الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حين يتحول الوطن إلى مرسى منه نهرب وإليه نعود

حين يتحول الوطن إلى مرسى منه نهرب وإليه نعود

في رواية مرسى فاطمة لحجي جابر
قرأت “مرسى فاطمة” للكاتب الإرتيري حجي جابر بنهم القارئ الذي غاص في الرواية حتى أحسست أني داخلها أتمثل شخصياتها، أشاهد أماكنها، أحاور وأتحاور مع مآسي بشر لا ينقصهم شيء سوى الوطن الذي يعيشون تحت كنفه، وطنٌ يشعرهم بالأمان فيمارسون فيه إنسانيتهم التي خلقوا على شاكلتها وهنا كان ينقصهم كل شيء “كانت لحظة مربكة أن يكون خلاصنا حين نعطي ظهورنا للوطن حين نهرب منه بكل ما نملك من خوف وأمل وشك ويقين”.
فقد بطل الرواية محبوبته سلمى في ظروف غامضة فذهب للبحث عنها وما سلمى إلا رمز للوطن الضائع بعد أن كان محلاً للأمان والاستقرار، سلمى هي السكن الذي عاشه البطل ففقده، فقاتل من أجل استعادته، وفي طريق البحث كثير من الأحداث والأماكن والوجوه التي يحمل كل منها قصة لا تقل ألماً عن قصة البطل الفاقد إن لم تكن أكثر منها مرارةً وألماً.
استطاع الكاتب عرض تلك المآسي باستعمال خاصية الصديق (الشخصية التي يختلقها بذكاء في كل الأماكن التي ذهب إليها البطل، ففي أسمرا كانت شخصية جبريل تمثل شخصية الصديق الذي يعين ويساعد في كل شيء (اعتدت على خدمات جبريل التي لا تنتهي). وإليه عاد بعد أن انتهى من رحلة البحث التي باءت بالفشل وهو الذي أخبره أن سلمى رحلت للبحث عنه هي الأخرى قبل أن تتحول حياته إلى دائرة تبدأ فيها الأحداث وفيها تنتهي. وفي معسكر ساوا حيث العذابات والألم والمتاعب المصحوب بالألم من أجل الحصول على سلمى خلق الكاتب شخصية صديق آخر هو كداني، الشاب المسيحي الذي رسمت له صفات النخوة والإقدام خلال سير الأحداث، كداني الذي أكد له أن سلمى ليست في المعسكر من خلال محبوبته التي كانت تعمل في معسكر النساء (إلسا). كانت له هو الآخر قصة ومعاناة فمنحه الكاتب دور الراوي ليروي قصته للقارئ وهو الذي ساعده على الخروج من المعسكر ليواصل رحلة البحث.
وحين وصل البحث عن محبوبته إلى دولة الشفتا حيث الحدود مع السودان والاعتقال والأسر والمقايضات برزت شخصية ابراهام الصديق الجديد الذي يشارك البطل الآلام والآمال والذي دفع عنه بطلنا المال حتى يتخلص من أسر الشفتى وما كان من الأخير إلا أن فداه بنفسه كي يخرجره من أسر الشفتا.
وتبرز كذلك شخصية صديق آخر وظفها الكاتب في الشجراب حيث عبور الحدود إلى السودان هي شخصية أمير، أمير الذي دفع كل ما يملك من أجل الحصول على وطن حتى وإن كان ذلك الوطن (اسرائيل)، اسرائيل التي باتت حلم كثير من الشباب اللاجئ الفار، أصبح العمل في الجيش الاسرائيلي يجعلهم ملوكاً أو هم يظنون ذلك، أمير الذي أعلم بطلنا أن الوصول إلى اسرائيل ثمنه شيء من أعضائك “لا أعرف لماذا كلما ابتعدنا أكثر، رخصت أشياؤنا إلى هذا الحد وأصبحنا بلا قيمة” رخصت الأشياء ورخصت الأعضاء فلكي تصل إلى اسرائيل الفردوس المنشود (يجب أن تكون قد فقدت احدى كليتيك ويبقى الأمل في الله كبيراً “سيعوضني الله خيراً حين أصل إلى اسرائيل” ). ملامح أمير أخذت من شتات كل المقهورين كما وصفها الراوي لدرجة أنه أصبح يخجل بهمومه عند مقارنتها بما لقيه أمير في رحلة عذابه، أمير الصديق الأخير الذي وقف مع البطل في مفترق الطريق بين الرحيل إلى إيطاليا والبقاء والرجوع إلى مرسى فاطمة بعد أن فشلت كل المحاولات في الحصول على سلمى والتي تفانى فيها أمير دون أن ينجح في الجمع بين حبيبين ضائعين.
شخصية الصديق المخلص التي تكررت في كل مشهد من مشاهد الأحداث كانت تسير على التماس مع خطين مزدوجين من رحلة البحث عن وطن ورحلة البحث عن محبوبة فلكل صديق وطنه الخاص وعالمه المفقود فكانت عاملاً مساعداً على توازي الأحداث، كما أصبحت عنصر تشويق يشد القارئ إلى مزيد من العوالم المتشابهة في العذابات.
وعن تقنيات السرد التي اعتمد عليها الكاتب حديث كثير لا يسعه المجال هنا سوى أنني أحب أن أذكر عنصر المفاجئة الذي اعتمد عليه الكاتب فيمن يروي الأحداث، وكذلك خاصية الكتابة بلغة دراما أو لغة السيناريست، فالكاتب كان يرى الأحداث قبل أن يرويها فقدم الكاتب لغة اعتمدت على الحكي السينمائي مثل هذا المشهد “اقتربت منها فخطت خطوة إلى الأمام، عاودت الاقتراب فلم تتحرك هذه المرة شعرت أنه الإذن لي بالكلام”، “كانت لا تزال تدير ظهرها لي”.

حسن الهنائي

إلى الأعلى