الشاعر سعيد ولد وزير والشاعر راشد بن مبارك بن سالم العلوي في سنة 1974 عند عودتهم من الكويت على ظهر الباخرة المسماة دواركه، ورزحه محاورة بين الشاعر سعيد ولد وزير والشاعر سالم محمد راشد المغيرفي، ورزحه موجهه من الشاعر سعيد ولد وزير إلى سالم محمد المخيني، وميدان محاورة بين الشاعر سعيد ولد وزير والشاعر الشيخ حمد بن علي الغافري، وميدان محاورة بين الشاعر سعيد ولد وزير والشاعر حافظ المسكري يطلب سعيد زيارة حافظ إلى بلاد صور، وميدان بين الشاعر سعيد ولد وزير والشاعر يوسف بين عبيد في حارة الفوارس، وقصيدة رزحة بين الشاعر سعيد ولد وزير والشاعر سالم بن مالك الصلتي في بلدة حلم، ومحاورة مع الشاعر حارث بن محمد الصلتي، وآخرى مع خلفان بلوه أحد شعراء الباطنة، وقصيدة رزحة محاورة بين الشاعر سعيد ولد وزير والشاعر حبيب علي الراشدي، وغيرهم آخرين ممن لا يسع المجال لذكرهم هنا.
كما أن الشاعر قد حاول استنطاق الجماد، والحديث عن ثنائيات متضادة من خلال قصائد محاورة طريفة بين عدد من العناصر المختلفة من بينها ميدان محاوره بين النخل والبيدار، ورزحة محاورة بين التمر والنوى، وميدان محاورة ونزاعه بين التاكسي والجمل في مزاحمة الشوارع، ورزحة محاورة بين الشتاء والصيف.

2- الوطنيات:
برغم وجود الشاعر لفترة طويلة خارج السلطنة إلا أنه كان متفاعلاً في كثير من قصائده مع القضايا الوطنية المختلفة، وساهم بشعره في التأريخ لأحداث النهضة المباركة، كما حث الشباب على الانخراط في خدمة هذا الوطن في مجالاته المختلفة. ولم يغب الشاعر كذلك عن التطرق إلى المناسبات الوطنية المختلفة من احتفالات وطنية أو مواقف مختلفة.

3- الاجتماعيات:
وقصائد الشاعر حافلة بكثير من القصائد التي تتناول مناسبات اجتماعية محلية متنوعة، أو وصف أحداث اجتماعية معينة، أو التشجيع على الحفاظ على حرف أو هوايات وطنية، أو تناول قضايا اجتماعية كغلاء المهور، أو العلاقة بين أفراد الأسرة، أو ظاهرة التهور في القيادة وغيرها.

4- الأحاجي والألغاز:
وقد كانت الألغاز والأحاجي من السمات المميزة للشعر الشعبي العماني، وكان الشعراء يتنافسون على إبراز قدراتهم الفكرية في طرح الألغاز والأحاجي المشتقة في غالبها من القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة وقصص الأولين.
وقد طرق شاعرنا هذا الباب كثيراً في قصائده، وساعده على ذلك ازدهار هذا الفن في بلدته صور لوجود شعراء فطاحل تناولوا هذا الفن الشعري، ولثقافته الدينية التي أشرنا إليها في أكثر من موضع.

7- القضايا القومية:
تفاعل الشاعر مع عدد من القضايا القومية المختلفة التي عايشها، وهذا دليل على بروز الحس الوطني والقومي لدى الشاعر عززها لديه نشأته الدينية، والبيئة السياسية الحافلة بالأحداث، وتوافر وسائل الإعلام التي كانت تتفاعل مع تلك الأحداث خاصة في فترة إقامته بالكويت.

ظاهرة “التناص”
قراءة في ديوان الشاعر الشعبي العماني سعيد بن عبد الله ود وزير الفارسي

ديوان الشاعر “ود وزير” مليء بمظاهر التناص، قد وظفها ربما هكذا سليقةً وتماهٍ واضح مع أنساق التراث واستجابةَ الفكر الواعي للنصوص المقدسة من القرآن والسنة أو نصوص الأمثال القديمة عند العرب، وقبل أن نشرع في التعرف على هذه الظاهرة وأثرها في تكوين النص وإنتاج الدلالة نحاول أن نوضح ما نقصد بالتناص وهو مصطلح حديث ظهر مع ظهور النظريات النقدية الحديثة، ونقصد به “تداخل نصوص دينية أو أدبية مختارة قديمة أو حديثة شعرًا أو نثرًا مع نص القصيدة الأصلي بحيث تكون منسجمة وموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر” .

————————-

المراجـــع
1- أحمد الزعبي، التناص نظريًّا وتطبيقيًّا، ط:2، مؤسسة عمون للنشر والتوزيع ، عمان، 2000م.
2- أحمد سليم غانم، تداول المعاني بين الشعراء، ط:1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006م.
3- ديوان الشاعر: سعيد بن عبد الله ود وزير الفارسي، جمع وتحقيق: سالم بن محمد الغيلاني.
4- سالم بن محمد الغيلاني، أضواء على الشعر الشعبي العماني، ط1، 2004م.
5- ناصر بن علي البلال،”الأبعاد الروحية في المأثورات الشعبية”، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة “المأثورات الشعبية”، المنتدى الأدبي، مسقط من 19-21/12/1992م.
6- سيرة حياة الشاعر المكتوبة بخط يده.
7- قصائد الشاعر بخط يده.

د . محمد بن حمد العريمي

إلى الأعلى