الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / محمد علي كلاي.. أسطورة المواقف !

محمد علي كلاي.. أسطورة المواقف !

محمد مصطفي

” .. إذا حضر الحديث عن كلاي، بالطبع حضرت معه معارك الرجل ومواقفه التي أبدى فيها حسما وانحيازا واضحا دونما تردد او حتى تفكير، فالأمر نابع من خبرات وتراكمات شكلت لديه قدرة مدهشة على ابداء ردود أفعال بالغة الحدة والوضوح، حفرت في وجدانه علامات، ابن كنتاكي وحركات المقاومة السوداء والتي لم تستطع ان تستوعبه، كلاي كما قال، فراشة أحيانا، ونحله في أحيان أخرى،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحديث عن محمد علي كلاي، لا يأتي أبدا في سياق واحد، فالرجل المولود بولاية كنتاكي الاميركية بمسمى غارق في بيئة شديدة السواد، كاسيوس مارسيلوس كلاي، آثر علي الاحتفاظ بإسم “كلاي” عقب اعتناقه الاسلام، شاهدا ودليل على ما تعرض له أسلافه من تنكيل واضطهاد تحت سياط السيد الأبيض، وتحت أشعة الشمس الحارقة في قيظ يونيو الملتهب بحقول القطن والتبغ والذرة، وأمام أفران صهر المعادن في مصانع ديترويت، يبنون المجد للسيد صاحب الدماء الزرقاء.
ولد علي، في وقت كانت أميركا تتهيأ لمرحلة جديدة من تاريخها المليء بالتقلبات والادوار، في أوج عالم جديد بدأ يتشكل بحرب عالمية ثانية، اكثر شراسة ودموية من اختها الاولي، على انقاضها تم بناء وتشكيل خريطة الكبار الجدد، ومعه حجزت اميركا مكانها في الصدارة على انقاض ما خلفته تلك الحرب، وكان لها ما أرادت.
تفتحت عينا كلاي على حركات التحرر من قيد الاضطهاد والتهميش الذي يلقاه بني جلدته، ومن غير بني جلدته أيضا، فترة شديدة الدقة والاضطراب في أميركا وخارجها، فطن الخلق الى قيم التحرر والاستقلال عقب عقود القيود والتبعية، فهنا تفتح وعي علي ودارت معها عاصفة التساؤلات التي عصفت بعقول هذا الجيل لوقوعه في هذه الفترة بالغة التعقيد والحساسية، لماذا تلك النظرة الينا، لماذا بيوتنا أقل من بيوتهم، وظائفنا أقل من وظائفهم، أجورنا أقل من أجورهم، مدارسنا أقل من مدارسهم، حتى أنهم لا يقبلوننا بجوارهم في الحافلات أو دور السينما، حتى الكنائس،والمطاعم، لماذا كل هذا البؤس ؟!
تنقل الفتى كلاي في حياته كالفراشة بين الافكار والتصورات، من الدين للسياسة ومن الرياضة الى حركات التحرر ومن المشاغبات الطفولية الى دعوات السلام العالمية، وهذا ما أوجد اسطورة محمد علي، من هنا كان الحديث عن “السياقات”، أمرا مخلا أن يتم تناول سيرة علي وحصرها في مسيرته الرياضية، على اتساع المساحات في هذا المجال الذي برع فيه علي وأجاد، ما بين ذهبية الملاكمة في أولمبياد روما في صيف 1960، ومنها انتقل الى عالم أرحب صنع فيه سيرته الرياضية في عالم الاحتراف، وفيها خاض معاركه التي صنعها بنفسه، قربته من الناس واستجلبت له حبهم، سيما البسطاء والمهمشون منهم، صدق الرجل واتساقه مع ذاته وانسانيته، كان أكبر شئ جلب اليه دعم ومحبة قلما نالتها شخصية عامة قبله.
وإذا حضر الحديث عن كلاي، بالطبع حضرت معه معارك الرجل ومواقفه التي أبدى فيها حسما وانحيازا واضحا دونما تردد او حتى تفكير، فالامر نابع من خبرات وتراكمات شكلت لديه قدرة مدهشة على ابداء ردود أفعال بالغة الحدة والوضوح، حفرت في وجدانه علامات، ابن كنتاكي وحركات المقاومة السوداء والتي لم تستطع ان تستوعبه، كلاي كما قال، فراشة أحيانا، ونحله في احيان اخرى، وأنى لضيق التنظيم أن يتسع للفراشات والنحل، من هنا كان الصدام مع جماعة “أمة الاسلام” من ثم الانفصال، آثر علي التحليق مستقلا إلا انه احتفظ بخيوط رفيعة من صلات المحبة والعمل المشترك مع رموز وزعامات تلك الحركات، من إليجا محمد الى مالكوم إكس، حتى مارتن لوثر كينج، ولما لا، فنحن لدينا وحدة المصير والهدف، تحرير الانسان من اي قيد كان.
خاض كلاي معاركه، محفوفا برعاية ودعم محبيه ممن وقف في صفهم وانحاز لقضاياهم، رفضه للحرب في فيتنام كان من أهم واخطر المعارك التي خاضها، بلد في حرب، ومشاعر الوطنية الفارغة التي وزعتها واشنطن تطغى على المشهد، وفي خضم ذلك يخرج كلاي معلنا بكل أريحية وبساطة، لا، لن أخوض حربكم، ينحاز الفتى الى إنسانيته وذاته، من الانسان والى الانسان نعود، ليست معركتي، يغامر بكل تاريخه وألقابه ومهنته، في سبيل اعلان موقف مبدئي، من هنا أتت الاسطورة، والغريب ان تلتف حوله الجماهير وتؤيد موقفه، ومن لم يؤيد يتفهم الموقف، حتى ان ومع الضغط الشعبي واتساع حركة الرفض لقرار المحكمة بحبس كلاي وتجريده من ألقابه، ينتصر كلاي في المعركة، بإلغاء كافة العقوبات، ويعود الى الحلبة مجددا.
اكتسب كلاي احترام مخالفيه ومنافسيه قبل داعميه، بمواقف واقعية فيها من الدراما ما تنسج به مئات الروايات والقصص، في معاركه في الحلبة او حتى خارجها، حتى أن ما تم روايته من مواقف وأحداث من خصومه، أضعاف ما تم تداوله من محبيه ومريديه، ومنها نسج حول مواجهاته مع ملاكمين عظام مثل فريزر، فورمان، جيك لا موتا، رواها هؤلاء بكل حب تعلوهم ابتسامة المتسامح العفو.
عاش محمد علي فترة شديدة الاضطراب من التاريخ، وتحمّل نتائج قراراته كلها بشجاعة حقيقيّة، شخص كريم النفس، ومحارب حقيقي سواء داخل الحلبة أو خارجها.
بإنسجام مدهش، امتلك كلاي روح حادة ويقظة ومنتبهة، فيها من الطيّبة والسماحة بنفس الدرجة في ذات الوقت.
محمد علي كان عظيماً بكل معنى فعلي للكلمة، عظيماً في أفعاله، وفي رد فعله، وفي صبره على كل ما تعرّض له في حياته، نهاية بالتحدي الأخير، مرض باركنسون، والذي واجهه، وتعامل مع تأثيره على نفس الجسد – الذي كان خارقاً في وقت من الأوقات – بشجاعة تستحق الاحترام، كل هذا بمعزل حتى عن كونه رياضيا استثنائيا لم يتكرر في تاريخ الملاكمة.

محمد مصطفي

إلى الأعلى