الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة نقدية في القائمة القصيرة لجوائز الآغاخان لعام 2016 -2-

قراءة نقدية في القائمة القصيرة لجوائز الآغاخان لعام 2016 -2-

يمثل مركز الصداقة في غايباندا، ببنغلاديش أحد المشاريع التي تتكامل مع الطبيعة المحيطة فضلا عن التصاقه وتفاعله مع المجتمع المحلي. وهو بذلك يتقاطع مع أحد أبرز ملامح المشاريع الكلاسيكية التي دعمتها مؤسسة الجائزة منذ إنشائها. ما يميز هذا المركز هو الواجهة الخامسة التي تكسوها الطبيعة الخضراء، ويبدو بأنظمة التهوية الطبيعية ومواد البناء المحلية المصنوعة بالأيدي العاملة المحلية كمشروع نمطي من المشاريع الفائزة بالجائزة في الدورات السابقة. ويقدم مركز ثريد لسكن الفنانين والمركز الثقافي، سينثيان، السنغال، كذلك أفكارا مبتكرة “كمكان للتجمع حساس للبيئة ويستعرض كيف يمكن للفن والعمارة أن يكونا جزءاً من الحياة الريفية”. وهو أحد النماذج الفريدة التي تعمل لتحقيق التنمية المستدامة و “لخدمة منطقة سينثيان والقرى المجاورة لها، ويقدم التدريب الزراعي حول الأراضي الخصبة في المنطقة، وكمكان لاجتماعات المنظمات الاجتماعية (الأهلية) في ريف السنغال”.

وبالتوازي يبدو مشروع مكتبة يوانير الصغيرة للأطفال ومركز الفنون، بكين، الصين وقد انضم لنفس الفئة من المشاريع التي تقوي الروابط بين المجتمعات إذ يعيد تنشيط الحياة في هوتونغ بالرغم من صغر حجمه. وبقراءة ملف الترشيح تبدو المكتبة كتدخل لحل وضع قائم من أجل إعادة إيجاد لحمة بين المجتمع المحلي بعد عملية إزالة لتدخلات غير شرعية. لكن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا في هذا الإطار هو: هل المكتبة كمشروع عام تم إحلاله مكان مجموعة مطابخ “خاصة” هو الحل الأمثل، والأهم “الناجح” للمجتمع المحلي؟ وهل تم تقييم التجربة فعلا لمعرفة مدى تحقيق هذا المشروع العام الذي استبدل بوحدات مطابخ خاصة تعدى فيها السكان على الفضاء العام للساحة؟ أسئلة ابتدائية تطرح في أي مشروع إحياء أو إعادة إحياء في الفضاء الحضري العام. قد تكون الإجابة “النظرية” حاضرة في ملف الترشيح حيث نقرأ:” عمل القائمون على المشروع على إبراز هذه المباني وتقديمها كمواقع تاريخية هامة، وتجسيداً حقيقياً لحياة بكين المدنية المعاصرة في منطقة هوتونغ والتي تعرضت للإهمال فيما سبق. بالاتفاق مع العائلات في المنطقة، تم إنشاء مكتبة صغيرة للأطفال على مساحة 9 أمتار مربعة، باستخدام رقائق خشبية وضعت تحت أسقف أبنية موجودة مسبقاً. تحت واحدة من أشجار الباحث الصينية الضخمة، أعيد تصميم أحد المطابخ السابقة ليصبح معرضاً صغيراً للفنون على مساحة 6 أمتار مربعة، مبنياً من الطوب التقليدي ذو اللون الرمادي المزرق. من خلال هذا التدخل البسيط في الساحة، تم تقوية الروابط بين المجتمعات، وإعادة تنشيط الحياة للسكان المحليين في منطقة هوتونغ”. لكن الفكرة “النظرية” تظل دائما موضع الإختبار حتى يتم التقييم “العملي” على أرض الواقع. وهناك من الشواهد من الأمثلة السابقة دليل، ومنها مكتبة الأطفال في حي السيدة زينب بالقاهرة والذي فاز بالجائزة في مطلع التسعينيات، وكمشروع كان يحمل تقريبا ذات الأهداف في ربط المجتمع المحلي بالبيئة المحلية، فضلا عن براعة وذكاء المصمم في تقديم عمارة المشروع للمجتمع آنذاك.

متنزه سوبركيلين، في كوبنهاغن، بالدانمرك، والذي تم تطويره كساحة عامة “تعزز التكامل بين خطوط العرق والدين والثقافة في حي يعد أكثر أحياء الدانمرك تنوعاً من حيث الأعراق التي تسكنه، بالإضافة إلى عملها كنقطة استقطاب لباقي سكان المدينة” يبدو مشروعا نابضا بالحياة في منطقة حضرية مهمة. لكن التعددية الثقافية والعرقية للمستخدمين، فضلا عن تنوع العادات والتقاليد يمكن أن تطرح إشكاليات جادة في طبيعة استخدام هذا الفضاء الحضري، سلبا أو إيجابا، بالرغم من أن مهمة المعماريين في تطوير هذا الفضاء الحضري تعتبر محاولة جادة تستحق الاهتمام نظرا لصعوبة التعامل مع مشاريع التطوير الحضري وضرورة قراءة متطلبات العموم – وهو ما قام به المعماريون كما ورد في ملف الترشيح.

في مشاريع البنية التحتية، هنا يبرز تحديدا مشروع محطة القطار الدار البيضاء الميناء، الدار البيضاء، المغرب، وهي عبارة عن مركز ديناميكي للمواصلات يغطي حاجات المدينة في المستقبل. ويمتاز المشروع بالأناقة فضلا عن أهميته الوظيفية حيث “تمكن الواجهات الزجاجية المسافرين من فهم تنظيم المحطة، وتوزع الممرات، وكذلك التعرف، من الجهة الغربية للمحطة، على نظام ترشيح (فلترة) ضوء شمس الظهيرة القوية”، حيث استخدم المصمم عناصر تقليدية في محاولة للتحاور مع المستقبل وبشكل ذكي.

********
من إيران هناك ثلاثة مشاريع متباينة في هذه الدورة يمثل كل منها نمطا مختلفا من العمارة، ليشمل مشاريع البنى التحتية التي برزت مؤخرا على قائمة الترشيحات للجائزة. المشروع الأول يمثله منزل منوچهري، في كاشان، بإيران، والذي “يجمع بين العمارة والعمل الحرفي في مجالات التراث، وبما ينشط إعادة الإحياء. ويتضمن المشروع فندقاً ومحلاً تجارياً ومركزاً للأقمشة يقع في الجزء التاريخي من مقاطعة أصفهان. ويشمل العمل ضمن المشروع ترميم البيت التجاري الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، وهو نموذج عن المباني السكنية للمنطقة التي تعاني من الإهمال. لايشمل هذا المكان فقط ورشات الصناعات النسيجية للقماش المطرز والحرير والقطن والمخمل فحسب، بل يشمل ايضاً مجموعة من المرافق التي تضم أفضل مكان لتناول الطعام في المدينة، معرض معاصر للفنون، متجر للصناعات اليدوية، وبيت تحت الأرض لعرض الأفلام تم تنفيذه بالاعتماد على خزان أصلي موجود في البناء القديم”. هذا المشروع بمعطياته يشابه عشرات الترشيحات التي لم تصل للقائمة القصيرة والتي تمثل جهودا كبيرة في مجال الحفاظ التراثي وبما تحويه من الحفاظ على الحرف التقليدية وعلاقتها بالمجتمع المحلي إنتاجا واستهلاكا. وهناك عشرات المشاريع التي تقوم بها الوزارات والمؤسسات المعنية في سلطنة عمان مثلا، ومنها مشاريع الترميم والحفاظ على التراث المبني والثقافي التي تقوم بها وزارة التراث والثقافة أو وزارة السياحة العمانية والتي تستحق أن تصل للقائمة القصيرة برأينا المتواضع، انطلاقا من مشاريع مشابهة كهذا المنزل التراثي في أصفهان.

بالمقابل يمثل جسر الطبيعة للمشاة، في طهران، بإيران، أحد المشاريع القليلة التي بدأت تتسلل للقائمة القصيرة والتي تمثل نمطا جديدا تحت فئة البنية التحتية. لكن هذا المشروع وبشكل أكبر من سابقه في المغرب والذي فاز بالجائزة في الدورة السابقة يمثل أكثر من مجرد جسر “يصل بين متنزهين” إذ تحول إلى مساحة حضرية شعبية. وبالنتيجة فقد تحول الجسر إلى “بناء هيكل فراغي يبلغ من الضخامة ما يكفي لايجاد فضاء معماري قابل لتجمع الناس وتناول الطعام والاستراحة فيه، عوضاً عن مجرد العبور منه”. لكن مثل هذا التحوير والتحول في “الوظيفة” من مجرد “الربط” بين نقطتين والمرور إلى مكان “للبقاء” والجلوس يحتاج لإعادة قراءة لمفهوم الجسر وإعادة تعريفه ضمن العمارة أو البنية التحتية، فضلا عن قراءة وتأمل التجربة الفراغية وتداعياتها الاجتماعية وبالضرورة – وبخاصة أن الجسر يفترض أن “يربط” بين المتنزهين، فضلا عن أن يعمل كامتداد “وظيفي” لهما. المشروع الثالث وبقراءة ملف ترشيحه حيث تم اعتماد ” تقنيات مبتكرة قليلة التكاليف أعادت تأويل الواجهات الحجرية التقليدية، وإعداد انعكاس عصري للمشربية العتيقة باستخدام الطوب المتوفر في الاسواق المحلية” يطرح علامات استفهام أكثر مما يقدم أجوبة في مفاهيم عميقة لتفسير العمارة وتقديم حلول إبداعية تتجاوز التشكيل السطحي. وبالمقابل يمكن رصد ملاحظات أخرى يبثها مشروع الأكاديمية الملكية لحماية الطبيعة، في عجلون، بالأردن، إذ يعيد الناتج وبقوة على المنبر النقدي ضرورة أن تمتاز العمارة بالجمال، رغم أنه نسبي، برغم أن ملف ترشيحها يشيد “باستخدام أجزاء من الطبيعة، التي سبق وأن تعرضت للضرر في الماضي عوضاً عن إضافة بناء جديد فوق هذه الأرضٍ البكر. حيث يعطي المشروع مثالاً عن كيفية استخدام مقالع الحجارة المهجورة المتواجدة ضمن سلاسل الجبال المحيطة”. وفي السياق ذاته يطرح برج الدوحة، الدوحة، قطر، مجموعة من التساؤلات والجدل في تميز هذا البرج عما حوله في سماء مدينة تعج بناطحات سحاب كثيرا ما تتعرض لنقد وطروحات جدلية في تميز المدينة أصلا عما سواها في المدن الشرق أسيوية. وبهذا فهذا البرج ذي الفناء الذي يرتفع على سبعة وعشرين طابقا يقدم نموذجا جدليا في تطبيق مفهوم الفناء في برج مهما كانت فلسفة التصميم ومهما اجتهد المصمم في إعطاء الشرعية على هذا البناء الرأسي الشاهق الذي بات يحول المدن العربية وبخاصة في الخليج العربي إلى مسرح “تطبيقي” لأعمال المعماريين الغربيين وبما يطرح علامات استفهام على وصوله للقائمة القصيرة.

*********
مجموعة المكتبات التي وصلت لترشيحات القائمة القصيرة والتي تشمل مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ومكتبات بوتانيكا بكوسوفو ومكتبة يوانير الصغيرة للأطفال، في بكين، بالصين، تبرز منها الفكرة التصميمية بمكتبات بوتانيكا حيث برزت للمصمم ” فكرة البوناتيكا، يملؤه الطموح بإنشاء مكتبات عمومية في ريف كوسوفو لإعطاء الشباب المحروم فرصة استكشاف الكتب والمواد التعليمية”. وبالمقابل برزت في مكتبة الملك فهد فكرة “الإحاطة المعمارية لتغليف المبنى القديم الذي يعود تاريخه إلى عام 1980 من كل جوانبه”. وبالرغم من ذلك تظل هذه المحاولات محل جدل فيما يخص العمارة بالرغم من تميز الطرح الخاص بعلاقة المبنى بالبيئة المحيطة وتفاعله مع المجتمع المحلي. وتثير مكتبة سبتة العمومية، بسبتة، في اسبانيا، تساؤلات جدلية من نوع أخر في العلاقة الوظيفية بالتاريخ للمبنى ذاته حيث “تم دمج الموقع التاريخي كسمة أساسية ضمن البناء، مما جعل من هذه المكتبة معلماً ثقافياً. يتموضع في وسط قاعة المطالعة ضمن هذه المكتبة معلم أثري أصيل يعود تاريخه للحقبة المارينية في القرن الرابع عشر ميلادي. شملت أعمال التنقيب المساحات الداخلية ضمن هذا البناء العمومي، بينما عمل المهندسون المعماريون بإشراف علماء الآثار للتأكد من وجود الاحساس بالانفتاح والشفافية بين المكتبة والمركز الماريني”. ما يجمع المشاريع النمطية أعلاه هو تساؤل متعلق بالمفهوم الذي تقدمه في “وظيفية” المبنى ذاته، والكيفية التي تربط الفكرة التصميمية المجتمع المحلي بنمط البناء الوظيفي.

**********
مشاريع القائمة القصيرة تضمنت في هذه الدورة نمط المدرسة كنموذج لتفاعل البيئة المحيطة والمجتمع المحلي مع عمارة مبتكرة. وهذا تمثل في مدرستين كلتاهما تقدم فكرة وأطروحة متميزة: فمن ناحية تقدم مدرسة كلميم للتكنولوجيا، كلميم، المغرب، هندسة معمارية “تتلاعب بالتباين بين الأقسام الداخلية والخارجية، وتحقق السمو الأساسي للمؤسسات التعليمية”. وكذلك تقدم مدرسة ماكوكو العائمة، في لاغوس، بنيجيريا، “نظام بناء بديل يوفر المساحة للتعليم والبرامج الثقافية في الأقاليم الإفريقية الساحلية”. فهذا النموذج الفريد يقدم “المدرسة العائمة هي عبارة عن عمارة نموذجية تهدف بشكل أساسي لإيجاد نظام بناء بديل وثقافة حضرية لسكان الأقاليم الساحلية في إفريقيا”. وكلا النموذجان على تباينهما يقدمان فكرتين مبتكرتين في مفهوم المدرسة بعيدا عن النمط الكلاسيكي الجامد.

أما مشاريع الترميم لم تحظ بحظ وفير في هذه الدورة إذ كادت أن تقتصر على ترميم برج الناصري، هويركال-أوفيرا، يألميريا، في إسبانيا، ويمثل أعمال ترميم معززة بعناصر تصاميم معاصرة، تراعي البيئة الطبيعية المحيطة والبيئة المبنية. وتبدو قوة التاريخ حاضرة بقوة في ملف ترشيحه. أما معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، بيروت، لبنان، فيقدم المشروع الذي يتنمي لعمارة “التفكيكية” جدلية من نوع خاص في محاولات لقراءة مجموعة علاقات متشابكة في الوظيفة والإنشاء والطابع والمحتوى الظرفي والزمني بما يطرح علامات استفهام أكثر مما يقدم أجوبة في متعلقات وحيثيات ترشيحه للقائمة القصيرة. وتظل هذه القراءة موضوعا لمساحات قادمة للتأمل وإعادة القراءة.

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى