السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : ذكرى النكسة وتلاشي القضية من ذاكرة العرب

رأي الوطن : ذكرى النكسة وتلاشي القضية من ذاكرة العرب

وسط أكوام الهم، وركام الوجع العربييْنِ واتساع رقعتهما لتشمل جميع حدود الدول العربية، تحل الذكرى التاسعة والأربعون للنكسة والمعروفة إسرائيليًّا بحرب الأيام الستة التي انطلقت شرارتها في الخامس من يونيو عام 1967 حين شنت إسرائيل عدوانها على مصر وسوريا والأردن، وتمكنت من تدمير القدرات العسكرية للدول الثلاث واحتلال كل من فلسطين وسيناء والجولان.
وتحل هذه الذكرى في وقت أُتخمت فيه الذاكرة العربية بكم هائل من الأحزان والأوجاع والآلام إلى جانب العمليات المتكررة من تزييف الوعي وغسل المخ لإفقادها حيويتها واتقادها وافقادها حضور القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي خفتت أو تلاشت من الذاكرة العربية الجمعية بعد النجاح الغربي ودور النخوة العربية في تدجينها، وتبديل الأولويات والواجبات من استعادة الحقوق والانتصار للقضايا العربية إلى التفريط بها والتنازل عنها، وامتشاق سيوف الطائفية والمذهبية ورماح “الديمقراطية والحرية الغربية” ليكتب بها ذوو هذه الذاكرة النهاية كما يشتهيها عدوهم ووفق ما خطه في أسانيد سياساته ودساتيرها.
وفي خلفيات ذكرى نكسة العرب عام 1967 وانتصارهم عام 1973 يبرز الكثير من المعطيات التي تؤكد مفارقات المشهد العربي وتبدله من تكامل ووحدة إلى خيانة وتفرقة، ومن أمانة المسؤولية إلى خيانتها، ومن حرارة الدم العربي وقيمته إلى استباحته ورخصه. فعلى الرغم من الهزيمة وحالة الانتشاء التي أصيب بها العدو الإسرائيلي مبهورًا من قدرته على احتلال أجزاء واسعة من الاراضي العربية إضافة الى كل فلسطين، إلا أن الإرادة العربية والشعور بالمسؤولية ونقاء الدم العربي ـ رغم الهزيمة ـ لم تنكسر ولم تلن ولم تتراجع قيد أنملة أمام إرادة المنتصر الإسرائيلي، فكان لهذه الإرادة وهذا الصمود والنقاء من الخيانة والعمالة دور ـ على الأقل ـ في صدور القرار رقم (242) من مجلس الأمن الدولي في نوفمبر عام 1967 أي بعد حوالي ستة أشهر من الثبات العربي على المواقف ورفض التبعية والخنوع والانكسار، بالإضافة إلى الدور الكبير الذي لعبه الاتحاد السوفييتي السابق في الدعم غير المحدود لإعادة تسليح الجيشين المصري والسوري وبسرعة قياسية ،أي هزيمة عسكرية قابلها انتصار سياسي، على العكس تمامًا من انتصار عام 1973 الذي فرض معادلة غريبة بتوقيع معاهدة كامب ديفيد التي تمثل أبرز وأقوى هزيمة سياسية رغم الانتصار العسكري، والتي كانت بمثابة إعلان انتصار الاحتلال الإسرائيلي على العرب والبدء برحلة قتل الذاكرة والنخوة واستباحة الحقوق والأرض والدم والعرض، ولتبدأ من نكسة كامب ديفيد نكسات العرب والفلسطينيين معًا على النحو المشاهد. في حين أن قواعد الانتصار هي أن يفرض المنتصر شروطه على المهزوم، وهذا ما لم يحدث للأسف الشديد، أي انتصار عسكري قابله هزائم سياسية.
وبموجب هذا الواقع الذي فرضته معاهدة كامب ديفيد وما استتبعها من معاهدات ونكسات ـ ورغم الاختراق التاريخي البطولي الذي أحدثته المقاومة الوطنية اللبنانية واجبار العدو الصهيوني على الانسحاب من الجنوب اللبناني ثم بعد ذلك الهزيمة الماحقة التي ألحقتها هذه المقاومة بهذا العدو في عام 2006م ـ الا أن هذا الكيان تمكن من فرض شروطه وإرادته ورفع سقوف مطالبه التوسعية الاحتلالية، فضلًا عن الشروط المجحفة التي تحاول حكومة كيان الاحتلال الإسرائيلي بقيادة المتطرف بنيامين نتنياهو فرضها على السلطة الفلسطينية، حيث الاعتقاد السائد والقناعة التامة لدى كيان الاحتلال الإسرائيلي بأن الأوضاع العربية والإقليمية باتت تصب في صالح الكيان المحتل وتبديد مخاوفه. ودون شك، سيظل مطمئنًّا ما دامت الذاكرة العربية الجمعية قد ذبلت وترهلت وأتخمت، وما دامت سيوف الطائفية والمذهبية والتكفير موجهة إلى نحور أبناء الأمة.

إلى الأعلى