الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نفحات رمضان ـ 1

نفحات رمضان ـ 1

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

رمضان هو شهر النفحات، وإذا كانت نفحات الله وبركاته على العباد أكثر ما تكون في مواسم الخيرات والأزمنة الفاضلة، فإن أعظم هذه المواسم هو شهر رمضان هذا شهر رمضان قد أقبل عليك بعد طول غياب، جاء إليك بالخير والبشر والبركات، فيه تتنزل الرحمات، وتغفر الذنوب والسيئات، وتقال فيه العثرات, وتفتح فيه أبواب الجنان, وتغلق فيه أبوب النيران, وتصفد فيه مردة الشياطين، فهلا أخذت من رمضان وقفة للمحاسبة، وفرصة للمصالحة مع الله، وفتح صفحة جديدة من صفحات حياتك ، تكون بداية التوجه الصحيح إلى الله جل جلاله، فرمضان وقفة للمحاسبة لمن أراد أن يحاسب نفسه ويسير بها على طريق الجادة.
فيجب عليك أخي الصائم: أن تجلس مع نفسك من حين لآخر وتعقد جلسة محاسبة مع نفسك، تحاسبها بداية عن الفرائض الصلاة والزكاة والصوم وغير ذلك مما افترضه الله عليك فإن وجدت نقصاً وتقصيراً تداركته، وبعد ذلك تحاسب نفسك على ما أنت واقع فيه من المعاصي والذنوب كعقوق الوالدين، وقطعية الرحم، وأكل الربا, والكذب, والغيبة والنميمة, والنظر إلى الحرام، وارتكاب الفواحش، وشرب المحرمات كالدخان والمسكرات والمخدرات .. وغير ذلك من الكبائر والصغائر التي نهاك عنها المولى ـ جلّ وعلا، فيجب عليك أن تقلع على الفور، وتتدارك ذلك بالتوبة والأوبة والرجوع إلى الله والندم من ما قد جنت يداك، وعليك أن تكثر من الاستغفار والذكر والدعاء بأن يتوب الله عليك، وأن يقبل توبتك، وتدعوه أن يصرفك عن السوء بما شاء وكيف شاء، وتحاسب نفسك كذلك على الغفلة والإعراض عن الله وعن طاعته، وتدارك ذلك بالمسارعة في فعل الخيرات والحسنات الماحيات، وتحاسب نفسك على حركات الجوارح، ككلام اللسان ومشي الرجلين ونظر العينين، وسماع الأذنين، وغيرهما من الجوارح .. وتسأل نفسك عند كل كلمة أو فعلة أو حركة .. ماذا أردت بهذا؟ ولمن فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ وما الفائدة من فعله؟ فهذه الأسئلة تجعلك دائماً أبداً متيقظاً لنفسك آخذاً بخطامها، وعليك أن تلجم نفسك بلجام التقوى, حتى تكون من الفائزين (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور ـ 52).
والله إنها بشرى عظيمة، كيف لا يبشر المؤمن بشهر يفتح الله فيه أبواب الجنة؟ كيف لا يبشر المذنب بشهر يغلق الله فيه أبواب النار؟ كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل الله فيه مردة الشياطين؟ كيف لا يبشر العابد بليلة هي خير من ألف شهر؟ شهر لا تحصى فضائله، ولا تعد فوائده فكيف لا يبشر به؟، ولكي يزداد شوقك لهذا الشهر العظيم فهذه بعض فضائل هذا الشهر المبارك، لعل أن يكون لك واعظ من نفسك، فتعلو الهمة وتزكو النفس، ويصفو القلب ويطهر من عوالق الحياة وفتنها، ويكون لك النصيب الأوفر من بركة هذا الشهر وخيره ومن فضائل هذا الشهر:
1 ـ شهر رمضان شهر نزول القرآن: قال تعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة ـ 185)، وقال تعالى:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر ـ 1) وقال تعالى:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) (الدخان ـ 3).
فيا أخي الصائم ليكن لك نصيبٌ من القرآن في هذا الشهر المبارك، الذي أنزل فيه، وليكن لك في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.
قال الحافظ ابن رجب: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان)، وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة كل ست ليال، وكان قتادة يختم القرآن كل سبع ليال، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة، وكان النخعي يفعل مثل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفى بقية الشهر في ثلاث، قال الربيع بن سليمان: كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمه.
وحال السلف ـ رضي الله عنهم ـ مع القرآن في رمضان عجيبة، فلا تكن من الغافلين في هذا الشهر عن قراءة القرآن, بل كن من الذاكرين له آناء الليل وأطراف النهار.
2 ـ شهر رمضان شهر القيام والتراويح والتهجد: قف أخي عند هذه البشائر التي بشر بها نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) من قام رمضان إيمانا واحتسابا:(من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
فيا أخي: هل بعد هذا الفضل من فضل؟ هل بعد هذا الخير من خير؟ أما زلت مصراً على تقصيرك وتركك لصلاة التراويح وللقيام بعد ما سمعت وقرأت هذه الأحاديث؟ أما زلت تقضي الليل في السمر والفجور ومشاهدة ما حرم الله تعالى، وسماع الأغاني والطرب والمجون؟.
ألا فاتق الله في عمرك، وأقبل على صلاة التراويح يقبل الله عليك، فطوبى لعبد صام نهاره ، وقام أسحاره.
3 ـ شهر رمضان شهر تكفير الذنوب: عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
إن تكفير الذنوب والخطايا نعمة من الله عظيمة، ومنةٌ من الله جسيمة، وذلك لمن سلك سبيل الهداية، وترك سبل الضلال والغواية، وهذا رمضان بين يديك، فاغتنم الفرصة عسى الله أن يغفر لك ذنبك، ويحط عنك خطأك ويمحو عنك سيئاتك.
4 ـ شهر رمضان شهر العتق من النيران: عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، وياباغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) ـ أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة.
فتعرض أخي الكريم لنفحات الرب جل جلاله في هذا الشهر الكريم، عسى الله أن يمن عليك بكرمه وجوده فيعتق رقبتك من النار، فتكون من السعداء الفائزين بجنة الخلد عنده سبحانه وتعالى.
اعمل لدار غدٍ رضوان خازنها
الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها
والزعفران حشيش نابت فيها
فالحذر أن تقدم على جنة عرضها السموات والأرض وليس لك فيها موضع قدم.

إلى الأعلى