الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

وليد الزبيدي

خلال 20 يوما .. قتيل أميركي في كل يوم
الحلقة الثامنة
ـــــــــــــــ
كما قلنا، إن وجود الجبال والأودية والهضاب والغابات والأحراش، تساعد كثيرا في تنفيذ هجمات المقاومين، وفي الانسحاب الفوري والتواري عن أنظار العدو، وهذا الحال لم يتوفر للمقاومين العراقين على الإطلاق، لأن القوات الأميركية تمركزت في قواعد ومعسكرات تحيط بها أراض منبسطة، وجميع الطرق التي تربط بين القواعد والمعسكرات في أرض متشابهة، ولاتوجد تلال وجبال وكهوف في جميع المناطق التي توزعت فيها القواعد والمعسكرات الأميركية، ولإعطاء تصور عن طبيعة وأنواع التضاريس المحيطة بالقواعد الأميركية، نقدم تعريفا ببعض القواعد الأميركية في العراق، وطبيعة الأرض المنبسطة التي تحيط بهذه القواعد، ويشمل ذلك جميع القواعد والمعسكرات الأميركية والبريطانية في البصرة والعمارة والكوت ومناطق العراق الاخرى.
1- قاعدة البكر الجوية (شمال بغداد)
تعتبر هذه القاعدة الأكثر شهرة بين “القواعد العاملة” في العراق، تم تغيير اسم القاعدة إلى (انا كوندا)، وتقع قرب مدينة الدجيل في ناحية يثرب التابعة لمحافظة صلاح الدين، وعلى مسافة 75 كم شمال بغداد، وتتميز بأنها الأشد ازدحاما بالحركة الجوية في المنطقة، وتضم المقاتلات الجوية وطائرات النقل العملاقة، وهي القاعدة الرئيسية لتقديم الإمداد والخدمات اللوجستية للقوات الأميركية العاملة في العراق. ومن الواضح أن اختيار اسم (انا كوندا) وهو أحد أنواع الثعابين الطويلة التي تلتف على عنق عدوها وتخنقه حتى الموت، دلالة على تصديها لأعداء أميركا في العراق والمقصود بالأعداء هنا (المقاومون العراقيون)، كما أن قاعدة البكر تتميز بوجود عدة مدارج لإقلاع وهبوط الطائرات،وهي من أطول المدارج في القواعد الأميركية في العراق، لذلك فإنها القاعدة الرئيسية لنقل المعدات الخاصة بالجيش الأميركي، إضافة إلى نقل الجرحى الذين تكون إصاباتهم خطيرة، بعد تلقيهم العلاج في المستشفى العسكري الكبير الموجود داخل القاعدة، وتغطي مساحة واسعة من الأراضي ،ّولا تبعد كثيرا عن المناطق الشمالية (في حدود 250 كيلومترا عن حدود كردستان) ونفس المسافة تقريبا عن الحدود الإيرانية،إذ تقع قاعدة البكر قرب حدود منطقة ديالى التي ترتبط بحدود مع إيران، ولا تبعد كثيرا عن بغداد، كذلك عن الأنبار وتكريت. ولأن مساحة القاعدة شاسعة، فإن مساحات كبيرة فارغة تحيط بها، وأن المناطق القريبة منها زراعية وتنتشر فيها أشجار الحمضيات والكروم، رغم ذلك فإن أي نوع من الجبال أو التلال لاوجود لها بالقرب منها، سواء في المناطق المحيطة بقاعدة (اناكوندا) أو المحاذية للطرقات، التي تسلكها أرتال القوات الأميركية في تحركاتها، بإتجاه العاصمة بغداد عبر طريق (بغداد-الموصل) أو في تنقلها صوب ديالى (شرقا) أو معسكرها قرب مدينة بلد إلى الغرب من قاعدة (اناكوندا).
2- قاعدة التاجي (30كم شمال بغداد) أحد أهم معسكرات الجيش العراقي السابق، وتمتد على رقعة شاسعة، تتوسط أرضا زراعية منبسطة، لاتوجد بالقرب منها أي تلال وهضاب وغابات، وترتبط بالعاصمة بطريق رئيسي حديث هو ذات الطريق الواصل بين (بغداد ـ سامراء ـ تكريت ـ الموصل)، وتتحرك الأرتال الأميركية من هذه القاعدة في مناطق شمال العاصمة، وأهمها قاعدة البكر وتكريت والموصل، وتحيط بهذه القاعدة مناطق (المشاهدة، والطارمية). والجهة المقابلة لقاعدة (التاجي) عبارة عن أرض منبسطة مفتوحة تصل إلى منطقة (الدجيل) غربا وترتبط بمناطق (الكرمة) التابعة لمدينة الفلوجة جنوب غرب، وبإمكان المرء أن يرى بالعين المجردة أي شخص يتحرك على مسافة عدة كيلومترات، وهذا يعطي تصورا عن الصعوبة البالغة، التي يواجهها المقاومون في التخطيط لشن الهجمات، وكيفية تأمين الإنسحاب من موقع الهجوم، مع وجود طائرات الهليكوبتر وأجهزة الرصد والمتابعة الجوية التي تمتلكها القوات الأميركية.
3ـ قاعدة (الفلوجة) وتقع شرق المدينة وعلى بعد 55كم من العاصمة، وكانت في السابق منتجعا رئاسيا، ثم تحول الى منطقة سياحية، يزورها العراقيون أثناء العطل الرسمية والمناسبات، وتحتوي مجموعة مبان واستراحات كبيرة واسعة إضافة إلى بحيرة، ولاتبعد عن الشارع الرئيسي الذي يربط (بغداد- الفلوجة- الرمادي- وصولا إلى الحدود العراقية السورية والأردنية) سوى 2كم، وتحيط بالقاعدة صحارى وأراض منبسطة،ويظهر الجسم الصغير المتحرك من مسافة بعيدة، ويمكن مشاهدته بالعين المجردة على عدة كيلومترات، وتستخدم القوات الأميركية الطرق التقليدية في التحرك بإتجاه بغداد (شرقا) والرمادي والحبانية والخالدية وغيرها (غربا)، كما يوجد طريق زراعي يربط بين قاعدة (الفلوجة) و(قاعدة التاجي) يسمى طريق (ذراع دجلة) ويقع ضمن أرض مفتوحة ومنبسطة ايضا،ما يعني أن ثمة صعوبات بالغة في التخطيط لشن هجمات على هذه القاعدة العسكرية الأميركية،وتأمين الإنسحاب للمقاومين.
4ـ قاعدة الصقر الجوية: وتقع جنوب بغداد على مسافة 15 كيلومتر تقريبا،وهي من القواعد الكبيرة وتستخدم لتخزين الذخيرة وأسلحة الجيش الأميركي،تعرضت إلى هجوم عنيف عام 2007، تسبب بحرق وتدمير مخازن الأسلحة الرئيسية، وسمع دوي الإنفجارات الهائلة في جميع أحياء بغداد، وتواصلت الإنفجارات داخل القاعدة لعدة ساعات وتقدر خسائر القوات الأميركية جراء ذلك الهجوم بعدة مليارات من الدولارات، ولا توجد بالقرب من هذه القاعدة جبال وهضاب وأحراش، إلا أن هناك عنصرا بسيطا واحدا لصالح المقاومين العراقيين،وهو وجود مجموعة من بساتين النخيل في منطقة الدورة جنوب بغداد،يمكن للمقاومين العراقيين استخدامها أحيانا في إطلاق الصواريخ، إلا أنها ليست بالتضاريس التي تضمن الأمن الكامل للمهاجمين، بما في ذلك الاختباء وتأمين الحماية من الصواريخ وهجمات الطائرات.
4ـ قاعدة الناصرية: واسمها سابقا (قاعدة الامام علي) تقع على مسافة 350 كم جنوب بغداد وتقع على ضفاف نهر الفرات، وهي من القواعد العسكرية الكبيرة، وتستخدم لسلاح الطيران، وتعرضت للقصف والتدمير الواسع إبان حرب الخليج 1991، وتحيط بها مناطق مفتوحة وليس هناك أي تضاريس وهضاب أو جبال تكفل تأمين إنسحاب المقاومين في حال شنّوا هجمات على القوات الموجودة داخل هذه القاعدة.
5ـ قاعدة مطار بغداد، من القواعد الكبيرة، تقع قرب المطار، وتحيط بها المزارع في منطقة الرضوانية،وهي أرض منبسطة ولا توجد أية غابات أو جبال.
6ـ القاعدة الأميركية في الموصل، ولا تختلف من حيث الأرض المحيطة بها عن القواعد الاخرى، إذ لا توجد عوامل مساعدة في شن هجمات ناجحة من قبل المقاومين العراقيين.
7ـ المنطقة الخضراء: تقع وسط بغداد قبل الغزو كانت تضم القصر الجمهوري ،وتحتوي موقع السفارة الأميركية والبريطانية، ومحاطة بالمناطق السكنية، وتقع وسط أراض منبسطة.
8ـ قاعدة عين الأسد: من القواعد العسكرية الكبيرة، تقع إلى الغرب من بغداد بمسافة 200 كم في منطقة البغدادي ضمن محافظة الأنبار، وكانت سابقا قاعدة القادسية الجوية، وهي القاعدة التي هبط بها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أثناء زياريه الأخيرة للعراق، وتقع وسط أراض صحراوية منبسطة ومفتوحة، ولا توجد بالقرب منها هضاب وجبال وكهوف.
يمكن القول، أن جميع المناطق المحيطة بالقواعد والمعسكرات الأميركية متشابهة ، سواء تلك الموجودة في الموصل وديالى وكركوك والأنبار وبغداد، ومثل ذلك القواعد العسكرية البريطانية في البصرة والعمارة والناصرية والقواعد والمعسكرات الاخرى في كربلاء والنجف والكوت والسماوة.
لاشك أن فقدان المقاومة العراقية لواحد من أهم الإشتراطات المتعارف عليها في تنفيذ استراتيجية حرب العصابات ضد العدو، يُعد من العوامل غير المساعدة للمقاومة إن لم نقل المعادية لنشاط المقاومين العراقيين، لكن استمرار المقاومة في تنفيذ الهجمات ضد الأميركيين وبالزخم الكبير المعروف، يؤكد قوة المقاومة العراقية، فبالرغم من خسارتها لهذه العوامل، التي قدمت دعما كبيرا لرجال المقاومة في فيتنام والجزائر وغيرها، فإن المقاومة العراقية قد افتقدت له، ومن المعروف أن أي تخطيط لهجمات ميدانية، لابد من دراسة أمر الإنسحاب والتواري عن أنظار العدو، ووضع ذلك في المقدمة، للمحافظة على حياة المقاومين وإدامة زخم الهجمات اللاحقة.
المقاومة العراقية في الميدان
يعرف غالبية الأميركيين والكثيرون في العالم أسماء أول جنديين أميركيين قُتلا في العراق، في أول يوم من أيام الإحتلال الأميركي للعراق، وهو يوم (الخميس) المصادف العاشر من ابريل العام 2003، في حين لايعرف العراقيون وغيرهم حتى الان، وبعد مضي أحد عشر عاما على هذا التاريخ أسماء الأشخاص (المقاومين) الذين صوبوا نيران أسلحتهم وقتلا كلا من (تيري هيمنجواي والبالغ من العمر 39 عاما وهو من قوات الجيش الأميركي المارينز، وهو القتيل الأول الذي اصطادته المقاومة العراقية في اليوم الأول للاحتلال، والقتيل الثاني هو جيفري بوه من قوات المارينز أيضا وعمره 39 عاما، وهنا يجب ان نفرق بين التسمية التي تطلق على منفذي الهجمات ضد القوات الأميركية، الذين قتلوا الجنديين الأميركيين، والتسمية التي نطلقها على الذين تصدوا لقوات الغزو الأميركي وقتلوا وجرحوا من هذه القوات الكثيرين منذ بداية الغزو حتى يوم الاحتلال، ويمكن توضيح ذلك بالآتي، أي أن يوم الاحتلال يبدأ (بعد الساعة الثانية عشرة من ليل العاشر من نيسان 2003) بعد أن اختفت جميع مظاهر السيادة العراقية مع انقضاء يوم التاسع من ابريل ،وقلنا إنها تتمثل باختفاء أي أثر للقوات المسلحة ومن الجيش والحرس الجمهوري، والأجهزة الأمنية والحزبية، وتوقف في ذلك اليوم آخر نشاط إذاعي رسمي تابع للحكومة العراقية، وتوقف صدور الصحف الرسمية، إذ صدر آخر عدد من جريدة الثورة الناطقة باسم حزب البعث وجريدة القادسية الناطقة بإسم القوات المسلحة في يوم (9-4-2003)، كما توارى عن الأنظار أحد شواهد السيادة العراقية وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف، الذي شوهد آخر مرة صباح الأربعاء التاسع من نيسان في فندق المريديان، ويجب أن يؤرخ – من وجهة نظرنا- لليوم التالي (10 ابريل) باليوم الأول للاحتلال الأميركي للعراق،بناء على ذلك، فإن أي فعل عراقي مضاد للقوات المحتلة وقع بعد الساعة الثانية عشرة من ليل التاسع من ابريل على يوم العاشر منه، هو فعل مقاوم، وأن منفذي الهجمات هم مقاومون، وهذا الاصطلاح يختلف من حيث التسمية والمعنى، عن التسمية التي تطلق على العراقيين الذين قتلوا أو جرحوا جنودا من القوات الأميركية والبريطانية، منذ صبيحة التاسع عشر من مارس 2003 وحتى نهاية يوم التاسع من ابريل من العام نفسه، فقد قتل العراقيون اولئلك الغزاة وهم يدافعون عن بلدهم، وهم منتظمون ضمن مؤسسات أما عسكرية أو أمنية وتنظيمات أخرى تابعة للدولة العراقية، ما يحتم عليهم واجبهم الرسمي والوطني والوظيفي التصدي للغزاة المعتدين، ويطلق عليهم مدافعون عن بلدهم ضد الغزاة، (وهو المصطلح الذي يُطلق على الذين قتلوا أول جنديين أميركيين في بداية الغزو الأميركي – البريطاني للعراق، وهما (تيري شيلدرز، 30 عاما من قوات المارينز، وجوس غوتيريز وعمره 22 عاما، وكلاهما من قوات المارينز، وقتلا بتاريخ 21/3/2003)، اي بعد 48 ساعة من بدء الغزو الأميركي البريطاني في 19/3/ 2003، (المصدر البيانات الأميركية التي اعترفت بمقتل هذين الجنديين) وذات الوصف يطلق على الذين قتلوا جنودا وأفرادا وضباطا من قوات الغزو، طيلة أيام الغزو التي استمرت لثلاثة أسابيع، وكان آخر هؤلاء ستة قتلى أعلنت عنهم القوات الأميركية، وقالت انهم قُتلوا في بغداد يوم الإثنين المصادف 8/4/2003، ومن بينهم (هنري براون)، 22 عاما من الجيش الأميركي، وجون مارشال 50 عاما وأربعة آخرين.
أما يوم التاسع من ابريل 2003، فلم يعترف الجيش الأميركي بوقوع قتلى بين قواته، وهو اليوم الذي يؤرخ بأنه آخر يوم للسلطة الرسمية وسيادة العراق قبل بدء الإحتلال الأميركي للعراق، وفيه دخلت القوات الأميركية قلب بغداد وأسقطت التمثال في ساحة الفردوس، وأوردنا أسماء الجنود الأميركيين وتواريخ قتلهم على الاراضي العراقية، بهدف التمييز بين الإصطلاح العلمي والمنطقي، الذي يُطلق على العراقيين الذين قتلوا الجنود الأميركيين والبريطانييين منذ بداية الغزو، حيث اعترف الأميركيون بسقوط أول قتلاهم في (21/3/2003)، وصولا الى آخر قائمة الذين اعترف بهم البنتاجون وقتلوا يوم (8/4/2003)، حيث قتل هؤلاء من قبل العراقيين تحت عنوان (الدفاع عن العراق) والتصدي للغزاة، في حين يجب تسمية الذين قتلوا الجنود الأميركيين والبريطانيين وسواهم من قوات الإحتلال، ابتداء من القتيل الأميركي الأول (تيري هيمنغواي بتاريخ 10/4/2003) بأن هؤلاء (مقاومون) رجال المقاومة العراقية، ولا نريد أن ندخل بشرح واسع ومطول حول هذه النقطة، ونكتفي بالقول، أن الواجب يحتم على كل عراقي أن يدافع عن بلده، إذا تعرض إلى اعتداء أو غزو، سواء كان ضمن منظومة المؤسسات الرسمية أو الشعبية، وهو بذلك يدافع عن بلده، وأن ذات الواجب يفرض على المرء مقاومة المحتل، ولأن يوم التاسع من ابريل 2003، هو آخر يوم لعلامات السيادة، كما شرحنا ذلك بالتفصيل في الفصل الاول من الكتاب، وأن اليوم اللاحق هو أول أيام الإحتلال (10-4-2003) فأن أي رد فعل يصدر ضد قوات الإحتلال يسمى (مقاومة)، ومن هذا الفهم، فإن أي فعل حصل بعد يوم (9/4/2003)، هو مقاومة الإحتلال، وهو ما نعمل على توثيقه، وتحليل مضامين هذه الاعمال بالقدر الذي نستطيع في هذه المساحة، وبسبب غياب التوثيق والأرشفة، وعدم وجود بيانات كاملة ودقيقة، تتضمن الإعلان عن جميع عمليات المقاومة العراقية ضد قوات الإحتلال الأميركية والبريطانية، في انطلاقة المقاومة الأولى، وإن وجدت فإنها نادرة وقليلة جدا ومبعثرة هنا وهناك. أما في إنطلاقتها الأولى أي الأسابيع الأولى فلن نعثر على بيان بهذا الخصوص، في حين اعترف البنتاجون بهجمات شنتها المقاومة العراقية ضد قواتهم، واعترفت القيادة الأميركية الوسطى بسقوط 22 قتيلا بين قواتها، خلال الفترة الممتدة من العاشر من أبريل (أي اليوم الأول للاحتلال) حتى الأول من مايو (وهو اليوم الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الانتصار في العراق في خطابه الشهير في ذلك اليوم) ويكون المقاومون في العراق قد قتلوا أميركيا في كل يوم خلال عشرين يوما (من 10-4 الى 30-4-3003) وقد يستغرب الكثيرون، أننا وخلال البحث والتدقيق في ظروف نشأة وإنطلاق المقاومة العراقية، وجدنا أن البيانات الأميركية قد وثقت لبداية الفعل المقاوم في العراق لكن ضمن بياناتها العسكرية،فقد اعترفت القوات الأميركية بأنها تعرضت إلى هجمات عنيفة، استهدفت أرتالها ومعسكراتها، كذلك معسكرات وأرتال القوات البريطانية في البصرة ، في حين لم تكن هناك بيانات أو منشورات، تتحدث عن تلك الهجمات، وهو ما يشير إلى أن الفعل المقاوم بدأ عسكريا صرفا، دون أن تكون هناك واجهات سياسية تضع خططا استراتيجية كبرى للمقاومين في الميدان، عكس ما نلاحظه في الثورة الجزائرية على سبيل المثال، فقد تزامنت أول خمس هجمات عنيفة شهدتها خمس مناطق في الجزائر في الاول من نوفمبر العام 1954، مع توزيع البيان الأول للمقاومة الجزائرية، الذي تم توزيعه في غالبية المدن الجزائرية في نفس يوم الهجمات، وأعلن عن إنطلاق المقاومة الجزائرية، كذلك حصل ذات الأمر عندما أعلن الجنرال ديجول بداية انطلاق المقاومة الفرنسية في نفس يوم احتلال المانيا لفرنسا،الذي تمثل بالإتفاق الذي جرى في 19-6-1940، بين قوات الاحتلال الألمانية وحكومة فيشي بقيادة الجنرال بيتان، عندها أصدر ديجول بيانه الشهير من إذاعة لندن معلنا بدء المقاومة باسم (فرنسا الحرة) ومن ثم تتابعت البيانات والتصريحات الأخرى، لكن في المسألة الفرنسية صدرت بيانات دون أن تحصل عمليات مقاومة في بداية الأمر كما أوضحنا سابقا،وفي واقع الحال لا يمكن أن يُحسب هذا الأمر وعدم صدور بيانات توثق للهجمات الأولى على المقاومة العراقية، بل على العكس من ذلك، فإنه يحسب لها،إذ تقدمت البندقية على كل شيء، لذلك فإن الجميع يعترف بأن أسرع مقاومة في الرد والانطلاق هي المقاومة العراقية، أما عدم توزيع ونشر البيانات، فإن هذا الأمر يرتبط بظروف نشأة وانطلاق المقاومة المسلحة في العراق، ومن ثم تطور أدوات المقاومة العراقية بعد ذلك، حيث جاء الإهتمام بأداة الإعلام والنشر والتوثيق في مرحلة لاحقة، وازداد التركيز على مواصلة الطرق على المحتلين والتطوير القتالي والتدريب ووضع الخطط العسكرية وتنفيذ المزيد من الهجمات،وقد يستغرب الكثيرون إذا عرفوا أن فصائل مسلحة من المقاومة العراقية واصلت قتالها لعدة سنوات ولم يكن من بين مقاتليها متحدث رسمي، أو ناطق إعلامي،في حين يوجد بين وحداتها القتالية آلاف المقاتلين، ومن الواضح، أن رجال المقاومة في العراق قد أعطوا الأولوية لميدان مقاتلة قوات الإحتلال الأميركي- البريطاني، وتمكنوا من الشروع ببرنامج التصدي للمحتلين وقتلهم منذ اليوم الأول للاحتلال في العاشر من ابريل 2003) وهو اليوم الذي شرع فيه المقاومون العراقيون في مهمة تحرير بلدهم من الإحتلال الأميركي، وقتلوا قبل غروب شمس يوم الخميس أول أيام الاحتلال كلا من (تيري هيمنغواي وجيفري ادوارد) وبذلك اصبح يوم (الخميس) (10/4/2003) هو يوم إنطلاق المقاومة العراقية، وبدون شك، فإن أحدا في تلك الأيام، وربما الأسابيع التي تلت ذلك اليوم، لم يكن يتوقع أن تكون حوادث قتل هذين الجنديين الأميركيين، هو تاريخ بدء المقاومة العراقية، إلا أن الكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك، الذي كان متواجدا في بغداد أيام الغزو، وبعد ثلاثة أيام من إسقاط التمثال في ساحة الفردوس، وأثناء تجواله في مدينة بغداد، وكانت رائحة القصف الأميركي العنيف للمدينة وأحيائها ومنشآتها مازالت تختلط بالدخان المتصاعد من الوزارات ودوائر الدولة المحترقة، قال كلمة في أحد مقالاته التي نشرها يوم (13/4/2003) وقد ذهبت رؤيته ذلك اليوم وفي تلك اللحظات باتجاه يقول فيه (انتهت الحرب الأميركية لتحرير العراق، وبدأت الآن حرب العراقيين لتحرير بلدهم من القوات الأميركية، وأننا سنرى أمورا مروعة في العراق )(29). (المصدر- صحيفة الاندبندنت 13/4/2003). وفي الاسبوع الأخير من الغزو الأميركي للعراق، توقع واحد من كبار المفكرين الأميركيين عالم الألسنيات الشهير نعوم تشومسكي(30) انهيارا شاملا في المجتمع العراقي، ورسم صورة قاتمة للعراق، بقوله ( إن ما يحدث في العراق ليس حربا، فهناك عدم تكافؤ وبون شاسع بين القوتين الأميركية والعراقية، ولايمكن أن نطلق لفظة مباراة ملاكمة بين بطل العالم في الملاكمة – يقصد الولايات المتحدة بكل ما تملك من قوة عسكرية واقتصادية وإعلامية وهيمنة على العالم – وبين طفل في الحضانة – يقصد العراق البلد الصغير الذي أنهكته العقوبات الاقتصادية وعدم امتلاكه لأي سلاح، حيث دمرته لجان التفتيش التابعة للامم المتحدة ضمن برنامج العقوبات المفروض على العراق منذ عام 1990 (المصدر 1/4/2003 موقع زد نت). واعتقد تشومسكي أن طفلا في الحضانة (شعب العراق)، لن تقوم له قائمة بعد تلقيه ضربات متتالية وعنيفة من بطل الملاكمة في العالم (الولايات المتحدة) التي تمتلك جميع مقومات القوة وأدوات السيطرة على العراق، وفي واقع الحال ما اعتقده تشومسكي تصوره الغالبية العظمى في العالم، إن لم يكن تصورا شبه مطلق وقناعة راسخة عند الجميع من استراتيجيين ومفكرين ومثقفين وأناس بسطاء.وترسخت تلك القناعات أكثر عندما أنجزت القوات الأميركية مهامها القتالية ضد العراق في زمن قياسي لم يتوقعه الكثيرون، وتمكنت من احتلال بغداد خلال ثلاثة أسابيع من بداية الغزو، قطعت خلالها ما يقرب من ألف كيلومتر في طرق برية مستقيمة ومتعرجة، ولم يتوقع الكثيرون في تلك الأثناء أن شيئا من كلمات الزعيم الفيتنامي المقاوم (هوشي منه) كانت حاضرة، بصورة أو بأخرى، في عقول ومشاعر الرجال المقاومين في العراق، وهو القائل (خير لنا أن نقضي في ساحات القتال، من أن نعيش أذلاء ومستعبدين).
أن ما حصل في العراق منذ اليوم الاول للاحتلال الأميركي في (10-4-2003)، فاجأ العالم، ووجه صدمة كبيرة للإدارة الأميركية تتجاوز بحجمها (الصدمة والترويع) الأميركية التي وجهوها ضد العراق والعراقيين، ولأن توثيقا لهجمات المقاومة العراقية لم يحصل – على الأقل في انطلاقتها الاولى- كما أن الكثير من العراقيين لم يسمعوا ببطولات مقاوميهم، وأستطيع الجزم، أن نسبة قليلة جدا هم الذين يعرفون أن المقاومة العراقية بدأت في أول يوم للاحتلال، وأنهم لم يسمعوا بإسم أول قتيلين سقطوا بسلاح المقاومة، والأهم من ذلك أن الكثير من المقاومين لم يعرفوا شيئا عن الكثير من الهجمات البطولية التي نفذها مقاتلون آخرون في مناطق مختلفة في العراق، وهو ما نحاول أن نقدمه إلى المقاومين وعوائلهم أولا وإلى المحبين والمؤيدين والمدافعين عن المقاومة العراقية، وإلى العراق والعالم، والمعلومات الموثقة وما يصحبها من تحليل موجه أيضا لكل من يريد أن يعرف حجم الفعل المقاوم في العراق، وبعد ذلك أعداء العراق الذين أرادوا شرا بالعراق وأهله.
ــــــــــــ
29- الكاتب البريطاني باتريك سيل – صحيفة الاندبندنت اللندنية 13 /4/2003.
30- المفكر الأميركي الشهير نعوم تشومسكي بتاريخ 1 /4/2003 موقع زد نت.

إلى الأعلى