السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / استقبال شهر الصوم

استقبال شهر الصوم

إبراهيم السيد العربي*

ها هي الأيام المباركة تطل على الأمّة الإسلامية, وها هي الفرصة تُتاح مرّة أخرى لكل مسلم ومسلمة أن يعودوا إلى الله تعالى بالتوبة والعزم على اغتنام كل لحظة من لحظات هذا الشهر المبارك في العبادة والذكر والاستغفار وقراءة القرآن الكريم, وكل أنوا الطاعات التي تقرب العبد من ربه سبحانه وتعالى, فهذا شهر الرجوع إلى الله تعالى, ومن لا يغتنم هذه الفرصة في الطاعة, فلا يلومنّ إلا ّنفسه . قال الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) )البقرة ـ 183).
فنفهم من هذا النداء الرباني الكريم أن الله تعالى فرض علينا الصيام كما فرضه على الأمم السابقة, والهدف الأسمى من وراء ذلك هو لزوم التقوى, والخوف من الله تعالى، ثم إن الصيام ما هو إلا أياما معدودات وليس العام كله, فالله تعالى رحيم بعباده وهو غني عن كل أفعالهم.
فمن باب الرحمة بعباده جعل الله تعالى فقط شهر رمضان للصيام ومع هذه الرحمة في فرضية الصيام, نرى أن الله تعالى جعل للمريض الذي لا يستطيع الصوم رخّص له في الإفطار وإطعام مسكين عن كل يوم, كذلك وضع عن المسافر سفراً طويلاً وضع عنه الصوم وكل هذا من تيسير الله تعالى على عباده.
كما ذكرنا أن الغاية من فرضية الصيام هي تقوى الله تعالى، لأن هذه التقوى تمنع القلب من إفساد الصوم بالمعصية, والمؤمن الذي يسمع نداء الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ..) هذا النداء الرباني له وقع في قلب العبد المؤمن ساعتها يقول لبيك ربي وسمعنا وأطعنا، وفي الأصل تجد المؤمن والمؤمنة ينتظرون قدوم هذا الشهر الفضيل بلهفة واشتياق كي يتخلّصوا من ذنوبهم الكثيرة ويتطّهروا من كل ما ارتكبوه في خلال سنة ماضية.
أخي الصائم .. أختي الصائمة: إن هذا تذكير للنفس بأن الصيام يزكي النفس وفي نفس الوقت رياضة للجسم, ودعوة للبر ووقاية للجسم, ويصل القلب إلى حالة من الصفاء الروحي وهذا بسبب الجوع الذي يشعر به الصائم, وليتنا نتذكر في هذه اللحظات كم من الجوعى وكم من المحتاجين إلى لقمة عيش يسدون بها رمقهم, ومن أجل هذا شرع الله تعالى لنا الصيام في هذا الشهر الكريم فنسألك يا رب العالمين أن توفقنا جميعاً إلى صيام نهار شهر رمضان, وقيام ليله كي نخرج من هذا الشهر وقد غفرت لنا كل الذنوب والآثام .. اللهم آمين.
وقد أعجبني ما قاله أحمد شوقي عن الصوم فقال:(هو أي الصوم: حرمان مشروع, وتأديب بالجوع, وخشوع لله وخضوع, لكل فريضة حكمة وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة, يستثير الشفقة, ويحضّ على الصدقة).
هذه تذكرة للصائمين بقول الحق تبارك وتعالى في حديثه القدسي:(الصوم لي وأنا أجزي به) .. فعليك أيها الصائم أن تعرف أن للصائم فرحتين: إذا أفطر فرح بفطره, وإذا لقي ربه فرح بلقاء ربه, وكفانا أن نعرف أن خلوف فم الصائم عند الله تعالى أطيب من ريح المسك, والسبب في ذلك أن الصيام سرّ بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد سواه .. فطوبى للصائمين المتمسكين بصيامهم المحافظين عليه .. وطوبي لمن جوّع نفسه ليوم الشبع الأكبر .. وطوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الكامل .. وطوبى لمن ترك شهوات الحياة العاجلة ليوم الحياة الباقية.
إن الغرض من الصيام تعويد النفس على الصبر والجوع في سبيل الله تعالى لأن الصائم إذا ترك الطعام في الدنيا, نال الطعام الألذ في الآخرة ونذكّر هنا الذين يكثرون من الطعام في شهر رمضان ولا يتمسكون بسنة الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم) في الطعام والشراب, نذكّرهم بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأحد الصحابة:(أقصر من جشأتك فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً في الآخرة)، ومن باب البشرى للصائمين نبشرك أيها الصائم لله ونقول لك إن في الجنة بابا يقال له (الريان لا يدخل منه إلا الصائمون) فإذا دخلوا أغلق هذا الباب فلم يدخل منه أحد غيرهم.
أيها الصائمون: يأتينا شهر رمضان هذا العام في أيام حرّها شديد ونهارها طويل, فتمتد مدة الصوم أكثر من أي وقت آخر منذ عدة أعوام, وإن شاء الله تعالى الأجر لمن صام وصبر واحتسب الأجر عند الله تعالى عظيم وإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
وعلينا اغتنام وقت نهار رمضان وليله في الطاعة لله رب العالمين ,فهو شهر الرجوع إلى الله تعالى وشهر التوبة, وشهر القرآن فهنيئا للطائعين الصائمين.
وعلينا أن نعلم جميعا أن الجزاء من جنس العمل قال تعالى:(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) .. فاللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وتب علينا وارحمنا ووفقنا لعمل الصالحات يارب العالمين .. اللهم آمين.

* إمام وخطيب جامع الشريشة/ سوق مطرح

إلى الأعلى