الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: حين يبحث إردوغان عن مفاتيح حل أزماته فـي تل أبيب

شراع: حين يبحث إردوغان عن مفاتيح حل أزماته فـي تل أبيب

خميس التوبي

من يتأمل ما آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في تركيا ويستعرض شريط الأحداث منذ تفجير مخطط «الحريق العربي» وركوب حكومة حزب العدالة والتنمية موجاته، ومحاولتها تسيد المشهد وقيادة وصناعة أحداثه وتحقيق نتائجه؛ انطلاقًا من المهمة التي كلفتها بها الولايات المتحدة أثناء فترة إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش «الصغير» وهي إنجاز ما يسمى «مشروع الشرق الأوسط الكبير»، من يتأمل ذلك ويستعرضه سيجد ـ دون شك ـ البون الشاسع بين ما قبل العام 2011م وما بعده وما تحصده تركيا حاليًّا من حصاد مر المذاق، والانتقال السريع من قمة رؤية «صفر مشاكل» التي صاغها أحمد داوود أوغلو المستقيل أو الأحرى المقال من رئاسة الحكومة ومن حزب العدالة والتنمية إلى قاع «صفر علاقات».

لقد كانت الانطلاقة الإردوغانية لافتة لتسيُّد مشاهد «الحريق العربي» وذلك عبر ذكاء الاختيار الذي يحتل مساحة كبيرة من العواطف العربية الشعبية الجياشة، وهو ملف الحصار الإسرائيلي الظالم على قطاع غزة والعدوان الإرهابي الغاشم عليه في أواخر العام 2008م وبداية العام 2009م وعلى خلفية العدوان الإسرائيلي على سفينة الحرية التركية في المياه الدولية والتي كان هدفها كسر الحصار وإرسال مساعدات إنسانية إلى أكثر من مليون ونصف فلسطيني داخل قطاع غزة، حيث مثلت هذه الأحداث أرضية مواتية للاستعراض الإردوغاني الذي بدأ من منصة جامعة الدول العربية أمام مجلس وزراء الخارجية العرب في دورته الـ136 حيث حينها هدد إردوغان بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كيان الاحتلال الصهيوني إذا لم يرفع الحصار الجائر عن قطاع غزة، ويعتذر عن عدوانه (العدوان الإرهابي الصهيوني في نهاية عام 2008 وبداية 2009) ويعوض أسر الشهداء، مختتمًا كلمته بقوله: تعالوا لنرفع علم فلسطين إلى السماء ليكون رمزًا للعدالة والسلام في الشرقالأوسط». وهنا ما كان من ذوي العواطف الجياشة من الشعوب العربية إلا المسارعة إلى صياغة المقارنات بين الزعيم التركي القادم بخلفيته العثمانية وتشبيهه بالسلطان العثماني محمد الفاتح وما تحلى به شجاعة وخطابة هما أهم غذاء للعاطفة العربية لتحافظ على نشوتها، وبين الزعماء العرب الذين أتوا من بعد معاهدة كامب ديفيد وما يتحلون به من لغات الاستنكار والإدانة والشجب المعبرة عن أو الأقرب إلى الاستسلام والخنوع. ومنهم من بالغ في سبك مقارنات إعجابه بالسلطان العثماني الجديد وذلك بالمقارنة بين الزي المحتشم لزوجة إردوغان وبين زي سوزان مبارك. ولم يقف الاستعراض الإردوغاني عند هذا الحد، وإنما هدد إردوغان بتسيير سفن لكسر الحصار بمرافقة الأسطول البحري التركي، كما أعلن عن عزمه زيارة غزة لكسر الحصار على متن بارجة حربية تركية. وفي مهرجان شعبي في مدينة كونيا وسط الأناضول قال إن «مصير القدس مرتبط بمصير اسطنبول.. وإن مصير غزة مرتبط بمصير أنقرة»، متعهدًا «بعدم تخلي تركيا عن الفلسطينيين وحقوقهم، حتى ولو تخلى العالم عنهم».
نسرد هذه الحقائق أو نعيد سردها، من منطلق أمانة الكلمة وتبصير من لا يزال في عينيه غشاوة عن رؤية الواقع على حقيقته، وأن ليس هناك «ثورات» بالمعنى الحقيقي، وإنما هنالك صراعات نفوذ وإعادة استعمار للمنطقة برسم جديد لحدودها من قبل الولايات المتحدة ومن تحت عباءتها، تستهدف حرمان الصين وروسيا الاتحادية العدوين اللدودين للقوة العظمى من موطئ قدم في المنطقة، وتسيُّد مشروع الاحتلال الإسرائيلي ومد أذرعه في جميع اتجاهاتها، لأن نجاح ذلك يعني ضمان بقاء كيان الاحتلال الصهيوني إلى الأبد وفق واضعي مخطط «الحريق العربي».
ولذلك تركيا ـ إردوغان وبحكم إيكال أمر تنفيذ مخطط «الشرق الأوسط الكبير» إليها تبحث عن ثمن لها يكافئ دورها التخريبي للدول العربية المستهدفة والتي تمثل بداية انطلاق مشروع الشرق الأوسط الكبير ونجاحه مثل العراق وليبيا وسوريا ومصر ولبنان؛ لكون هذه الدول تمثل تهديدًا حقيقيًّا لمشروع الاحتلال الإسرائيلي وتمدده في المنطقة، والثمن الذي تريده تركيا ـ إردوغان استعادة الحلم العثماني ولو جزءًا منه في كل من العراق بسلخ مدينة الموصل، وفي سوريا بسلخ حلب. غير أن تطورات الأحداث اليوم تشير إلى أن تركيا ـ إردوغان غدت مطوقة بأزمات داخلية وإقليمية اقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية، وأن كل تلك الاستعراضات الإردوغانية الداوودية ليست سوى مساحيق ذابت مع حرارة الميدان السوري وسخونة وقوة المواقف لسوريا وحلفائها، ومن بين هذه التطورات التي تعكس الفشل التركي ـ الإردوغاني الداوودي:
أولًا: التدخل العسكري الروسي في سوريا والحماقة التركية بإسقاط مقاتلة «سوخوي 24» فوق الأجواء السورية ومقتل أحد طياريها، وما ترتب عليه من وجود عسكري روسي ضخم في سوريا وفرض موسكو عقوبات اقتصادية على تركيا أثرت تأثيرًا كبيرًا على اقتصادها، وكذلك الدعم الإيراني غير المحدود في العراق وسوريا.
ثانيًا: تحول واشنطن اللافت بالتحالف مع الأكراد بدلًا من أنقرة لتحقيق الأجندات الأميركية تحت كذبة محاربة تنظيم «داعش»، خاصة بعد حماقة إسقاط المقاتلة الروسية والفشل الذريع في جر أرجل حلف شمال الأطلسي لمواجهة روسيا على أرض سوريا، وتحيُّن روسيا الفرص لاصطياد تركيا في سوريا باستهداف طائراتها أو قواتها.
ثالثًا: الانحسار اللافت لكل من «داعش والنصرة وأحرار الشام» التنظيمات الإرهابية التي تدعمها حكومة العدالة والتنمية في سوريا لتحقيق الأحلام العثمانية، على يد الجيش العربي السوري وحلفائه.
رابعًا: الاستياء الأوروبي من سلوكيات حكومة العدالة والتنمية وقيامها بإغراق القارة العجوز بملايين اللاجئين، حيث مستويات الهواجس والقلق أخذت في الارتفاع بعد هجمات باريس وبروكسل، وإحباط مخططات إرهابية وضبط شبكات منتمية لتنظيمات إرهابية وفي مقدمتها «داعش». ولعل خطوة البرلمان الألماني بالاعتراف بالإبادة الأرمنية على يد الدولة العثمانية ليس بداية محاسبة تركيا ـ إردوغان والضغط عليها فحسب، وإنما العلاقات التركية ـ الأوروبية مرشحة إلى مزيد من التصادم إذا لم تعدل حكومة العدالة والتنمية سلوكياتها.
خامسًا: تحول تركيا ـ إردوغان إلى باكستان جديدة، حيث العمليات التفجيرية والإرهابية تحدث بصورة يومية وتطول المدنيين والقوات الأمنية والعسكرية التركية، فيوم أمس وحده حصد تفجير إرهابي حوالي خمسين شخصًا بين قتيل وجريح استهدف حافلة للشرطة في مدينة اسطنبول.
إنها منعرجات وأزمات بدأت تضع كماشتها الخانقة على تركيا وعلى حكومة العدالة والتنمية، ولكن ما السبيل إلى التخلص منها ومن أين يبدأ طريق الخلاص؟ إن السبيل في نظر إردوغان هو كيان الاحتلال الصهيوني وطريق الخلاص يبدأ من تل أبيب، بإعادة الدفء إلى العلاقات والتنازل عن كل تلك الاستعراضات السابقة وخاصة ما يتعلق بفك الحصار عن غزة، فإردوغان يرى في حلفائه الصهاينة مفتاح حل أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية، حيث أحد هذه المفاتيح يتمثل في دور إسرائيلي بتسوية الخلافات مع روسيا الاتحادية التي رفض رئيسها فلاديمير بوتين الاستجابة لرسالة إردوغان بتسوية الخلافات، قبل أن يستجيب للشروط الروسية.هذه هي حقيقة «الثورات»، وهذه هي حقيقة الاستعراضات التركية.

إلى الأعلى