الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / سليقَـتُـنَا اللغوية والأدبية.. كيف نُنمّيها ؟.

سليقَـتُـنَا اللغوية والأدبية.. كيف نُنمّيها ؟.

مع إحدى المغردات العمانيات وهي من ضمن الـ 27 % ممن يتابعني عبر حسابي بالتويتر، كان لي دردشة حول أبسط الطرق لإتقان اللغة العربية الفصحى نطقاً وتحدثاً وكتابةً وأسلوباً أدبياً جميلاً.. فوجدتُ تفاعلاً إيجابياً من قبل هذه المغردة، ولله الحمد والمِنّة، وقد نقلتُ هنا كلّ ما كتبته في تغريداتي إليها بهذا الشأن، ومن ثم أعدتُ صياغتها وربطها ببعضها البعض وأضفت إليها ما يستحق الإضافة لتصبح هذه المقالة حول الموضوع الذي أشرتُ إليه.
- معمل القراءة الصوتية:
الطريقة التي أحبها في تعلّم اللغة وجمالياتها في مختلف علومها المتنوعة هي عبر قراءة التطبيقات المباشر، وأبسط الأمثلة لذلك هو الاستفادة من كتب ( التراث المعاصر ) التي تتنوع في طرحها اللغوي والأدبي بشتّى مشاربه، وعلى سبيل المثال لا الحصر كتاب (جواهر الأدب ) للمرحوم أحمد الهاشمي ففيه الكثير من النماذج النثرية والشعرية وهي مُشكّلة بالحركات.. ولي مع هذا الكتاب الرائع ذكريات جميلة حيث قرأته كاملاً قبل ما يقارب الأربعة عقود، فقد أهداني إيّاه صديقي علي حمود أحد موظفي شركة آرامكو، وهو من أبناء حي الديرة بمدينة سيهات مسقط رأسي، وكان محباً للأدب والأدباء وقد وجد عندي ميلاً لذلك فأهداني الكتاب وقرأته كاملاً وقتئذ وكنت في ميعة الشباب أتخطّى خطواتي الأولى في عالم اللغة والأدب والشعر، ولا زلت أتذكر أنني كنت أقرأ نصوص هذا الكتاب بحيث أُسمِع نفسي مُلتزماً بالتشكيل المثبت على كل الكلمات والحروف في جميع نصوصه ..لإدراكي أن هذه الطريقة هي الفضلى لاكتساب سحر هذه النصوص وانعكاسها المباشر وغير المباشر على أسلوبي الخاص عاجلاً أم آجلاً.
يمكن للقارئ المبتدئ أن يدرّب نفسه على قراءة أمثال هذه النصوص قراءة صوتية بحيث يستمع إلى نفسه بشكل جيّد وفي مكان هادئ – لا تشوبه أي منغصات أو أي إزعاج – وهو يقرأ النصوص مُشكلة دون أخطاء..ويقوم بتكرار قراءة هذه النصوص؛ تماماً كما يتم تكرار قراءة النص على الطفل لحفظه وإتقانه.
سيجد القارئ نفسه قد تشبّع بالقواعد النحوية والصرفية دون أن يشعر، لأنه سيرفع المرفوع وسينصب المنصوب وسيسكّن المُسَكّن وسيجرّ المَجرور ويُثنّي المُثنّى ويَجمع الجَمع، ويُفرِد المفرد، ويضم المضموم سواء كان ضمّاً مفرداً أم ضمّاً مزدوجاً، وينوّن المنوّن سواء كان بالكسر أو الفتح، كما سيتدرب تلقائياً على استعمال الكلمات المنصرفة وغير المنصرفة، والذي يصح النَّحتَ منها والذي لا يصح، والكلمات ذات الاستعمالات الصرفية الصحيحة فيستعلمها في كلامه وكتاباته، ويتجنب غير الصحيحة وهكذا.. ولن يشعر بإتقانه هذه القواعد بطريقة غير مباشرة إلا إذا كرر قراءة أمثال هذه النصوص بشكل متواصل على سبيل المعايشة اليومية؛ بحيث تكون كالهواء الذي يتنفسه، والزاد الذي يتناوله، تماماً كما كانت هذه النصوص لدى العرب القدامى بمتناول ذاكرتهم اليومية يتعايشون معها ويتفاعلون بنصوصها إلى حدّ التشبّع، حتى أصبحت مع مرور الوقت عادة من عاداتهم اليومية ونشاطاً من نشاطاتهم الحيوية، فتصبح اللغة هيَ هُم، ويصبحون هُم اللغة..وبذا تصح العبارة المتداولة : ” اللغة كائن حي “.. كما يقول المفكر اللبناني جرجي زيدان في كتابه المشهور ( اللغة العربية كائن حي )، لأنها حيّة بأهلها الذين أحيوها بانصهارهم فيها وانصهارها بهم، وكان اللسان هو الآلة التي تنطلق بها هذه اللغة الجميلة.
- قُرّاء وحفّاظ القرآن الكريم:
ولا يخفى علينا ما تقوم به مدارس تحفيظ القرآن الكريم لأطفالنا الأعزاء من الجنسين- وهي منتشرة في كل دول الخليج ولله الحمد -، حيث يعتمد الأستاذ على عامل التكرار الصوتي في القراءة مع الأخذ بالاعتبار مراعاة قواعد التجويد التي ينصت إليها الطلاب جيداً، فيتفاعلون معها ويعطونها حقها من النطق، مُلتزمين بجميع مخارج الحروف التي تعرّفوا على نغماتها وخصائصها، فهم يكررون قراءة سورة ما أكثر من ثلاثين مرة لحفظها، وربما أكثر، بل إن المدرّب على قراءة القرآن وحفظه يعتمد بعض الأحيان على طريقة القراءة الجماعية، وفي بعض الأحيان يعتمد على طريقة قراءة الطلاب بعد قراءته هو، وبعض الأحيان يعتمد على طريقة قراءة الطلاب بأجمعهم عن ظهر غيب، وبعض الأحيان يمارسون القراءة وهم ينظرون في آيات السورة، وفي كل الحالات يلتزمون بالقراءة الصحيحة، فيلتزمون بجميع أحكام علم التجويد من أحكام النون الساكنة والتنوين كالإظهار الحلقي، والإدغام بِغُنّة، والإدغام بغيرِ غُنَّة، والإقلاب، والإخفاء الحقيقي.. وأحكام الميم الساكنة..الإخفاء الشفوي، وإدغام مثلين صغيرين، والإظهار الشفوي.. وأحكام الميم والنون المشدّدتان..وأحكام المدود- المدّ الطبيعي، والمدّ المتصل، والمدّ المنفصل، والمدّ اللازم الكمي المثقل، والمخفف، والمدّ اللازم الحرفي المثقل.. وأحكام المدّ العارض للسكون، ومدّ البدل، ومدّ العوض..وأحكام مدّ الصلة الصغرى، ومدّ الصلة الكبرى..وأحكام مدّ اللين..وأحكام الحروف المقطعة.. وما يمد بست حركات، وما يمدّ بحركتين، وحروف الهمس، وحروف الجهر، وحروف الشدّة، والرخاوة، وحروف التوسط، وحروف الإستعلاء، والإطباق، والإذلاق، وحروف الصفير، وحروف القلقلة، وحروف اللين، وحرفي الإنحراف، وحرف التكرير، وحرف التفشي، وحرف الإستطالة.
وقد يتعجّب القارئ من كلّ هذه الأحكام وهذه المصطلحات، ولكنها بالفعل لها أهميتها في هذا العلم التطبيقي، وهو من أهم فروع “علم الأصوات ” في الجامعات العربية والإسلامية بشكل عام، وحفظ هذه المصطلحات وهذه المحددات لجزئيات التطبيقات الصوتية لا يقل أهمية عن إتقانها والعمل بها حفظاً وتلاوة، وطلاب القرآن الكريم تتتشبّع سليقتهم بهذه القراءة السليمة، حتى يصلون إلى استحالة النطق الخطأ لأي كلمة وأي جملة وأي آية من آيات القرآن الكريم، حيث أنهم حفظوا كلّ الخصائص الصوتية لكل مقطع صوتي، كما حفظوا مخارج كلّ الحروف فيعطون الحرف حقه من كينونتهِ المُوسيقية.
- خُطباء المنبر، والجمعة:
وقس على ذلك الخطباء الذين يُلقون خُطبهم عن ظهر غيب.. يستخدمون طريقة التكرار في قراءة الخطبة أكثر من مرة حسب مقدرتهم..إلى أن يحفظون الخطبة عن ظهر غيب، ولي في هذه الطريقة ذكريات مع أحد الوعاظ وهو الملا علي خليفة – رحمة الله عليه – وهو كفيف البصر-، وكان يُلقي خُطب الوعظ لسنوات طويلة في المجالس بمدينة سيهات وربما ما جاورها من قرى القطيف، ويأخذ أجراً على ذلك – وهو عملٌ محترم -، ومن المجالس التي يقرأ فيها مجلس بيت جدّي لأبي رحمه الله – في منزلنا بحي الديرة الواقع وسط مدينة سيهات، وكان عمري وقتئذ 9 سنوات، فكان هذا الخطيب يحضر معه بعض الكتب التراثية ويطلب مني أن أقرأ له الخُطب والقطع النثرية الوعظية، وكذلك بعض الأشعار العربية الفصيحة، وكنت ألتزم بالتشكيل المُثبت في هذه الكتب، وكان هذا الخطيب يستمع إليّ جيداً ويردد معي، ويطلب مني تكرار القراءة ويواصل تكراره القراءة معي في كلّ مرّة، ثم بعد ذلك يطلب مني أن أسكت وأستمع إليه وهي يُلقي عن ظهر غيب، وهكذا.. واللطيف أنه كان يقرأ الأبيات بطورٍ جميل وقد أثارت فيّ هذه الطريقة الفضول وحب القراءة منذ صِغري حتى تاريخ كتابة هذه السطور، بل وجعلتني أستفيد مما قرأته لهذا الخطيب، وولدت لديّ شغفاً بقراءة كتب التراث العربي القديم بمختلف عصوره.
إذن السرّ هو تكرار القراءة للحفظ، وفي ذلك يقول الشاعر:
اطلب العلم ولا تضجرا فآفة الطالب أن يضجرا
ألم تر الحبل بتكرارهِ في الصخرة الصماءِ قد أثَرا
- حفّاظ الشّعر ورُواته:
وتختلف قدرات الناس في حفظ النصوص من شخصٍ لآخر، فبعضهم يحفظ النص بتكراره مرتين وبعضهم 3 مرات وبعضهم أربع وهكذا، وفي تراثنا العربي القديم العديد من قصص حفظ الشعر واختلاف قدرة الحُفّاظ للنص الشعري، ولعل أقرب مثال إلى ذاكرتي – وهو مثال طريف – ما ورد في التراث عن الشاعر الأصمعي وموقفه مع الخليفة جعفر المنصور الذي كان يحفظ القصيدة من أول مرة، وعنده غلام يحفظ القصيدة من المرة الثانية، وعنده جارية تحفظ القصيدة من المرة الثالثة، وكان أبو جعفر ذكياً، فأراد أن يباري الشعراء فنظَّم مسابقة للشعراء فإن كانت من حفظه منح جائزة، وإن كانت من نقله فلم يعط شيئاً، فيجيء الشاعر وقد كتب قصيدة ولم ينم في تلك الليلة لأنه كان يكتب القصيدة؛ فيأتي فيلقي قصيدته فيقول الخليفة: إني أحفظها منذ زمن.. ويخبره بها فيتعجب الشاعر ويقول في نفسه: يكرر نفس النمط في بيت أو بيتين أما في القصيدة كلها فمستحيل!.. فيقول الخليفة: لا وهناك غيري، أحضروا الغلام. فيحضروه من خلف ستار بجانب الخليفة، فيقول له: هل تحفظ قصيدة كذا ؟.. فيقول: نعم، ويقولها فيتعجب الشاعر!.. فيقول:لا وهناك غيرنا، أحضروا الجارية.. فيحضروها من خلف الستار، فيقول لها: هل تحفظين قصيدة كذا ؟.. فتقول: نعم، وتقولها. عندها ينهار الشاعر ويقول في نفسه: لا أنا لست بشاعر.. وينسحب مهزوماً.
فتجمع الشعراء في مكان يواسون بعضهم؛ فمر بهم الأصمعي فرآهم على هذه الحال، فسألهم: ما الخبر؟.. فأخبروه بالخبر فقال: إن في الأمر شيئاً ولابدّ من حل.. فجاءه الحلّ فكتب قصيدة جعلها منوعة الموضوعات، وتنكر بملابس أعرابي حتى لا يعرف وغطى وجهه حتى لا يُعرَف ودخل على الخليفة وحمل نعليه بيديه وربط حماره إلى عامود بالقصر، ودخل على الخليفة وقال: السلام عليك أيها الخليفة. فرد السلام، وقال: هل تعرف الشروط؟.. قال: نعم. فقال الخليفة: هات ما عندك. قال الأصمعي:
صَـوْتُ صَفِيْـرِ البُلْبُــلِ … هَـيَّـجَ قَلْبِـي الثَمِــلِ
إلى آخر القصيدة.. وهنا لم يستطع الخليفة وغلامه وجاربته حفظ القصيدة وانتصر عليهم الأصمعي..مما حداه أن يتوسط للشعراء ليعطيهم ما يستحقونه من المكافئات على أشعارهم.
وهنا لا نقصد أن يحفظ الشخص جواهر الأدب بالكامل، وإن كانت القدرة البشرية ليست قاصرة لتحقيق ذلك، فالعلم الحديث أثبت أننا ” قادرون على تخزين ما مقداره 150ميجابيات من المعلومات في متوسط أعمارنا “..كما ذكرت الدكتورة هند الخليفة في مقالٍ نشرته جريدة الرياض يوم الخميس 18 رمضان 1429هـ – 18سبتمبر 2008م – العدد14696 بعنوان: ( ما هي القدرة التخزينية لذاكرة الإنسان؟ ).. وإنما المراد هو التفاعل الواعي مع النصوص بالقراءة الجادة وبحفظ بعضها أو الأقرب إلى قلب القارئ ووجدانه، وهنا أستحضر نصيحة غالية أولاني إيّاها أستاذي الشاعر الكبير بدوي السعيد راضي، صاحب ديوان ( مأتم الصعاليك ) – بالمشاركة مع شاعر آخر- وديوان (خولة لا تقرأ الشعر )..حيث أفادني بأن لا أقرأ كل ما تحويه المجموعات الكاملة من الشعر، وعندما سألته: لماذا ؟.. قال لي: لأنها تتفاوت في الإبداع، بل اقرأ أشهر وأجمل ما في هذه المجموعات –لاتفاق الذائقة المشتركة بين جمهور المُتلقين – أو الأقرب إلى قلبك ووجدانك لأنك ستتفاعل معها وستنصهر مع أبياتها وصورها ومعانيها وبلاغياتها..أما القصائد الأخرى الضعيفة فلا تقرأها أبداً، ولعلّ هذا ما أشار إليهِ ضمنياً الأديب الراحل السيد كاظم الخليفة، -أحد كبار أدباء البصرة السابقين- عندما كتب من ضمن مخطوطاته موسوعة عن الأدب الرديء، الذي لا ينبغي أن يكتسبه المتلقي حتى لا يتأثّر به وتنطبق لغته بطابعه.
وهذا ما حدى بالعديد من الشعراء القيام بإعداد مختارات شعرية وفقاً لذائقتهم الفنية والمعايير النقدية التي يؤمنون بها ويستحسنونها لأنفهسم وللآخرين، وذلك من خلال تجاربهم الطويلة في عالم الأدب والشعر والنقد، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ( الجمهرة ) لمحمد مهدي الجواهري، و( ديوان الشعر العربي ) لأدونيس، و (علموا أولادكم الشعر ) اختيار وتعليق أحمد عبد المعطي حجازي، وكتاب (من عيون الشعر العربي – مختارات منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحديث) للكاتب تقي محمد البحارنة من مملكة البحرين، و( المختار من الشعر العربي ) ليوسف نوفل، وغيرها الكثير في مختلف الأقطار العربية..وهذه الإختيارات عمل أدبي جميل في حدّ ذاته وهو يدعو المتابعين والقرّاء للتعرّف على معايير الاختيار والانتقاء لديهم، ومناقشة هذه المعايير انطلاقاً من قناعة المتلقي من جهةٍ؛ وقناعة المُعِد لهذه الإختيارات من جهةٍ أخرى..مع الأخذ بالإعتبار ما اتّفق عليه النّقاد من خطوطٍ عريضة للإبداعات الشعرية وما اختلفوا فيه، وهذه المختارات تضم الكثير من النصوص الشعرية الرائعة التي تستحق القراءة والتأمّل والحفظ..ويمكن للشاعر المبتدئ أن يهضم هذه المجموعات الشعرية لتكون مصدراً من مصادر تكوين شخصيته الشعرية..وتنمية شاعريته.
ما نقصده من التدرّب على الإلقاء الصحيح وفقاً لقواعد النحو والصرف والعروض والقافية بل وحتى التجويد في القراءة كما في الآيات القرآنية، من حيث الالتزام بمخارج الحروف صوتياً، وإعطاء كلّ كلمة وكل حرف حقهما في الصوت والنغم من شدة ورخاوة، من لين وخشونة، من إظهار وإخفاء، من إدغام وغير إدغام وهكذا، وبذلك سيتدرب اللسان شيئاً فشيئاً.. وأنصح لإتقان هذه الطريقة أن يخلو ذهن الطالب من المنغصات الجانبية ولا يشغل نفسه خلال قراءة أمثال هذه النصوص بأي مشاغل أخرى، فقط عليه أن يتفرغ للقراءة الجادة بحيث يَسمع صوته وهو يُلقي هذه النصوص على نفسه في غرفة مغلقة بحيث لا يطرق عليه الباب أحد ما..ولا ينشغل بشيء آخر، وهذه الطريقة استخدمتها معامل تعليم اللغات.. حيث يستخدمون مُسجلات خاصة عالية الجودة؛ وسماعات أذن بحيث يستمع الطالب إلى النطق الصحيح للكلمات والجمل والمحادثة فتتدرّب أذنه شيئاً فشيئاً على الإستماع الصحيح.. وبالتالي يتدرب لسانه شيئاً فشيئاً على النطق الصحيح.

- الوعي بقواعد النحو والصرف:
أما بخصوص الإحاطة بكل ما جاء في النحو والصرف فهو لا يأتي في يوم وليلة وإنما بتكرار ممارسة هذا التمرين لسنوات عدة، وقد تحدث المتخصصون عن مشكلات تدريس النحو العربي وعلاجها، حيث يُلاحظ لدى العديد من طلابنا هذه الإشكالية، فهم يدرسون منذ الابتدائية وحتى الجامعة ولا يستطيعون استيعاب اللغة العربية نظرياً وتطبيقياً، ومن هذه الإشكالية برز علم النحو الوظيفي، وألّف فيه المتخصصون العديد من الدراسات والكتب، وممن كتب عن مشكلات تدريس النحو وعلاجها الأستاذ شريف محمد جابر، في دراسة له، يقول: ” إن هناك مشكلة كبيرة في الدرس النحوي، لعل أبرز نتائجها وأهمها: هي الحالة العامة عند غالبية الطلاب، المتمثِّلة في أن الطالب قد يَحفظ من قواعد النحو قدرًا لا بأس به، وقد يُتقن “إعراب” الجمل بشكل ممتاز، ولكن رغم ذلك يواجه ضَعفًا شديدًا في التمكُّن من ” إنشاء” التعبير العربي السليم نحويًّا، حين يُطلَب منه ذلك نُطقًا أو كتابة؛ إذ يَعجِز عن تجاوز الأخطاء النحوية الكثيرة في تعبيره، وهنا يظهر لنا الخَلل الأساسي في طُرق تدريس هذا العلم وأدوات ذلك.”
أما الدكتورة ظبية سعيد السليطي فقد عددت في بحثها عن ( تدريس النحو العربي في ضوء الاتجاهات الحديثة – القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2002م)، بعض وظائف النحو، حيث يكفل سلامة التعبير وصحة أدائه، وفَهم معناه وإدراكه في غير لبسٍ أو غموض، وكونه يساعد على جمال الأسلوب وجودته ودِقَّته، وتنمية مهارات التفكير العلمي؛ مثل: دقَّة التفكير، إضافة إلى أنه يُعين على استعمال الألفاظ والجُمَل والعبارات استعمالاً صحيحًا، فتكون عند الدارسين عادات لغوية سليمة، وغيرها من الوظائف، وهذا كله يقودنا إلى ما يُسمّى بالنحو الوظيفي الذي هو ” مجموعة القواعد التي تؤدي إلى الوظيفة الأساسية للنحو، وهي ضبْط الكلمات ونظام تأليف الجمل؛ ليَسلَم اللسان من اللحن أثناء النطق، ويَسلم القلم من الخطأ عند الكتابة، والنحو الوظيفي: هو إكساب التلاميذ مهارات القواعد التي تساعد على إتقان المهارات الأربع: الاستماع، والمحادثة والقراءة، والكتابة.
أما النحو التخصُّصي، فهو ما يتجاوز ذلك من الوسائل المتشعِّبة، والبحوث الدقيقة التي حفَلتْ بها الكتب الواسعة”، “وفي ضوء هذا المفهوم، يُمكننا القول: إن النحو الوظيفي هو الموضوعات النحوية المستعملة في لغة التلاميذ تحدُّثًا وكتابةً، بحيث تُستخدم استخدامًا سليمًا في الإعراب والتركيب والربط؛ ليَبرز المعنى واضحًا ومفهومًا، وذلك من خلال: أن ننطلق في تدريسنا من خبرة متّصلة بغرض من أغراض المتعلمين، أو لسدّ حاجةٍ لديهم، وأن تكون الاستجابة المرادُ من التلاميذ القيامُ بها في أثناء الخبرة في نطاق استعداداتهم، والتركيز على ممارسة السلوك المراد تعلُّمه من الطلاب، وعرْض مواقف لُغوية لاستعمال القاعدة والتدريب عليها، وتدريس النحو في ظلِّ الأساليب؛ أي: باختيار قطعة مشتملة على أمثلة القاعدة النحوي، وعلاج المشكلات إثر تشخيص جوانب الضَّعف، والتخفيف من النحو غير الوظيفي؛ أي: النحو الذي لا يُستفاد منه إلا في حالات نادرة في ضبط الكلمات”.
- جدلية اللغة والواقع:
في هذا المضمار ينبغي أن ينتبه كلّ قارئ للعربية وآدابها من المتلقين في عصرنا هذا، بحيث لا تخدعهم الكتابات المُبرّرة للواقع المرّ الذي تمرّ به أمتنا وشعوبنا تجاه التحديات الحضارية، فليس كلّ ما هو واقع يستحق أن يكون واقعاً، حتى اللغة نفسها، ينبغي أن نتعلمها لنتطوّر ونتقدّم لا أن تكون هي الوسيلة لتأخرنا وتخلفنا على مختلف المستويات، الشخصية والأسرية، والجماعة، والجماعات، ومن ثم المجتمع، والأمة ككل، ويمكنني أن أشير بهذا الخصوص إلى ما ذكره ” أورويل” صاحب رواية ” مزرعة الحيوانات ” المشهورة: ” في مقالته التي كتبها في عام 1946 والمعنونة بـ” السياسة واللغة الإنجليزية ” كتب ارويل عن أهمية الوضوح اللغوي بحجة انه يمكن استخدام الكتابة كأداة للتلاعب السياسي لأنها تحاكي انماط التفكير لدينا فنتقبلها “، – ^ Orwell، George (April 1946). “Politics and the English Language”. – وأنماط التفكير التي تكرّس الواقع المرّ وتجعله هو الواقع المثالي والمطلوب، هذه الأنماط ينبغي أن نرفضها لأننا لا نقبل أن ننخدع عن طريق اللغة أيضاً.
- الوعي بقواعد عِلمَي العروض والقافية:
من أجلى الأمثلة للتعلم بطريقة التطبيق ثم القاعدة هو تلقي علمي العروض والقافية، وعلم العروض يتكون من ستة عشر بحراً، بينما ينقسم كل بحر إلى عدة أوزان فتجتمع لدينا أكثر من خمسين وزناً، .. ولو قرأ الطالب جيداً وبنفس الطريقة التي أشرنا إليها أعلاه كل هذه الأوزان من ديوان الشعر العربي ومن مختلف عصوره، لاستوعب هذه الأوزان وتشبّع بها، بل إن العديد من الباحثين ذهب إلى ما هو إبعد من ذلك حيث قام بتصنيف أغلب الأوزان المهملة التي أشارت إليها دوائر الخليل بن أحمد الفراهيدي، بل وأضاف إلى المهملة أوزاناً أخرى مُخترعة، تماماً كما فعل الدكتور محمد صادق الكرباسي، في كتابه القيّم ( هندسة العروض)، فأصبح لدينا أكثر من 100 وزن شعري، ويمكن للشاعر البارع النظم على منوالها، ولا يكون ذلك إلا بكثرة القراءة في أمثله ونماذج هذه الأوزان والقصائد أو المقطوعات التي نُظمت على غرارها، أو خلق هذه الأمثلة والنماذج لهذه الأوزان المهملة ومن ثم التدرّب عليها إلى حدّ التشبّع ومن ثم الحفظ التلقائي لهذه البحور والأوزان، مع تحفّظي على الخروج عن المشهور من الأوزان المتناسبة مع الذائقة العربية قديماً وحديثاً.
- المعمل البيئي لتعلّم مُجمل علوم اللغة والأدب:
كان العرب القدامى يُرسلون صغارهم إلى البادية لتستقيم ألسنتهم.. هل كانوا يتعلمون قواعد اللغة العربية وآدابها ؟ والجواب بالتأكيد هو: ( لا ).. لأن القواعد لم توضع وقتئذ، بل كانوا يُدرّبون سليقتهم من خلال الاختلاط ببعض القبائل المشهورة بفصحاتها فيتعلمون الكلمات والجمل والتركيبات ومن ثم الحوار والخطابة والنثر والشعر وحكايات العرب وأيامهم العرب وقصصهم ونقد الشعر والأمثال والحِكم، ويمكن للطالب في عصرنا الحاضر .. ممن لديه رغبة في أن يكون أديباً .. أن يستخدم هذه الطريقة وأن يبتعد عن التلفاز والإذاعة والفضائيات لأنها ستفسد ذوقه، وعليه أن يركّز لمدة ست سنوات متواصلة على ارتياد هذا المعمل أو المختبر في مكتبته الخاصة.. سيجد نفسه قد أتقن عدة علوم بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وسيجد نفسه نمّى سليقته على النحو والصرف والبديع والبيان والمعاني والعروض والقوافي والإملاء، وبالتالي لن يُخطئ في قراءة موضوع ما.. أو قصيدة ما.. بل سيقرأها بشكل صحيح حتى لو لم تكن مشكّلة بالحركات.. لأنه .. سليقياً .. أتقن ذلك وتشبّع بالقواعد الصحيحةـ ومن شروط الوصول إلى هذا المستهدف هي: الصبر من حيث كونه ممارسة نفسية تتحلى بهذه الصفة، والاستمرار من حيث كونه ممارسة زمنية آنية، والإصرار من حيث كونه تطلّعاً للمستقبل، والتركيز من حيث كونه أسلوباً للتعلّم، والإيحاء إلى النفس دائماً بإيجابية ما يصنع.
- عُمان ودورها الحضاري في الحفاظ على اللغة العربية وعلومها وآدابها:
ولا شك أن لِعمان قصب السبق في الحفاظ على اللغة العربية وعلومها وآدابها، والعمانيون أدرى بجهودهم العظمى في هذا المجال أكثر من غيرهم، ولا يسعني إلا أن أشير إلى ما تناولته الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا ورابطة الطلبة العمانيين بالجامعة بالتعاون مع ذاكرة عمان في المؤتمر الدولي حول هذا الدور، والذي عقد في شهر أكتوبر 2015م، وناقشوا في المؤتمر أهم الأهداف لحفظ اللغة العربية من حيث مكانتها عند المسلمين من خلال بعض الجهود المبذولة خدمة لها، ودراسة تحديات اللغة العربية في الواقع المعاصر من خلال النموذج العماني، وإبراز الدور الذي قام به العمانيون خدمة للعربية تأصيلا وتقعيدا، وتأليفا وتطبيقا، ورسم صورة عن النموذج المؤسسي والفردي لخدمة العربية من خلال التجربة العمانية، والاستفادة من التجربة العمانية قديما وحديثا في مجال تعليم اللغة العربية وتدريسها، كما وضع المؤتمر محاور تم تناولها وهي: محور التأصيل وإرساء القواعد: المصطلح اللغوي في المؤلفات العمانية، والشاهد اللغوي في المؤلفات العمانية، والصنعة المعجمية اللغوية عند العمانيين، وفقة اللغة في التراث العماني، ولغة أهل عمان المصطلح والدلالة، ومحور تطوير علوم العربية وتمحيصها: الإسهام العماني في علوم اللغة العربية، والنقد اللغوي في التراث العماني، والمجالس الأدبية والمباحثات اللغوية بعمان، والشعر العماني ودوره في إغناء اللغة العربية.. ومحور التطبيق والممارسة العملية: كمناهج تدريس اللغة العربية عند العمانيين، والكتاتيب القرآنية بعمان ودورها في حفظ اللسان العربي، وجهود القدامى العمانيين في تعليم العربية لغير الناطقين بها، وجهود القدامى العمانيين في معالجة لحن العوام..وفي محور الواقع والجهود المعاصرة: تحديات اللغة العربية المعاصرة والدور العماني في مواجهتها، والمؤسسات العلمية العمانية وأثرها في خدمة اللغة العربية، ونماذج من دور أعلام عمان المتأخرين والمعاصرين في خدمة اللغة العربية، والجهود الرسمية في الحفاظ على اللغة العربية.
ويمكن للناشئين من أبنائنا وبناتنا في كلّ مكان ممن لديهم هاجس تعلّم اللغة العربية وعلومها وآدابها، الاستفادة من جميع هذه الأوراق التي تم طرحها كأهداف ومحاور في هذا المؤتمر، وربما في مؤتمرات وندوات ومحاضرات أخرى في مختلف الجامعات العمانية، فهي بحق مواد غنية بجميع جوانب الاهتمام باللغة واكتسابها والإحاطة بجميع علومها وآدابها.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى