السبت 29 يوليو 2017 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عصر الهجرات المليونية فـي زمن الأزمات الدولية

عصر الهجرات المليونية فـي زمن الأزمات الدولية

د.أحمد القديدي

” إفلاس مبدأ ومسيرة التعاون الدولي شمال – جنوب الذي تحول من فكرة تنمية البلدان الفقيرة إلى فكرة مواصلة استغلالها ونهب ثرواتها وتهجير سواعدها وعقولها أي مرت مسيرة التعاون من مرحلة استعمار إداري وعسكري مباشر إلى مرحلة استعمار اقتصادي وثقافي خفي. ومع تفقير الشعوب الفقيرة وإثراء الشعوب الثرية تحول طموح جزء من شباب الجنوب من إرادة الحياة في أوطانهم إلى هوس الهروب منها إلى الشمال.”

أصبحت الهجرات المليونية اليوم من الجنوب المتأزم الى الشمال الغافل هي التي تفرض التحولات الكبرى مثل الذي جرى الأسبوع الماضي في انتخابات النمسا حيث وصل حزب اليمين المتطرف الى حوالي 50% من الأصوات كما تفرض التغير المثير في العلاقات الدولية كالذي حدث بين تركيا والاتحاد الأوروبي أو عمليات إنقاذ في البحر نفذتها البحرية الإيطالية والتي أسفرت عن إنقاذ 14000 مهاجر وغرق 3000 خلال ثلاثة أشهر الأخيرة ثم ما يجري هذه الأيام من أحداث دموية في الفلوجة بعد حلب تمزق ما تبقى من أمن الشرق الأوسط وكل هذه المصائب تطرح ملف الهجرات العملاقة المرتبط تماما بالصراعات والفتن وتدخلات القوى الإقليمية والدولية في شؤون المتصارعين من أجل تقاسم أفضل للغنائم الجيوستراتيجية والاقتصادية حينما تهدأ المدافع وتحط الطائرات المقاتلة وتفرض القوى الغالبة على القوى المغلوبة واقعا جديدا بعد تنفيذ مخططات التقسيمات المرغوبة وفرض الاتفاقات المطلوبة بين الأطراف.
ولعل ما غاب عن مهندسي الشرق الأوسط الجديد في التسعينيات هو أن معضلة كبرى معقدة ستطرأ على مسرح اللعبة الدولية وسيعجز الجميع عن حلها ألا وهي مأساة الهجرات الكبرى التي بلغت المليون مشردا ضاربا في أرض الإتحاد الأوروبي سنة 2015 بالإضافة إلى 3 ملايين في تركيا وحدها ومليونان بين الأردن ولبنان. فأصبح العملاقان الاميركي والروسي يضعان في حسبانهما تلك المخاطر التي تهددهما من وراء تشرد الملايين بلا أمل والهاربين من جحيم الموت وانسداد الأفق. مرت البشرية بعصور إنسان الكهوف وإنسان القبائل وإنسان المدن ويقول علماء الجنس البشري أننا نمر منذ نشأة الحداثة بعصر الهجرات ( باللاتيني: هومو دياسبوريس) وهو عصر تميز بالمرور من هجرات الأفراد إلى هجرات العائلات إلى هجرات القبائل إلى أن وصلنا اليوم إلى هجرات الشعوب. وتبقى معضلة العلاقات الدولية في عصرنا الحاضر هي الهجرة السرية أو الهجرة غير القانونية أي تلك التي تفرضها الحروب الأهلية أو كوارث الطبيعة وقسوة المناخ وإنحباس المطر وإنتشار المجاعة وكلها تشجعها العولمة بنشر الصور النمطية عن المجتمعات الغنية عبر الفضائيات لتقدم للشباب المحروم أمل الوصول إلى الفردوس قاطعا البر والبحر ومجازفا بحياته من أجل حلم مستحيل.

وأذكر أن هذا الملف الحارق كان محور مؤتمر عربي- أوروبي نظمته في مدينة لاهاي الهولندية مؤسسة المنتدى العربي في هولندة التي كان يرأسها بنجاح وفاعلية المثقف التونسي والوزير الحالي د. خالد شوكات (في مايو سنة 2007 إذا لم تخني الذاكرة) فكنا بعض مفكرين عربا وأوروبيين استبقنا الأحداث كأنما استشرفنا ما سيحدث بعد سنوات قليلة، وشاركت في هذا المؤتمر مع نخبة متميزة من الخبراء والناشطين الحقوقيين ورؤساء الجمعيات الأوروبية المهتمة بهذا الشأن. وكانت محاور البحث والنقاش كالتالي: السياسة الأوروبية إزاء الهجرة السرية بين المعالجتين الأمنية والتنموية وأسباب الهجرة السرية من الضفة الجنوبية إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط وعمل منظمات حقوق الإنسان في هذا المجال ودور منظمات المهاجرين في مقاومة هذه الظاهرة وكيف تتعامل وسائل الإعلام الأوروبية والعربية مع الهجرة السرية ثم الحلول المقترحة لمعالجة هذه المعضلة. وتناقشنا لمدة يومين حول البحوث الجيدة المقدمة لننتهي تقريبا إلى تشخيص موضوعي أمين لهذه المشكلة يمكن إيجازه في العناصر والأفكار التالية:
إفلاس مبدأ ومسيرة التعاون الدولي شمال- جنوب الذي تحول من فكرة تنمية البلدان الفقيرة إلى فكرة مواصلة إستغلالها ونهب ثرواتها وتهجير سواعدها وعقولها أي مرت مسيرة التعاون من مرحلة إستعمار إداري وعسكري مباشر إلى مرحلة استعمار اقتصادي وثقافي خفي. ومع تفقير الشعوب الفقيرة وإثراء الشعوب الثرية تحول طموح جزء من شباب الجنوب من إرادة الحياة في أوطانهم إلى هوس الهروب منها إلى الشمال. و لا حل لملف الهجرة السرية إلا من نفس طينة السبب أي إبتكار مناهج تنموية عادلة لتوفير الأمل في الشغل للشباب خريج المدارس و الجامعات لإيقاف سيل قوارب الموت. إستفحلت ظاهرة تجريم الهجرة غير القانونية في القوانين الأوروبية لا كحل للمعضلة بل كطريقة سهلة و شعبوية لجلب أصوات الناخبين مما جعل الأحزاب اليمينية المتطرفة تبلغ في الدول الأوروبية معدل 30% من مجموع الجماهير الناخبة و تسن قوانين تكرس المعالجة الأمنية فقط و تساهم في خلق مناخات من كراهية العربي و المسلم و العمل على ملاحقته و طرده بكل الوسائل القمعية بتشييد الجدران و كهربة الأسلاك الشائكة و تحويل أوروبا إلى قلعة حصينة و تكثيف أليات الإعتقال الإداري الخارج عن القضاء. وسائل الإعلام الأورو- متوسطية مدعوة إلى إتباع طرق أخلاقية و واقعية لنقل حقيقة الهجرة الصعبة لأن تغطية مظاهر العيش في الغرب مغشوشة و تقود إلى تغذية الأوهام عن الجنة الموعودة. إن الدول الغربية مطالبة باحترام المواثيق و المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والتعاطي بوعي أخلاقي و ترفع حضاري مع ملف الهجرة لضمان كرامة المهاجر بتوفير السكن و التعليم و العلاج والتأهيل المهني له و لأولاده. كما إنها مدعوة بالتنسيق مع دول الجنوب إلى مقاومة عصابات التهجير والتهريب و عدم الخلط بينها و بين المهاجرين لأن هؤلاء هم الضحايا و أولئك المتاجرون هم المجرمون. هذه بعض الخلاصات التي إنتهى إليها بيان (لاهاي) الصادر عن المؤتمر الذي سبق العصر و اقترح الحلول و بقي أن تعي الحكومات و المنظمات المدنية شمالا و جنوبا و المؤسسات الأممية و الدولية إلى هذا الخطر المحدق لا فقط بشباب الجنوب المهاجرين بل بأمن البحر الأبيض المتوسط و بالثقة الضرورية بين الشمال و الجنوب و بالتعاون الشامل بين ضفتي البحر.

إلى الأعلى