الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تناحر العائلة الفلسطينية

تناحر العائلة الفلسطينية

”بات واضحا لمن يراقب السياسة الفلسطينية ان الصراع داخل حركة فتح حول من سيخلف الرئيس الحالي الذي يناهز الـ80 من عمره قد وصل الى نقطة الغليان. وربما يفسر ذلك اصرار عباس خلال لقائه مع اوباما على ان تطلق اسرائيل سراح الاسرى الفلسطينيين وفي مقدمتهم مروان البرغوثي الذين يتمتع بشعبية جارفة داخل فتح وبين الفلسطينيين عموما.”
ــــــــــــــــــــــ
لف لقاء الرئيس الأميركي باراك اوباما ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في البيت الأبيض في 17 مارس الماضي كثير من الضجيج؛ حيث اعتقد كثيرون انه يمكن ان يمثل منعطفا حاسما في المفاوضات التي يرعاها وزير الخارجية الاميركي جون كيري. غير ان الفلسطينيين لم يبدو انهم مهتمون بشكل خاص بمتابعة ذلك.
فربما لانهم يعتقدون ان كيري لن يحقق اختراقا في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الاسرائيلية زيادة المستعمرات وتسمين الاحتلال. او ربما انهم اصبحوا سائمين من عملية السلام المستمرة منذ اكثر من 20 عاما دون ان تحقق لهم أي حرية او استقلال من الاحتلال الذي يستفحل مع مرور الايام. او ربما يرجع ذلك الى انهم منهمكون في دراما سياسية داخلية تبدو اكثر الحاحا لهم من أي اجتماع اخر في واشنطن.
فقد جرى لقاء اوباما ـ عباس بدون كثير من الصخب او لفت الاهتمام. فواشنطن وبقية العالم كانوا منهمكين في استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، وتداعيات ذلك على العلاقات الدولية. ومع ذلك، فقد طلبت الادارة الاميركية من الجانب الفلسطيني التزام الصمت حيال تفاصيل اللقاء وعدم تسريب أي شيء منه للصحافة حتى لا تتعرض جهود كيري للخطر.
في الضفة الغربية، كانت الاشارة الاكثر لفتا للاهتمام هي مواكبة اللقاء بجهود لحشد الجماهير للتعبير عن التأييد لعباس لدى مغادرته وعودته من واشنطن. فقد تم منح عمال القطاع العام وطلبة المدارس الحكومية اجازة نصف يوم بغية المشاركة في المظاهرات التي باتت تمثل مظهرا معتادا لدرجة انها لم تعد تعني أي شيء لأغلب الفلسطينيين وغيرهم.
وفي قطاع غزة منعت قوات امن حماس أي محاولات من قبل حركة فتح، الحزب السياسي لعباس، لإظهار تأييدهم له. في هذه الأثناء، كان الغزويون اكثر انشغالا بأمرين: فيما اذا كانت الزيادة الاحدث في النشاط العسكري بين غزة واسرائيل تتجه صوب حرب مفتوحة وكيف يمكن ترشيد امدادات الكهرباء للقطاع بعد قطع امدادات الغاز القطري عن محطة الطاقة الرئيسية في القطاع.
بالنسبة لأغلب الفلسطينيين، فقد طغت المعركة داخل فتح التي تسيطر حاليا على السلطة في الضفة الغربية على اللقاء. وتلك هي ازمة مستمرة منذ وقت طويل وهي أشبه بالبركان الذي يقذف بحممه في كل اتجاه عندما ينفجر.
والازمة هي نتيجة العداء المرير بين عباس وانصاره داخل فتح ومحمد دحلان وانصاره. فقد كان دحلان حليفا وثيقا لعباس قبل عدة سنوات خلت والنجم اللامع داخل فتح. وخلال هذه الفترة كان يترأس قوات امن السلطة في غزة حتى استولت حماس على السلطة فيها في عام 2007، مما اجبره على الإقامة في الضفة الغربية. وبسبب الصراع على السلطة بين الاثنين، فقد دحلان عضويته في فتح وتم طرده من لجنتها المركزية في 2011. كما تم ايضا اجباره على مغادرة البلد وهو يقيم حاليا في الامارات العربية المتحدة.
قبل المغادرة إلى واشنطن، القى عباس كلمة امام المجلس الثوري لفتح، الجمعية العامة للحركة. وعلى الرغم من انه كان من المفترض ان تكون الكلمة سرية، الا ان قرارا محسوبا تم اتخاذه لبثها على الهواء في محطة التلفزيون الرسمية للسلطة بعد ذلك بيومين. واذهلت محتويات الكلمة الفلسطينيين لأنه بدلا من ان يركز على لقاء واشنطن، خصص عباس كلمته في شن اقوى هجوم له على الاطلاق على دحلان. وكال له اتهامات مختلفة من بينها: المسئولية عن خسارة قطاع غزة لصالح حماس، ضلوعه في عملية الاغتيال الاسرائيلية لصلاح شحادة العضو البارز في حماس كما ألمح إلى تورطه في قتل ياسر عرفات.
وعقب اذاعة ذلك، ظهر دحلان على قناة فضائية مصرية ولساعتين ونصف متهما عباس بالفساد والتخلي عن حقوق الفلسطينيين. وتصاعدت الحرب الكلامية ويزيد انصار كل طرف العداء بتبادل الاتهامات. وفي وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، عبر الفلسطينيون عن استيائهم بينما كان عباس في واشنطن.
بات واضحا لمن يراقب السياسة الفلسطينية ان الصراع داخل حركة فتح حول من سيخلف الرئيس الحالي الذي يناهز الـ80 من عمره قد وصل الى نقطة الغليان. وربما يفسر ذلك اصرار عباس خلال لقائه مع اوباما على ان تطلق اسرائيل سراح الاسرى الفلسطينيين وفي مقدمتهم مروان البرغوثي الذين يتمتع بشعبية جارفة داخل فتح وبين الفلسطينيين عموما. واذا تم الافراج عنه، يعتقد كثيرون ان عباس يمكن ان يوقف طموحات دحلان في السعي الى الرئاسة الفلسطينية عن طريق الاشارة الى ان البرغوثي هو خليفته المختار.
وصار لقاء عباس ـ اوباما خبرا قديما في الوقت الذي بدأ فيه الوضع يهدأ وسكتت الضجة الاعلامية في الضفة الغربية وغزة.
وفي واشنطن تم الضغط على الرئيس الفلسطيني “لاتخاذ بعض القرارات السياسية الصعبة والمخاطر” لتقدم عملية السلام. واستطاع عباس مقاومة الضغوط في عدة نقاط من قبيل رفض الاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية او التخلي عن حق العودة. لكن يبدو انه لم يكن قادرا على مقاومة الضغط الأكبر الذي تم ممارسته بشأن تمديد المفاوضات وهو الامر الذي لا يزال يرفضه حتى الان.
وبدلا من رفض تمديد المفاوضات، انتقل الموقف الفلسطيني صوب شروط التفاوض على التمديد والتي يأتي في مقدمتها الإفراج عن الأسرى.
وقد ادى العداء المتزايد داخل المؤسسة السياسية الفلسطينية حاليا إلى تحول كبير في الموقف الفلسطيني حيال عملية التفاوض. وربما يكون الوضع الراهن الجديد هو تحديدا ما تريده ادارة اوباما. فثمة وعي تام بحدود مبادرة كيري للسلام الذي تم بشكل فعلي تفويضه بإدارة الأزمة. ويعد تمديد المفاوضات وسيلة ممتازة لتجنب حرج الجمود أو الطريق المسدود المحتمل لها.

علي الجرباوي
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بير زيت ووزير فلسطيني سابق. خدمة نيويورك تايمز خاص”الوطن”

إلى الأعلى