الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مِرآة السَّماوات

مِرآة السَّماوات

الآنَ أكسرُ قَيدَ الوقتِ في سَفري
فإنَّ حُرِّيتي في الحُبِّ أوقاتي

أَرُدُّ للخاطرِ المَنْسِيِّ ضِحكتَهُ
وأَستردُّ من النسيانِ ضِحْكاتي

أَرمي بِطَعمِ ابتساماتي مُعَلَّبةً
لِطازَجٍ من عناقيدِ ابتساماتي

لَقد سَئمنا من الآهاتِ تَعلكُنا
مِن المَتاهةِ من طُولِ المُعاناةِ

مِن التفاصيلِ في العينينِ باهتةً
مِن الحياةِ بِلا رُوحٍ ولا ذاتِ

نُضَيِّقُ العُمْرَ فينا حينَ نَلبَسهُ
ثوبًا من الهَمِّ فَضفاضَ المَقاساتِ

ونحنُ نَخزنُ أزهارًا مُؤَجَّلةً
تَكفي لتُشبعَ جُوعَ المَزهريَّاتِ

ومُنذُ أنْ وُلِدَ الإنسانُ داخلَنا
روحًا، شَويناهُ في نارِ الخِلافاتِ

وكانت الأرضُ كوخًا من بَساطتِهِ
عَمودُهُ الحُبُّ لا زيفُ السياساتِ

صِرنا نُحاربُ حتى حُلْمَ خارطةٍ
تَلُمُّ أشتاتَنا مِن بعدِ أشتاتِ

فَمَا سَكبنا سوى سُمٍّ عَداوتَنا
وقد قَتلنا بنا رُوحَ المُصافاةِ

نَسعى بِسَوأتِنا ألا نُواريَها
فنحنُ لا ندَّعي فَنَّ المُواراةِ

وكانَ للنيلِ في شِريانِ أغنيتي
لحنٌ يَسيلُ على شتَّى المَقاماتِ

فإنْ تَنقَّلتُ أَغراني المَقامُ إلى
الذي يَليهِ، وما أحلى انتقالاتي!

أُعيدُ من مِصرَ أهرامَ الحنين، ومِن
سُودانِ عينيْ نشيدي وابتهالاتي

أتلو فتثمر جيبوتي بذاكرتي
وتستوي جزرا قمرا تلاواتي

وحينما جاعتِ الصُّومال جُعتُ أنا
أحشائي اليوم حُبلى بالمجاعاتِ

وكنتُ أعمى، يَدقُّ الحُزنُ في كَبِدي
ولا بَريدَ سوى دمعي وأنَّاتي

بالمغربِ العربيِّ ارتدَّ لي بَصَري
لمَّا شَممتُ الزهورَ المَغربيَّاتِ

في ليلِ تُونسَ في بَردِ الجزائرِ في
ليبيا الندى ها أنا أسرجتُ مِشكاتي

وهكذا موريتانيا استحوذت شغفا
على دمي فتجلت في صباباتي

وما انتبهتُ.. أرى قَلبي يُجاذبُني
هذا الغرامَ الذي يَعلو بِدَقَّاتي

فَإنني يا بِلادَ الشامِ مُدَّرعٌ
وَجْهَ الحضارةِ في مَهوى الحضاراتِ

لا أَشتهي غيرَ سُورِيّا، ولستُ أرى
إلا فلسطينَ قُدْسي واشتهاءاتي

وَلِيْ بِلُبنانَ يا بيروتُ لِي صُوَرٌ
فَلتَسألي صُورَ عنّي عن حِكاياتي

ويَا عَرارُ: هنا الأردُنُّ حيثُ أنا
تَزُمُّ مِن دَهشتي كلَّ انتباهاتي

وَسِرتُ تَلفظُني الصحراءُ مِن عطشٍ
لا بَوصلاتي صِلاتي في اتجاهاتي

مَشيتُ خاطرُ أشواقي يُبادرُني
إلى نَخيلِ العراقِ البابلياتِ

وكنتُ ظمآنَ حتى مَدَّ دِجلةُ لي
فَمًا يَبُلُّ شَراييني الظَّمِيَّاتِ

فَقُلتُ: هذا فُراتٌ سائغٌ وأنا
ما زلتُ أُلقي ببغدادي تَحيَّاتي

وأنتَ يا يمنَ الأحرار، يا رئةَ
الأشعارِ، أيّ حنينٍ في نداءاتي!

تَفجَّرَ الشوقُ من سَدِّ الضلوعِ، فما
كانت ضلوعيَ إلا مأربياتِ

يَا لَلخليجِ هوى قلبي! يُراودُني
مَحَّارُ عينيك عنْ مَكنونِ لَذَّاتي

فَمَا أقُول؟! نَعم آتٍ، نَعم.. وأنا
كَرهتُ فيَّ انطوائي بينَ لاءاتي

هذي الصَّواري وهذا البحرُ ترجمتي
أَلقيتُ شَوقي وكانَ الشوقُ مِرساتي

أَلقيتُهُ فإذا بي في عُمانَ وما
أحلى عمانَ! وأحلى فيكِ أبياتي!

عُمانُ وَارْتَجَّ عِطْرُ الحُبِّ يُسكرُني
حتى تَغلغلَ في أقصى المَساماتِ

عُمانُ أيُّ جَمالٍ في سَماكِ وقد
كانت سَماؤكِ مِرآةَ السَّماواتِ!

هُنا ازدَلَفْنَا إلى مِيقاتِها عَرَبًا
لِتُحرِمَ الروحُ شوقًا دونَ مِيقاتِ

وما تَسَنَّمتُ أبياتي طَواعيَةً
إلا وشِعري انتمائي أبجَديَّاتي

يَقولُ لِيْ جمركيٌّ ما، وليسَ يَعي
أنَّ العُروبةَ تَسري في التفاتاتي

يَقولُ: أنتَ عمانيٌّ؟ أقولُ لَهُ:
(لَقد تَعَذَّرَ إدخالُ البياناتِ)

لَقد تَعَذَّرَ.. كم نَأسى لِواقِعِنا
وليسَ واقعُنا مَحْضَ ادِّعاءاتِ

لكنَّني حينما ناديتُكم وَجَعًا
فَتْحًا رأيتُ، وما خابَتْ مُناداتي

رَأيتُكمْ فانتشى قلبي ونَبضَتُهُ
لأنَّ قلبي إليكُم كانَ مِرآتي

هشام بن ناصر الصقري

إلى الأعلى