الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / شبكات التواصل الاجتماعي وصناعة المواطنة

شبكات التواصل الاجتماعي وصناعة المواطنة

**
تؤدي شبكات التواصل الاجتماعي المتعددة دورا محوريا في تعزيز البناء الفكري للشباب وترسيخ منظومة الوعي لديه، ونقل صورة مكبرة عن واقعه وطموحاته ومشكلاته، وتوفير مفاهيم تواصلية متنوعة تقدم بدائل يتفاعل معها الشباب في ظل نقاشات مستمرة وطرح نوعي متكامل لقضاياه وموقعه في منظومة العمل الوطني، وحوارات تتقاسم المشترك بين الشباب أحيانا وتتباين في مواقف أخرى، ويظهر هذا التقارب والتباين رصيدا فكريا ينبغي أن تستفيد منه المجتمعات في بناء سلوك المواطنة من خلال رصد توقعات الشباب واتجاهاته وارتباطها بواقع الممارسة وتعاملها مع قطاعات التنمية والانتاج والأمن والتوظيف وتحديات الشباب، وما يمكن أن توفره هذه الشبكات التواصلية من تعميق فرص الوعي وترسيخ ثقافة إيجابية تسهم في تغيير السلوك النمطي السائد في المجتمعات وضبط الممارسة الشبابية بشكل يضعها أمام تقييم مستمر لموقعها في وجدان الوطن والاعتزاز بحضارته وقيمه وسياساته والشراكة الشبابية في برامج التطوير. والتي يمكن أن تؤصل لثقافة مهنية قادرة على تحقيق التحول في سلوك الشباب وتمكينه من استثمار الفرص المتاحة له في ظل قناعته ومشاركته في رصد المنجز التنموي الوطني المقدم له.
وبالتالي فإن دور شبكات التواصل الاجتماعي في صناعة المواطنة يرتبط بتأثيرها في تشكيل هوية الشباب الوطنية – أكبر المتفاعلين من شبكات التواصل الاجتماعي – في أبعادها الترويحية والفكرية والثقافية والتعليمية والتشريعية والتحفيزية، والتمكين وترسيخ مستويات عاليه من الثقة في كفاءة الشباب وبناء قدراته، وما تتطلبه المواطنة من فكر واعٍ مدرك لمسؤولياته، وشعور بواجب التضحية والعمل من أجل الوطن، وترسيخ قناعات إيجابية،منطلقات تتيح للمواطنة – عبر توظيف هذه الفضاءات المفتوحة – فرص مواجهة حالات التشاؤم والاحباط والسلبية والنظرة الضيقة في ثقافة البعض، وحواراته وردات الفعل التي تتخذ مواقف مغايرة ، خاصة عندما يكون الحديث عن مثل المواطنة الحقوق والواجبات والمسؤوليات؛ إن المواطنة بذلك إطار لاكتشاف اتجاهات الشباب وموطن القلق الذي يعانيه، لتضع مؤسسات الدولة يدها في مساعدته على تجاوزها، فهي بذلك دعوة صريحة للمؤسسات لقراءة جديدة لموقع المواطنة وتقييم متطلباتها، تتناول الحالة الراهنة والأبعاد المستقبلية المرتبطة بها، ومستوى الجاهزية المؤسسية في التعامل معها بفكر مستنير وبرامج عمل تحتوي الشباب وتوجيه طاقاتهم نحو تعميق ثقافة الابتكار والاختراع والموهبة، وبالتالي بناء المناخات الاعلامية والتوعوية والتثقيفية الداعمة للشباب كتعزيز جودة التعليم وترقية أساليب التوعية والتثقيف وإيجاد حاضنات للشباب تستقطب أفكارهم وتتيح لهم فرص النقاش وإبداء الرأي وتمنحهم فرص الثقة في أنفسهم، والمرونة في التشريعات الداعمة لعمل الشباب. وبالتالي تأتي شبكات التواصل الاجتماعي في ظل مفهوم المواطنة الرقمية كمحطات لتعميق القيمة المضافة لها في رقي الوطن وتحقيق غاياته وتنمية موارده وتوجيهها نحو تحقيق منافعه والترويج له وتحفيز أبنائه على المحافظة على منجزاته، والسمو بممارساتهم في ظل شعور الفرد المستخدم لها، بأنه يحمل رسالة المواطنة الداعية الى السلام والوئام والتعارف والحوار، ويمارس دوره الوطني في ظل التزام بالقواعد والأسس والاخلاقيات ومنهجيات الذوق، والحرص على مصداقية الكلمة ودقة المعلومة ساعيا نحو تقديم الأفضل، مدركا لحدود مسؤولياته، عارفا بما علية من واجبات وما له من حقوق وآلية الحصول عليها والطريقة المناسبة لإيصالها لمتخذي القرار والمؤسسات عبر هذه الشبكات وفق منظومة القوانين والتشريعات، لتكون تعبيراته ووجهات نظره وتغريداته عبر التويتر والفيس بوك وغيرها نابعة من فهم عميق لمسؤولياته الوطنية ، واستثمار لجانب الخصوصية والمرونة والتنوع في طريقة تناول المحتوى الوطني، على شكل كلمات وعبارات محددة مختصرة أو جمل مطولة، وعرض للتجارب والمبادرات والرسوم والأشكال والصور والفيديوهات عبر قنوات اليوتيوب وغيرها. هذا من شأنه أن يعزز من وقوفه في وجه من يحاول أن يقلل أو يشوّه صورة المنجز الوطني، بما يتيحه من شواهد حية ودلائل شاهدة على عظمة هذا المنجز وشموخه.
إن البحث عن مشروع حضاري للمواطنة في عمان عبر توظيف شبكات التواصل الاجتماعي وترقية دورها في ترسيخ الهوية العمانية وتأصيل المواطنة، ودور المواطنة الرقمية في مواجهة سلوك السلبية وثقافة التسرع والاحكام المسبقة والاشاعة يؤكد البعد الاستراتيجي لدور المؤسسات في تشخيص مقتضيات هذا الواقع ووضعه ضمن أولويات العمل وإتاحة فرص تداوله في إطار خطط المؤسسات وبرامجها، وتوفير الاستراتيجيات والتشريعات والبرامج والخطط التشغيلية، في ظل قراءة معمقة لرؤية الشباب والحدس بتوقعاته وتأكيد قيم المواطنة وأخلاقياتها لديه، واستثمار الحضور الشبابي ورصد نتائجه وتوظيفه بالشكل الذي يضمن قدرتها على استحضار هذا الثراء الفكري في برامجها وأجندة عملها ، بحيث تجد فيه فرصتها لتعزيز المواطنة وتأصيل ثقافتها عبر العمل مع الشباب ومن خلالهم وتأصيل وعيهم الحقوقي وثقافة المشاركة والمسؤولية لديهم وتستلهم منه إطارا ًلعملها القادم وخططها التطويرية الموجهة نحو صناعة المواطنة وتعميق حضورها في سلوك الشباب وممارساته.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى