الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السياحة كأداة للإرهاب واختراق الأمن القومي للدول

السياحة كأداة للإرهاب واختراق الأمن القومي للدول

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. قد كان للتجديد في فكر التنظيمات الإرهابية الحديثة, واختيارها لبعض الاستراتيجيات التدميرية غير العسكرية او المباشرة للقضاء على الدول والأنظمة السياسية والضغط على المجتمعات والتضييق عليها ومن ضمنها ضرب قطاع السياحة, والتي بدورها تعتبر من أبرز مصادر الدخل القومي لبعض الدول واحد من تلك الوسائل والتوجهات التي عملت وتعمل عليها تلك التنظيمات المتطرفة في السنوات الأخيرة, نظرا لسهولة استهدافها,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعد قطاع السياحة من احد أهم مصادر الدخل القومي بما يوفره من عائدات مالية مباشرة تضاف الى الموازنات العامة للعديد من الدول حول العالم, او من خلال دعمه لبقية الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الأخرى, والمتتبع لحركة هذا القطاع الحيوي يلاحظ كما أكدت ذلك العديد مـن المصادر المتخصصة في مراقبة تطور حركة هذا القطاع الى ارتفاع إجمالي قيمة عائدات السفر والسياحة العالمي بحسب بيانات منظمة السياحة العالمية, وقد شجع هذا التطور والنجاح الهائل الذي حققه قطاع السياحة, خصوصا في ما يتعلق بالمردود المادي والعائدات المالية السياحية في ظل تزايد الأزمات الاقتصادية العديد من الدول الى العمل على تحرير قطاع السياحة من الكثير من القيود والمعوقات القانونية والأمنية والثقافية, كما دفعها من ناحية أخرى الى تشجيع الاستثمارات المحلية والدولية بشكل كبير وواسع في كل ما يتعلق ببقية القطاعات المكملة والداعمة له , كقطاع النقل والفنادق والترفيه وغير ذلك.
إلا انه ورغم ذلك النجاح فقد تعرض هذا القطاع نتيجة العديد من العوامل والمتغيرات الدولية العابرة للحدود الوطنية سواء كانت تلك العوامل سياسية او اقتصادية او أمنية او طبيعية او غير ذلك, الى العديد من العقبات والتحديات والضربات والمخاطر التي حالت دون استقراره وتطوره خلال العقود الأخيرة, خصوصا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م , كان من ضمن تلك الأسباب الانفتاح والاستثمار نفسه الذي رفد موازنات تلك الدول بالعائدات المادية, حيث أدت الغفلة وتجاهل الكثير من النتائج السلبية والانعكاسات الخطيرة لذلك التمادي غير المقنن او المدروس للانفتاح الى تحول تلك الدول الى معبر للإرهاب العابر للحدود الوطنية وبيئة خصبة للتنظيمات الإرهابية وتجارة المخدرات وغسيل الأموال والكثير من المشاكل الاجتماعية والثقافية والأمنية الخطيرة.
وفي هذا السياق أشار تقرير المجلس العالمي للسياحة والذي يتخذ من لندن مقرا له، إلى تأثير مختلف الأزمات التي يشهدها العالم على قطاع السياحة، حيث حلل الخبراء عوامل مختلفة منها تفشي الأمراض الخطيرة، والكوارث البيئية، والاضطرابات السياسية، وأكد تقرير المجلس أن تأثير الاضطرابات السياسية على السياحة هو الأشد, يأتي الإرهاب والذي يعد بمختلف أشكاله وتوجهاته السبب الرئيسي الثاني بعد عامل الاضطرابات والفوضى السياسية تأثيرا على قطاع السياحة العالمي, فأينما حل الإرهاب والفوضى والاضطرابات السياسية رحلت السياحة, حيث أصبحت السياحة في السنوات الأخيرة هدف سهل للإرهاب العابر للحدود الوطنية, يتم اختيارها دائماً كأداة للابتزاز ووسيلة للضغط على الحكومات والأنظمة السياسية من جهة, وعلى المجتمع من خلال حرمانه من موارد اقتصادية ضرورية لمحاربة البطالة والفقر من جهة أخرى, وكلاهما يمثل حاضنة أساسية لتجنيد مزيد من المتطرفين.
وقد كان للتجديد في فكر التنظيمات الإرهابية الحديثة, واختيارها لبعض الاستراتيجيات التدميرية غير العسكرية او المباشرة للقضاء على الدول والأنظمة السياسية والضغط على المجتمعات والتضييق عليها ومن ضمنها ضرب قطاع السياحة, والتي بدورها تعتبر من أبرز مصادر الدخل القومي لبعض الدول واحد من تلك الوسائل والتوجهات التي عملت وتعمل عليها تلك التنظيمات المتطرفة في السنوات الأخيرة, نظرا لسهولة استهدافها, وبساطة الأدوات التي يمكن ان يتم استخدامها لذلك, والتي لا تكلف تلك التنظيمات من الجهد والمال والأفراد مثل ما هي العمليات العسكرية المباشرة.
( ويعزى استهداف صناعة السياحة والسفر من قبل قوى الإرهاب الى الأهمية الاقتصادية لهذه الصناعة والدور الريادي الذي تلعبه في قيادة مسيرة التنمية الاقتصادية الشاملة في هذه البلدان, ودورها في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي ورصيد الدولة من النقد الأجنبي, لترسيخ قواعد وأسس هذه المسيرة وديمومتها واستمرارها على نحو مخطط ومدروس ومستدام , ولمساهمتها في توفير فرص العمل الدائمة والمؤقتة, والقضاء على مشكلة الهجرة من القرى والأرياف الى المدن والمناطق الحضرية وغيرها. عليه فان استهداف السياحة من قبل القوى الإرهابية يعني استهداف عموم الاقتصاد الوطني ) حيث ونتيجة ذلك اضطرت الكثير من المنشآت السياحية إلى تخفيض نسبة العمالة فيها والاستغناء عن العمال بشكل عام, كما ترتب أيضا على ذلك خسارة الخدمات السياحية في المنشآت الصناعية والحرفية والمكاتب ذات العلاقة بقطاع السياحة والطيران، وكذلك أيضا النقل الداخلي والخدمات المصرفية وخدمات الاتصالات والخدمات الأخرى المتعلقة بالمنتج السياحي بشكل عام.
وقد تركزت الأعمال الإرهابية الموجهة لضرب قطاع السياحة العالمية خلال الفترة من العام 2001م – 2015م على جوانب ونواح مختلفة من أبرزها:
(1) خطف السياح الأجانب والمطالبة بفدية نظير إطلاق سراحهم :
حيث يعد اختطاف الأجانب من أكثر أشكال الإرهاب الموجه لضرب قطاع السياحة العالمي, وقد تركزت أشكال الأعمال الإرهابية في هذا السياق على الفنادق باهظة التكاليف، والشواطئ والفرق الموسيقية , والألعاب الاولمبية, حيث يتم الترصد للسياح واختطافهم, ومن ثم مطالبة دولهم او الدولة التي تم اختطافهم منها بفدية كبيرة.
(2) ضرب المواقع الأثرية الحيوية للتأثير على مصادر الدخل السياحي:
من ضمن التغييرات الجذرية التي طرأت على فكر التنظيمات الإرهابية والمتطرفة هو التحول الى ضرب المواقع الأثرية والحضارية والتراثية العالمية, فوفق دراسة صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة، على ان الهدف من ذلك لا يقتصر على تهديد الحاضر والمستقبل فحسب، بل هي تتجاوز ذلك إلى العمل على طمس التاريخ والثروات الأثرية وكل مقومات الهوية الحضارية التي اكتسبتها المنطقة على مرّ السنين.
(3) الإرهاب وسرقة الآثار الوطنية:
تعد عمليات استهداف الآثار من قبل التنظيمات الإرهابية المسلحة، او ما يطلق عليه بالتبادل التجاري عبر الآثار والأعمال الفنية امتداد لمخططات تلك التنظيمات ومن يقف خلفها لضرب السياحة وتدمير اقتصاد بعض الدول وذاكرة الشعوب، وقد أصبحت هذه العمليات في الآونة الأخيرة ممنهجة إلى حدّ بعيد.
(4) التأثير على المستثمرين في المجال السياحي:
يعد الإرهاب والعمليات الإرهابية وأحداث العنف المسلح من ابرز واهم الأسباب التي تزعزع ثقة المستثمرين الأجانب والمحليين بالقطاع السياحي, حيث يحجم المستثمرون في هذا القطاع عن الاستثمار نتيجة ارتفاع سقف المخاطر التي تتعرض لها رؤوس أموالهم واستثماراتهم في مختلف القطاعات السياحية كالاستثمار في بناء الفنادق والمتنزهات والمكاتب السياحية.
(5) السياحة الوهمية ومخاطرها الإرهابية :
من أبرز المخاطر التي نتجت عن علاقة الإرهاب بالسياحة , ما يطلق عليه بالسياحة الوهمية , وهي تتعلق بوجود مكاتب سياحية لها ارتباطات مباشرة او غير مباشرة بالتنظيمات الارهابية العابرة للحدود الوطنية.
(6) السياح وتمويل العمليات الإرهابية والتطرف :
من ابرز أشكال المخاطر التي تعرضت لها الدول عبر استهداف الإرهاب والتنظيمات الارهابية لقطاع السياحة, هو استغلال السياح الأجانب للقيام بالعمليات الارهابية المباشرة عبر العمليات الانتحارية, او من خلال بث الثقافات والأفكار المتطرفة, عبر وسائل وأشكال مختلفة كالتجنيد او نشر المنشورات والكتب, او استغلال الجنس والمخدرات, وسواء كان ذلك من خلال التوجيه المباشر للتنظيمات الارهابية, او عبر الاتفاق ألاستخباراتي بين تلك التنظيمات وبعض الدول لأهداف سياسية او جيوسياسية او استخباراتية تجسسية.
(7) السياحة الاستخباراتية والعسكرية :
من ابرز المخاطر التي تم تأكيدها عبر العديد من الدراسات الاستخباراتية والأمنية في هذا السياق , هو ذلك الارتباط التاريخي الوثيق بين محاولات العديد من الدول القيام بالتجسس والسعي للإطاحة بالأنظمة السياسية عبر قطاع السياحة , ومن ابرز الأشكال على ذلك , إمكانية دخول العملاء والجواسيس والإرهابيين عبر بعض الأفواج السياحية بصفتهم سياحا , خصوصا في المناسبات الدينية والرياضية او عبر ما يطلق عليه بالسياحة الثقافية والتراثية على سبيل المثال لا الحصر, كما تؤكد بعض الدراسات الميدانية دخول الإرهاب والتجسس عبر ما يطلق عليه بالمراكز الصحية والمراقص ومحلات الترفيه, حيث يتم في هذا المراكز والمحلات تجنيد الشباب عبر أدوات الجنس والمخدرات, ومن الأمثلة التاريخية على ذلك شركة ليونوبوس السياحية الإسرائيلية.
ــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: يعد هذا المقال إيجازا لدراسة متكاملة حول الموضوع ستنشر في كتاب قادم لنا بإذن الله.

إلى الأعلى