السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حذار… محاولات إسرائيلية لاحتواء المسيحيين

حذار… محاولات إسرائيلية لاحتواء المسيحيين

د. فايز رشيد

”ان الحكومة الإسرائيلية والمشرع الإسرائيلي منتبهان إلى قضية “المسيحيين العرب”، ويحاولان احتواءهم. وفي هذا ما يؤكد من زاوية أخرى على أن إسرائيل هي التي تقف وراء الفتنة الطائفية التي تجري في أكثر من بلد عربي، مهما كانت الأدوات والاتجاهات المحلية التي تستغلها. هذه تعمل كل ما في وسعها من أجل إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والإثنية,”
ــــــــــــــــــــ
المسألة قديمة جديدة: محاولات إسرائيلية حثيثة لاحتواء المسيحيين العرب ليس في داخل منطقة 48 فقط وإنما مسيحيي الدول العربية، نعم تتصاعد الأصوات في الكيان الصهيوني مطالبة بانخراط مسيحيي منطقة 48 في الحياة الإسرائيلية، والسماح لمن يريدون التجنيد والخدمة في الجيش الإسرائيلي من هؤلاء. ذلك من أجل اندماجهم في”المجتمع الإسرائيلي”. من بين تلك الأصوات الإسرائيلية التي تنادي بذلك: اوري شنهار الصحفي الإسرائيلي الذي كتب مقالةً في صحيفة هآرتس حول الموضوع بعنوان”هل يريد المسيحيون أن يكونوا إسرائيليين”(24 مارس 2014). يرى الصحفي: أن عدداً كبيراً من مسيحيي منطقة 48 يريدون الاندماج في الحياة الإسرائيلية من خلال كافة المسالك ومن أهمها: تجنيد الشباب في الجيش الإسرائيلي. يبين الكاتب ان لهذه الظاهرة ثلاثة أعداء: القوميون العرب ومن ضمنهم تيار مسيحي، واليمين الإسرائيلي الذي يعتبر المسيحيين “أغيارا”، وكذلك اليسار الإسرائيلي الذي يرى في هذه الظاهرة قضيةً غير موضوعية.
يقول الكاتب في مقالته: عبر عدد من الزعماء المسيحيين في الأشهر الأخيرة الناطقين باسم الجمهور المسيحي بأنهم يؤيدون تجنيد الشباب المسيحيين في الجيش الإسرائيلي، من هؤلاء الزعيم الروحي الأب جبرائيل ندافة، والمنظمة التي أنشأها وهي:”منتدى تجنيد الطائفة المسيحية”. يقول الصحفي: “لقد خلص إسرائيليون مسيحيون كثيرون بسبب هياج التطرف الديني والعنف الطائفي في الدول المجاورة، خلصوا إلى استنتاج أن إسرائيل القوية يمكنها أن تضمن لهم ولأبنائهم حرية شخصية ودينية، ونماء ورفاه وحماية من مصير الأقليات الفظيع في الدول المجاورة”. بالطبع يستغل الصحفي الإسرائيلي الأحداث الطائفية الأخيرة التي حصلت في أكثر من بلد عربي وجعلت قسماً من المسيحيين يعملون على الهجرة من الدول العربية التي يعيشون فيها.
على صعيد آخر ـ والأمر ليس مصادفةً بالطبع ـ سنّ الكنيست الإسرائيلي قانوناً يميز بين العرب في المنطقة المحتلة عام 1948، ويقسمهم إلى مسلمين ومسيحيين ودروزا. القانون يجعل تمثيل الفلسطينيين في اللجنة الاستشارية لمفوضية المساواة في العمل التابعة لوزارة الاقتصاد، على أساس الطائفة التي ينتمون إليها. معروف أنه يوجد في الحكومة الصهيونية سلطة التكافؤ في فرص العمل، ولها لجنة مسؤولة في وزارة الاقتصاد تمثل فيها هيئات ومؤسسات جماهيرية، والعرب ممثلون فيها كأقلية عربية بدون أية تفاصيل. ما قامت به إسرائيل في هذا القانون هو جعل التمثيل على أساس طائفي بأن يكون هناك ممثل عن المسلمين العرب، وممثل عن المسيحيين مع إسقاط كلمة عرب عن المسيحيين، وممثل عن الدروز. للعلم هذه أول مرة في التشريع يتم فيه الفصل وتحويل المسيحية إلى طائفة لها تمثيل. إن هذا القانون هو سياسة مقصودة من الكيان الصهيوني. معروف أنه في الهوية تكتب كلمة “عربي” للمسلمين، والمسيحيون يشار إليهم بأنهم مسيحيون وستزال عنهم كلمة”عرب”.
مثلما قلنا سنّ القانون ليس مصادفةً، ويتواءم تماماً مع ما كتبه شنهار. بكلام آخر” ان الحكومة الإسرائيلية والمشرع الإسرائيلي منتبهان إلى قضية “المسيحيين العرب”، ويحاولان احتواءهم. وفي هذا ما يؤكد من زاوية أخرى على أن إسرائيل هي التي تقف وراء الفتنة الطائفية التي تجري في أكثر من بلد عربي، مهما كانت الأدوات والاتجاهات المحلية التي تستغلها. هذه تعمل كل ما في وسعها من أجل إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والإثنية، وتقوم بالاعتداء على المراكز الدينية لهذه الطائفة، أو لذلك المذهب، أو لتلك الإثنية، هذه الاتجاهات المحلية أيًّا كانت انتماءاتها الفكرية والأيديولوجية والدينية تقوم بتنفيذ مخططات إسرا ـ أميركية هدفها تفتيت النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية في بلدانها. هذا ليس معناه أننا نلقي بتعبات ما يجري على هذا الصعيد على نظرية المؤامرة دون تحميل الأدوات التنفيذية المحلية المسؤولية عن ذلك، وإنما نقول بأن الأخيرة تتحمل مسؤولية ما يحصل من تفتيت طائفي في العالم العربي، وهي شاءت أم أبت بوعيها أو بدون وعيها، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، هي تقوم بتنفيذ المخططات الإسرائيلية.
إسرائيل لا تكتفي بهذا التفريق بين المسلمين والمسيحيين، بل تعمل على مبدأ التفريق بين مسيحي ومسيحي، ففي الوقت الذي تعتبر فيه الكاثوليك واللاتين والموارنة مسيحيين غربيين، فإنها تتعامل مع الأرثذوكس، والأقباط على أنهم شرقيون. لقد سلخ الكيان الصهيوني المسيحيون عن عروبتهم بعد أن كانوا تابعين للإدارة العربية، ففي أواسط الخميسنيات اعترفت إسرائيل باستقلال الدروز دينيًّا، وتم تشكيل المجلس الديني الدرزي في محاولة لضرب العرب بعضهم ببعض. بالنسبة للبدو( الذين تفصلهم اسرائيل عن العرب وتتعامل معهم كوحدة مستقلة) فإنها لا تزال تتركهم في أوضاع حياتية متردية خاصة في النواحي التعليمية والصحية، فنسبة التعليم في أوساطهم هي أدنى النسب الموجودة في الكيان الصهيوني. إسرائيل تحاول ضرب الطوائف العربية بعضها ببعض، تعمل على استمالة بعض زعماء القبائل والعائلات من ذوي النفوس المريضة وتحابيهم على حساب العائلات الأخرى، في محاولة واضحة لتفريق الصف العربي. لقد دأبت الأحزاب الصهيونية على إدراج بعض الأسماء العربية في قوائمها الانتخابية بما يتلاءم مع مصالحها ويخدم أهدافها في تفتيت وحدة العرب.
المسيحيون العرب هم مكون أساسي من مكونات أمتنا العربية، وهم عاشوا قروناً وعقوداً طويلة في وئام تام مع إخونهم المسلمين. وقد لعبوا دوراً مهماً في النهضة العربية الحديثة، وأي استهداف لهم هو استهداف للمسلمين أيضاً، وكذلك العكس بالعكس. أهلنا المسيحيون في منطقة 48 وأهلنا المسلمون يجابهون معاً الاحتلال والعنصرية الإسرائيلية. وهم معاً ولعقود طويلة هي عمر الكيان الصهيوني منذ إنشائه وحتى هذه اللحظة قاوموا ويقاومون المخططات الصهيونية لأسرلتهم والابتعاد عن ثقافتهم العربية الأصيلة. المخطط الإسرائيلي الجديد هو حلقة في سلسلسة طويلة من المخططات الصهيونية للتفريق بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة المحتلة عام 1948. لقد أظهر المسيحيون العرب كما المسلمون وعيهم فوقفوا ولا يزالون يقفون في وجه كل المحاولات الإسرائيلية لفصلهم بعضهم عن بعض.نعم يقف معظم المسيحيين والمسلمين أمام المؤامرة الجديدة والتي ستفشل هي الأخرى كما فشلت مخططات سابقة أخرى.

إلى الأعلى