الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (214) : رمضان في اللغة

نافذة لغوية (214) : رمضان في اللغة

عزيزي القارئ نحاول في نافذتنا اللغوية اليوم الوقوف على تسمية هذا الشهر الفضيل باسم رمضان ، فمن أين أتت هذه التسمية ؟ وما عِلّتها؟ وهل كان له اسم في العربية القديمة ؟
من المعلوم أن لكل اسم في اللغة العربية أصلاً لغوياً , وقد سُمِّي رمضان بهذا الاسم لمجيئه عند تسميته في فصل الحَرّ, وهكذا يستدير الزمان ليعود إلى وقت التسمية.
لقد كان العرب في الجاهلية الأولى يسمّون شهورهم القمرية بأسماء إذا صافحت أعيننا في الكتب، أو بثتها في أسماعنا الألسنة خيّل إلينا أنها من لغة سامية مهجورة كالآرامية والسريانية . وهي من المحرّم إلى ذي الحجة تتعاقب على النحو التالي : المُؤْتَمِر / نَاجِر / خَوَّان / بُصَّان / الحنين / رُبّى / الأصمّ / عَاذِل / نَاتِق / وَعِل / وَرْنَة / بُرَك .
وكان رمضان يسمى قديماً ( ناتق ) ولما غُيِّر الاسم وافق زمن الحرّ والرَّمَض, والرَّمْضاء هي شدّة الحرّ, ويقال : رَمَضَت الحجارة إذا سخنت بتأثير أشعة الشمس.‏
وكأن الناس حينما وضعوا أسماء للشهور صادف رمضان في وقت الحرّ (كما أن ربيع الأول وربيع الآخر كانا في وقت الربيع) وكأنهم لاحظوا الأوصاف في الشهور ساعة التسمية, ثم دار الزمن العربي (الهلالي) في الزمن العام الشمسي فجاء رمضان في برد وجاء في خريف, لكن ساعة التسمية كانت في الحرّ, ومن ذلك نستنتج أن تسميته رمضان لوحظ فيها وقت التسمية.‏
ثم جاء علماء البيان اللغوي فرأوا أنّ لكل حرف من حروف رمضان معنى, فقال ابن فارس في معجمه مقاييس اللغة: ( الراء والميم والضاد أصل مطَّرد يدلّ على حِدّة في شيء من حَرٍّ وغيره. فالرَّمَض: حَرُّ الحجارةِ من شدة حَرِّ الشمس ). ورَمِضَ الإنسان يعني : حرقه العطش, والرَّمْضاء: الرَّمل الحارّة.‏
ومن أقوال الشعراء الذين ذهبت أقوالهم مثلاً قول البحتري :‏
المُستجيرُ بعمرٍو عندَ كُرْبَتِهِ‏ كَالمُستجيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بالنَّارِ‏
ويقال الشطر الثاني المشهور أكثر من شطره الأول عند الهروب من شدّة ليقع المرء في أشدّ.‏
وقد أطلق على مكان حارّ خارج مكة رَمْضَاء مكة, وكانوا يعذبون فيه المسلمين الأوائل ومنهم بلال الحبشي, وعمّار بن ياسر وسميّة بنت الخياط رضي الله عنهم.‏
واجتهد بعضهم فقالوا : سمي رمضان لأنه يَرْمَضُ الذنوبَ أي يحرقها, وأخذوا المعنى من الرَّمْضاء وهي شدّة الحرّ.‏
قال المرتضى الزبيدي في تاج العروس: ( الرَّمَض : شدّة وقع الشمس على الرَّمل وغيره . ومن حديث عُقَيْل : فجعل يتتبّع الفَيْءَ من شِدَّة الرَّمَض .ورَمِضَ الرجل يَرْمَضُ رَمَضاً : إذا احترقت قدماه . ومن الحديث : صلاةُ الأوّابين إذا رَمِضَت الفِصَال من الضُّحى ) . وتحدّث الجاحظ عن حيّةٍ كانت تصيد العصافير في الحرّ ، فقال في كتابه الحيوان:(زعموا أنها إذا انتصف النهار ، ورَمِضَ الجندب ، غمست هذه الحية ذنبها في الرمل … فيجيء الطائر الصغير ، فإذا رآها ظنّ أنها عود ، فوقع على رأسها ، فابتلعته). وقال ذو الرمّة يصف جندباً تأذّى من الرمضاء ، وأخذ يبحث عن ملاذٍ برود:
مُـعْرَوْرِياً رَمَضَ الرَّضْرَاض يَرْكُضُهُ والشَّمس حَيْرَى لها بالجَوِّ تَدْوِيـمُ

وإذا سميت غلاماً برمضان منعت الاسم من الصرف ، كما تمنعه وهو علم للشهر المعروف . تقول : مررتُ برمضانَ بفتح النون كما تقول صمتُ في رمضانَ . وإذا أتبعت رمضان برمضانٍ غير معروف فحينئذٍ تزول العلميّة عن الثاني فينصرف ، كأن تقول: زارني ابن عمي رمضانُ ومعه رمضانٌ آخر ، تنون الثاني لأنك لا تعرفه. وتقول: صام جدّي رمضانَ الماضي ورمضاناً آخر . ولمّا كان هذا الشهر ذا منزلة خاصة عند العرب عامة ، وعند المسلمين خاصة ، فقد خصّوه بخصيصة ميّزوه بها من شهور السنة الأخرى وهي إضافته إلى شهر ، فقالوا : شهر رمضان مبارك ، ولم يقولوا شهر رجب أو شهر المحرّم . قال الله تعالى في سورة البقرة الآية الخامسة والثمانون بعد المِئَة: شَهْرُ رَمَضَانَ الذِّي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى للنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ  .
ولـمّا كان اسم رمضان كثير التداول ، واسع الشيوع ، تتناقله الألسنة أكثر ممّا تتناقل الشهور الأخرى ، وتحتفي به فوق احتفائها بالشهور الأخرى ، فقد جمعه العرب جموعاً متعددة الأوزان والصيغ فقالوا في جمعه : رمضانات ، ورمضانون ، وأرمضة ، وأرمضاء ، وأرْمُض ، ورماضين . ومن رأفة الله بعباده أن رمضان ـ ولو جمع ستة جموع في الكلام ـ لا يوافيك إلا مرة كل عام ، وأن نهاره يطول ويقصر ، وحرَّه يشتدُّ ويفتر ، لأنه ضيفٌ لطيفٌ خفيفٌ ،يزوركَ في الربيع كما يزوركَ في الخريف ، وتصومه في المـَشْتَاةِ كما تصومه في المـَصِيف …. وكل عام والجميع بخير.

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية المشارك
مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى