الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / التغرود .. موروث عماني يستمد روحه من بيئة البدو وثقافتهم
التغرود .. موروث عماني يستمد روحه من بيئة البدو وثقافتهم

التغرود .. موروث عماني يستمد روحه من بيئة البدو وثقافتهم

مسقط ـ العمانية:
بين سحر المعنى وغنى المحتوى وعذوبة الصوت وحيث المسافة على مد البصر لا تموت لأن الأفق لا يحدها، تطرب الإبل وتتهادى بين رمال الصحراء ومسالكها عند سماع المغرد على ظهرها وهـو يترنم بأبيات شجية تعينه على عناء السفر وبعد المسير وتتجاوب هي معه وهو يحثها على السير في تخاطر متبادل يمليه التعود، فيصبح تغريده راحة لها متذوقة الجمال الموسيقي في فن التغرود.
وفن التغرود وهو من الموروثات العمانية التقليدية الأصيلة الذي تشتهر به العديد من محافظات السلطنة مستمد من بيئة البدو وثقافتهم يريح الراحلون على إبلهم أو خيلهم كما يريح الإبل والخيل ويستأنس أيضا به السمار في ليلهم، وكل بيت من شعر فن التغرود يتم رفع الصوت به بشكل لحني يحمل معنى مستقلاً عن البيت الذي يليه في توافق إبداعي وصوتي يؤديه الشاعر بصوت مرتفع ويمنحه حسب الظرف والحالة مداً وتطويلاً لبعض كلماته وقوافيه.
وأصبح فن التغرود في ديسمبر من عام 2012 من بين عناصر التراث الإنساني المدرجة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو عبر ملف مشترك تقدمت به السلطنة ودولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة.
ويمثل ادراج هذا العنصر التراثي المهم على القائمة التمثيلية لليونسكو تعزيزا لفرص انتشاره وبقائها في وجه التغيرات المجتمعية، حيث ساعدت اجراءات الصون ـ لاسيما تلك التي يشارك فيها عدد كبير من الجماهير مثل الاحتفالات والمهرجانات والمسابقات الشعرية ـ على تجميع الشعراء والجماهير لمشاركة الخبرات وتبادلها، كما أن ادراج فن التغرود كأحد العروض الشفهية للتراث الثقافي سيساعد على ابراز ممارسة تراثية لا تزال تحتفظ بمعانيها واهميتها لدى الجماعات الممارسة لها حيث انها جزء من التراث الثقافي البدوي وهي مرتبطة تاريخيا ببعض القيم الاجتماعية التي تحكم العلاقات بين الاشخاص والقبائل ونظرتهم إلى البيئة من حولهم وعاداتهم الاجتماعية.
ويقال شعر التغرود في مختلف أغراض الشعر المعروفة كالحماسة والمعاتبة والمشاكاة والوصف والمدح بالإضافة إلى وصف الهجن والخيل وما يتصل بها والهجاء والرثاء، وما يتصل بالقضايا الإنسانية.
ويبدأ التغرود بتأليف قصيدة قصيرة (أقل من سبعة ابيات عادة او قد تزيد على ذلك قليلاً) ترتجل احيانا ويمكن ان يغرد بها فرد واحد على ناقته، أو يؤديها اثنان يتناوبان الأداء، أو يتم اداؤها فيما يسمى (همبل البوش) على شكل غناء تقوم به مجموعتان من راكبي الإبل، وتتبع تلك الاشعار الوزن السريع في الشعر العربي الفصيح الذي يعرف باسم الرجز.

ومن اشعار التغرود:
غردت تغرودن حلو ترتيبه
والدمع من عيني غسر اسجيبه
سالم يلـو خـاطـري تدريبه
يحرم عليك الـنوم ما تغضيبه
ويقول محمد بن عمران بن مسعود المعمري أحد مسؤولي فرقة السليف للفنون الشعبية: فن التغرود في السلطنة يمارس في ثلاث حالات تشمل تغرود البوش وتغرود الخيل ورمسة البدو، حيث يؤدى تغرود البوش على ظهور الجمال وهي تمشي او تخبّ أي أول سرعة بعد المشي فتكون حركتها بمثابة إيقاعات لترديد أبيات الشعر، ويسلي بها الراكب نفسه ورفقاءه، فيبدأ الشاعر بالبيت الاول ثم يعيده زميله ثم يردد البيت الثاني فيعيده زميله وهكذا يستمر المسير والمطية تحرك جسم صاحبها حركات خفيفة الى الامام والخلف وتتحرك معها اشجانه وذكرياته واشواقه لترفع من جودة الأداء اللحني والاستمتاع بالمسير مما يؤدي الى عدم الاحساس بالمسافات الطويلة التي قطعها.
وأضاف أن تغرود الخيل يؤدى عادة لزيادة حماس الخيل أو خيالها من الفرسان، وتركز ابيات شعر تغرود الخيل على معاني الشجاعة والإقدام والشهامة ومدح الخيل في شعر يعدد مناقبها ومزاياها ومدح من يقتني الخيل ويربيها مشيرا الى ان من اشكال تغرود الخيل (فن التحوريب). وأشار الى أن من أشكال أداء التغرود (رمسة البدو) أو جلسة تغرود عندما يجتمعون نهارا او ليلا ويقومون في جلسات السمر والترويح باداء هذا الفن في انسجام واهتمام وانصات، حيث يؤدي المغرد التغرودة وقد وضع إحدى راحتيه على خده او ممسكا بعصاه او متكئا عليها ومن حوله يتحلق البدو جلوساً، وقد يشارك المؤدي بدوي آخر يتلقف منه شعر ونغم التغروده في آخر البيت ليعيد التغريد بها طبق الأصل، ولا يتغير نغم اللحن الشفهي في الغالب من أول القصيدة إلى آخرها.
ويسعى البدوي في اطار التقاليد التي يحرص عليها في اداء فن التغرود الامساك بعصاه سواء وهو على ظهر ناقته يحركها في الهواء إلى الأعلى والى الاسفل او وهو جالس ينصبها على الارض ممسكا بطرفها العلوي أو يقربها الى خده او يضعها على كتفه، كما يحرص على لبس الخنجر العماني واحيانا وضع الجديلة ملفوفة حول عمامته في اهتمام واضح بعاداته الأصيلة.

إلى الأعلى