السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : من أجل الكلام فقط

باختصار : من أجل الكلام فقط

زهير ماجد

لا يمكن للرئيس محمود عباس ان يصل إلى دولته، سيظل على قاعدة الضرب في الرمل، كلما احتاج للجلوس مع الاميركي الذي يحمل بضع كلمات يرددها شغفا بالمحاولة، ولكي يقال دائما انه يتحرك ويحرك، فما بال الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي لا يتحركان.
هي تجربة على كل حال، لم يندم فيها ياسر عرفات سوى انه ايضا جرب وخُذل، لكنه ظل مقاوما ومات مشهورا في طريقة ادائه للحوارات الصعبة.
هل هي ذكريات عن مرحلة او مشروع كتابة عن مستقبل قد لا يقع بل صعب ان يأتي رغم اي انتظار ممض. وحدها الحرب على سوريا تأخذنا إلى اجوبة نعتقد انها واقعية اكثر. فمثلما هي الأزمة مفتوحة، يظل الجرح ممسوكا ايضا، وعلى وقع حرب كبرى لم تبدأ بعد في كسب ومرتفعات اللاذقية، فإن التركي المتكالب من انتخابات الداخل يسعى لأن يجعل من الجبهة الجديدة في سوريا لعبته الطويلة التي قد تكون بمقام ما احدثه في الشمال حلب وجوارها ومافوقها او تحتها.
أما في مصر فتلك الرواية للمتفجرات لها اصل في انقسام الشارع الذي لا يريد الالتحام .. منذ متى تلتحم الشوارع في عرف السياسات العربية وحتى غير العربية، اليست اوكرانيا نموذجا، أليس الكوريتان، وقبلها الفيتناميتان، والصراعات الناشئة بين الاحزاب في معظم اوروبا. تدفع مصر اليوم، وستظل تدفع لأن المشكلة دائما في النهايات .. يمكن ضبط البدايات، لكن الامور تنفلت فيما بعد، دائما تختلف البداية عن النهاية، العارفون بهذا المبدأ كثيرا ما يخبئون وجوههم كي لا تفضح الابتسامات نهايات لم يحسبوها فتتحول الى عبوس.
لكن لبنان يحاول ان يتجاوز مرحلته الطرابلسية ليؤسس الى مرحلة متطورة لا تنتهي فيها ازماته، لكنه ممنوع من الانتهاء والتلاشي. يجب ان يظل لبنان، انه نعمة للاعبين الذين اذا فرحوا اصابته العين الحاسدة، واذا زعلوا اصابته اليد الفاعلة. هو المختبر الذي تطل عليه احداث المنطقة تتفقده وتتخذ منه مسرى لها. ثم هو حاجة، والحاجة أم الاختراع كما يقولون.
ولأنه العراق الذي يصنعون ضحكة له وسط وجوه ترتج، خرج عن اجماع شعبه ليظل مسجونا بين البين. الطائفة توجعه والمذهب يؤلمه، لكنه مضطر أن يظل اسيرهما .. هو نسيج من عراقيين كادوا ان ينصهروا ذات يوم، الحكمة يومها ان رجلا عرف كيف يدير حاجتهم إلى الطمأنينة ففعلها إلى حد ان سموه ديكتاتورا، فإذا مات انقلبت امورهم.
ولأن ذكريات ليبيا الموحدة تتصاعد كلما تأملنا خارطة الشمال الافريقي ورأينا ما يحدث لليبيين، وما يحدثه الليبيون بأنفسهم، وهي خياراتهم التي لن توصلهم إلى الوطن المرتجى .. رصاص الفوضى يصنع اليوم بلادا تتفتت، ليبيا الموحدة صارت من الماضي، وليبيا الجمهورية تتآكل، احدهم يطالب بعودة الماضي ما قبل القذافي. انه جنون السياسة التي تظل نهايتها اشبه بأسطورة.
بانوراما عربية، لكنها تجسد حالة يجب تذكرها في كل حين. نتذكر انفسنا واعتقاداتنا .. ستظل الشاشات تقدم لنا متفجرات متنقلة، وسيظل الكلام السياسي خليطا من الواقعية وعدمها .. بل نحن مقبلون على ان نتصدر قائمة العالم بالفوضى التي تزداد، وبالتعقيد الذي يزيد. وحدها الكلمات تظل مؤنسة، حتى لو كانت كاذبة في اكثرها، فنحن لا نملك غيرها، وعلى عشاقها، المحبون لإيقاعها ان يسافروا في خيالها .. للكلمات خيال جامح يمكن لك ان تطير وانت قاعد في مكانك، ويمكن ان تلف العالم وانت مكانك، بل يمكنك ان تتجول على ايقاع الرصاص وانت في غرفة هادئة، تلك هي الكلمات.

إلى الأعلى