السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : الصيام مقياس لسلوك العباد

بداية سطر : الصيام مقياس لسلوك العباد

**
بالأمس القريب استقبلت البشرية شهر الصوم الذي انتهى بعيد فطر سعيد ، وها هو التاريخ اليوم يعيد نفسه باستقبال شهر رمضان آخر جديد في لحظة دامت عاما ، فهنيئا لمن حالفه الحظ ووفقه لأن يصوم الشهر الفضيل عندئذ وجب على العبد شكر الله تعالى على دوام نعمه فهل جزاء الاحسان إلا الإحسان ..؟ وكأنّ لسان حالنا يقول : ” من رمضان الأمس إلى رمضان اليوم لم تفصلنا سوى سويعات تلك السويعات هي امتحان لنا في هذه الدنيا الفانية التي نتكالب عليها دون أن نحاسب أنفسنا”. فهل أدركنا بأن رمضان هو التحدي الأكبر لإرادة البشرية ورغباتها حين يتمثل ذلك في الصيام عن المفطرات وتنقية النفس وتهذيبها وتأديبها وتعويدها على التمسك والتعلق بالمبادئ والقيم والأخلاق الحميدة كما أننا نتساءل : هل وصلنا بدرجات صيامنا وبركاته وسلوكياته إلى أعماق الشعور ومكنونه بمفهوم الصيام الفعلي وتذوقه المرهف المنقطع النظير ؟
إننا نطرق أمرا استسهله كثير منا ، فكاد بعضنا يعتقد بأن الصيام هو إمساك عن الطعام والشراب فحسب ، فأحلوا لأنفسهم كثيرا من السلوكيات الخاطئة حين يجزرون أوقات الصوم بمشاهدة القنوات الفضائية التي تتأهب لإشغال الصائم وإلهائه عن العبادات والطاعات فغير كثير منا مفهوم الصوم بحجة التعب والإرهاق، ليتعللوا بمشاهدة الأفلام عبر القنوات الفضائية الماجنة خصوصا مع وجود الزحام والتدافع على عرض القنوات بمختلف مسمياتها، خصوصا بما تنفقه من مال لصناعة جمهور عريض يقبل على مشاهدتها ومتابعتها في كل الظروف فلا يميز بين خبيث وحميد، فتعمل على تأثير الأغلبية الساحقة التي تطغى على الأقلية القليلة في المشاهدات وما أدل من ذلك على ان أكثر القنوات متابعة إبان الإفطار معروفة ومشهورة حين طغت بتأثيرها على كثير منا فازدادت حيلها بإكثار برامجها ومسلسلاتها فاختلط الحابل بالنابل لدرجة انها باتت تسخر من مشاهديها بإطلاق مسابقات تكسب من ورائها مبالغ مالية طائلة من جيوب المشاهدين، فيدونون تقاريرهم السنويةلمسؤوليهم مختومة بالنجاح الباهربقدرتهم الخارقة على فشل الصائمين لصومهم ويهنئون أنفسهم باكتساح القيم والمبادئ وإلهاء الصائم بتفاهات الأمور أثناء صومه وبعده..!!
فما دواعي استنفار بعض الشركات من خلال شنّ حملات الدعاية لأفلامها وبرامجها خلال الشهر الكريم للمشاهد الصائم ؟ هل ذلك بدواعي الربح حين يصبح ذلك غزوا حقيقيا لرمضان..؟ فهل تسعى تلك البرامج الى تقوية إرادة الصائم، وإزالة أسباب همومه وعلوها بالصائم الى أعلى المنازل..؟ إن كان ذلك حقا فلا ضير لمتابعتها..!! إلا أن الواقع مختلف تماما فما تزيده غير تقاعسا عن أداء صلواته وتهاونا عن العبادات خصوصا في النصف الثاني من الشهر الفضيل..!! فهل نلقي اللوم إلى هؤلاء العباقرة صناع المشاهد الذين يفكرون في سرقة أغلى أيام العمر من حياتنا وأثمن ليالي السنة وارتباطها بقلوبنا كليلة القدر وغيرها من أيام الشهر الفضيل وتعويضنا بما هو أرخص وأبخس لقلوبنا ونحن نشعر بتلك السعادة المؤقتة..؟ أم نلقي اللوم على أنفسنا بأننا من تسبب وسولت له نفسه في جلب القلق لحالنا والمساهمة في إنجاح تلك الصناعات الإعلامية الخبيثة التي أشغلتنا فعليا عن أفضل الأيام عبادة لله سبحانه وتعالى..؟
على كل، نحن بحاجة إلى وقفة تأمل وحالة من السمو الروحي نتأمل من خلالها حكمة الله تعالى من صيام فريضة الشهر الكريم فالله جعل الصيام مضمارا لعباده حتى يسبق بعضهم البعض ويتميز بعضهم دون الاخر في عبادة الله تعالى وتقديسه وتنزيهه فلنوقف جماح الشهوات ومقاومة شياطين الانس الذين يخططون لهدر اوقاتنا الرمضانية غثاء وأن نكون معول هدم لأفكارهم وسمومهم الإعلامية، كما أرجو ان لا نصبح يوما أداة لهم تمكنهم من النجاح والتفوق علينا على حساب طاعاتنا وعباداتنا وكل عام والجميع بخير.

د. خلفان بن محمد المبسلي
dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى