الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : أين التقوى من الصيام؟!

رحاب : أين التقوى من الصيام؟!

من منكم يتذكر أول يوم صيام في حياته؟ من منكم صام يوما كاملا منذ البداية؟ لا زلت أذكر أنني صمت اقتداء بوالدي، قبل أن أبلغ السابعة من عمري كنا في الجبل، وكان طعامنا الرئيسي لا يتعدى حليب النوق. حاول أبي رحمه الله أن يثنيني عن الصيام لأن الصيام في تلك الأيام كان شاقا جدا، فالناس يعملون في الرعي والزراعة وينتقلون من مكان إلى آخر ويتكبدون مشاقا كثيرة، لكنني أصررت على الصيام بالرغم من أنني لم أذق أي سحور، عاندت أبي وانتصرت على شفقته ومحاولاته إقناعي بأن أؤجل الصيام حتى أكبر وأصير مكلفا، انتصرت على توسلات أبي رحمه الله وصمت، لكنني بعد ساعات قليلة وتحديدا قبل وقت القيلولة بقليل، وجدتني أتلوى من الجوع وأتلظى من العطش، فلم أتردد أن فطرت، فشربت الحليب ولم أجد ماء أطفئ به عطشي، لن أنسى ذلك اليوم ما حييت، كنا في منطقة جبلية تقع شمال غرب ألسان في محافظة ظفار ولاية صلالة وكان ذلك قبل عام 1970.
مرت الأيام ولم أحاول الصيام ثانية إلا عندما صرت أدرس في الصف الثاني الابتدائي، كان ذلك عام 1973 م، كان وقت الصيام شتاء، فكنت أذهب إلى المدرسة وأنا صائم، ولم أفطره، بل أكملت صيامه كاملا، ارتبط الصيام في عقلي بالرجولة، لأن ثقافة مجتمعنا في محافظة ظفار تعتبر شعيرة الصوم علامة من علامات الرجولة، وبالتالي يمكن للمرء أن يلاحظ أشخاصا لا يحافظون على الصلاة في وقتها، لكنهم لا يمكن أن يتهاونوا بالصوم. فمن لم يصم فليس برجل، بل ليس بشخص راشد، ولا يمكن أن يحظى بالقبول في المجتمع. شهدت منذ تلك السنة التي صمت فيها صيام شهر رمضان في مواسم كثيرة شتاء وصيفا وخريفا وربيعا. وأجمل رمضان صمته عندما كنت أدرس في جامعة الملك سعود بالرياض، كنا ننتهز الفرصة ونذهب إلى مكة؛ لتأدية مناسك العمرة في رمضان، وكم كانت تلك الأيام جميلة وحافلة بالنفحات بين 1984 وحتى نهاية 1987. كانت أياما لا تنسى أبدا، كانت مساجد الرياض تحفل بالقراء وكذلك كان الحرم في أوج ازدهاره، ولكنني تألمت كثيرا ذات مساء وكنا نتدافع نحو مسجد السكن الجامعي بالمدينة الجامعية بالدرعية، وفوجئت بمشهد آلمني كثيرا وما زلت أشعر بالألم والأسى عندما أتذكره، فبعد انتهائنا من صلاة المغرب، قام رجل أفغاني وبمعيته ابنته الصغيرة وقام يستنخي فينا الأخوة في الإسلام ورحمة الصائمين وكرم العرب، وبدأ يشكو ظروفه الصعبة، ولكن في أقل من دقيقة تحول المشهد إلى موقف حزين، فقد أمسك به مجموعة من رجال الشرطة على مرأى ومسمع من ابنته الصغيرة وبينما كانت ابنته تبكي وتصرخ، و لم تجد توسلاتنا إلى الشرطة بأن يخلوا سبيله! ومنذ تلك اللحظة وأنا أتساءل في نفسي ما قيمة الشعائر الدينية إذا لم توقظ فينا التراحم والشفقة والعطف على المساكين؟!. عدت في ذلك المساء إلى زملائي في السكن حزينا متألما جراء ذلك الموقف الحزين. إن الصيام يجب أن يزيد التقوى وينشط مشاعر الرحمة ويحفز الإيثار والإحساس بجوع ومعاناة الفقراء في العالم، وأنا أكتب هذه السطور أتخيل ما يعانيه إخواننا في العالم الإسلامي وخاصة أبناء تلك المناطق التي ينتشر فيها العنف والإرهاب والقتل والدمار، وكأنني أتساءل: أين التقوى من الصيام؟

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى