الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / محنة المرأة بعالم السياسة في العالم الإسلامي

محنة المرأة بعالم السياسة في العالم الإسلامي

أ.د. محمد الدعمي

”على الرغم من عدهن منافذ ناعمة يسيرة الاختراق في هذا النوع من التنافسات السياسية، تتمتع النسوة بعناية خاصة من لدن العائلات المتنفذة، ليس تقديراً لقيمتهن الشخصية، ولكن لأدوارهن كآنية للتكاثر والتآصر الأسري وحفظ روابط العائلة والعشيرة، زيادة على استخدامهن الذي سبق ذكره في تحقيق التحالفات السياسية والتكتلات القبلية بين الأسر المتنفذة عبر التزاوج والمصاهرة.”
ــــــــــــــــــ
عندما كتبت الفصل الأخير من هذا الكتاب الموسوم بـ”تخنيث الغرب” Feminizing the West، كان غرضي هو عرض الكيفية التي يتم بموجبها تطوير الجدل الجنوسي، المعتمد على تفاعلات ” التذكير/التأنيث” في دواخل النفس المسلمة وتطوره على نحو هو بدرجة من التوتر والشد درجة أنه يتجاوز في أهميته بقية أشكال الجدل الفاعل تقريباً حتى يغدو هو العامل الحاسم في تشكيل علاقات التناقض والتوتر التي تتحكم بالطريقة التي تعاين تلك النفس من خلالها كل ما هو إشكالي. عندما يتعلق الأمر بعلاقات النفس المسلمة بعالم السياسة يتبلور الجدل على نحو صادم، مع إشارة خاصة إلى ضغط جذور الإسلام الضاربة عميقاً في البادية العربية حيث كان الجنس ثابتاً مطلقاً غير قابل للتغير، مثل ثوابت الوجود والحياة والولادة والموت ذاتها، بيد أن العقل البدوي أناط بالجنس وبسلوكياته جزءاً أساسيًّا من شرف الإنسان وطرائق تقييمه، لذا فإن الجنس قد ترك آثاره على العقل المسلم ونظرته للعالم والوجود. إن الإسلام، ديناً، ظهر في بيئة صحراوية، عاكساً هذه البيئة الجافة في أغلب صفاته وسجاياه تقريباً، ابتداء من تصويرات كتابه المقدس، القرآن الكريم، وانتهاءً بتاريخه، حاملاً تراث تلك البيئة القاسية وتراث سكانها الصبورين والسريعي الحركة والبديهية إلى العالم أفقيًّا، وإلى الأجيال التالية عموديا.
في خضم هذا الجدل، للمرء أن يلاحظ توظيف استجابة المرأة للإغراء، كعلامة على الضعف، خطأ، من قبل المنافسين أو الخصوم السياسيين أو سواهم من المضادين، ضد نسوة الآخر. وقد تجسدت هذه الظاهرة بأبشع صورها في عمليات الأجهزة الأمنية والاستخبارية الحكومية في العديد من دول الشرق الأوسط، للأسف. إذ لا يتم استهداف النسوة كمنافذ أو أهداف رخوة في جدار الجهة المعاكسة حسب، بل ويتم إرسالهن إلى المنافس السياسي، أفخاخاً، من قبل هذه الأجهزة إلى الجهة المنافسة أو المعارضة لاستدراجها لفضيحة تمس شرفها. قد تلقي هذه الممارسة الضوء على تكرار، بل وتزايد جرائم غسل العار التي يقترفها العاملون بالسياسة أو الفاعلون السياسيون المحتملون. لقد دل سوء توظيف المرأة في هذه الأجهزة الاستخبارية والأمنية على أنه سلاح فاعل في مجتمعاتنا الشرق الأوسط المحافظة التي تقرن الجنس بالشرف. وهكذا شاعت عمليات توجيه ضابط مخابرات وسيم لإغراء واستدراج امرأة تنحدر من أسرة منافسة أو عدوة سياسيًّا، ثم تصويرها في حالات من الحميمية أو العري مع هذا الضابط الغامض الهوية من أجل إرسال اللقطات أو الفيلم المسجل الفاضح لتلك المرأة إلى ذلك العدو أو المنافس، والدها أو أخوها أو زوجها، لاستغلاله أو لتهديده. وقد انتشرت حكايات عديدة عن ساسة متنفذين أو قادة من المعارضة وهم يعثرون على أعتاب دورهم أو في صناديق البريد على اشرطة أفلام لقريبات لهم وهن مصورات في حالات عارية أو حميمية مع عشاق. هذه واحدة من الأدوات النافذة في التنافسات السياسية غير الحضارية لدول المنطقة. يعد إشهار عار الخصم أمام الملأ من الأسلحة المرعبة التي يمكن توظيفها ضد المنافس السياسي لتحطيمه، لذا تستهدف النساء على نحو خاص لاستغلالهن ولتنفيذ هذه العمليات، زيادة على استعمالهن لعمليات معاكسة من نوع آخر.
على الرغم من عدهن منافذ ناعمة يسيرة الاختراق في هذا النوع من التنافسات السياسية، تتمتع النسوة بعناية خاصة من لدن العائلات المتنفذة، ليس تقديراً لقيمتهن الشخصية، ولكن لأدوارهن كآنية للتكاثر والتآصر الأسري وحفظ روابط العائلة والعشيرة، زيادة على استخدامهن الذي سبق ذكره في تحقيق التحالفات السياسية والتكتلات القبلية بين الأسر المتنفذة عبر التزاوج والمصاهرة. يمكن لهذا الاعتبار أن يلقي الضوء على العناية الفائقة بحماية نسوة هذه العائلات من الغرباء، لئلا يتعرضن للإغواء أو للاستدراج إلى علاقات غرامية سرية، فيلحقن العار بسمعة عائلاتهن. لذا يمكن للحذر الشديد والحماية وحال الإنذار المستمرة أن تتصاعد حد عزل نساء العائلات الحاكمة عن المجتمع الواسع، الأمر الذي يلقي الضوء على أسباب توكيد البعض من هذه العائلات على البحث عن مدارس خاصة للبنات وكليات غير مختلطة، وهو نوع من التربية الخاصة التي تدار من قبل نساء فقط، ابتداء من الدراسة الأولية إلى نهاية الدراسات الجامعية، بل وحتى العليا. هذا هو السبب الذي يكمن خلف تطوير بنات هذه الأسر المتنفذة أو الحاكمة نوعاً من العوق النفسي النابع من العزل ومما يؤول إليه من خيال يمتلكهن ويشعرهن بأنهن مختلفات لأنهن منحدرات من جنس مختلف، جنس أعلى من أجناس عامة الناس. هي خرافة الدم الأزرق على أبشع صورها!

إلى الأعلى