الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نفحات رمضان (2)

نفحات رمضان (2)

يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(ألا إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها، فعسى أن تصيب أحدكم نفحة لا يشقى بعدها أبداً)، وحين نتأمل في شهر رمضان باعتباره نفحة من نفحات الله تعالى، وحين نتفكر في موعده وهو يهل علينا في كل عام مرة ندرك على الفور أننا أمام (دعوة كريمة) من الله الكريم.. دعوة الإنابة إلى الله بعد أن شردت بنا الأيام والشهور على مدى عام كامل قال تعالى:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الرمز ـ 55) وهي دعوة كريمة لتجديد الإيمان، ففي هذا الشهر الكريم تتجمع كل ألوان العبادة، وتتكثف بصورة ليس لها مثيل في سائر الشهور والأيام من ذكر وصلاة وصيام ودعاء وصدقة وزكاة، وتلاوة قرآن، واعتكاف وعمرة فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر من تقرب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه) ــ رواه مسلم، فما أحرنا أن نستوعب هذا الدرس المهم وما أجدرنا أن نلبي هذا الدعوة الكريمة.
الناس في استقبال شهر رمضان صنفان: صنف يستقبلونه بشوق وفرح ورضا وفرح وارتياح، وصنف يستقبلونه بضجر وضيق وتأفف! الذين يستقبلونه بشوق وفرح، عرفوا له قدره، واستعدوا له استعداداً نفسياً طيباً، والذين استقبلوه بضجر وضيق لم يعرفوا له قدره، ولم يستعدوا له ذلك الاستعداد النفسي الخاص الذي ينبغي في استقبال هذا الضيف الكريم، درس الاستعداد النفسي الخاص لاستقبال شهر رمضان المبارك هذا الاستعداد النفسي هو (حجر الاساس) في الالتحاق بمدرسة الصوم وهو سر التفوق في الأداء الأمثل للواجبات الرمضانية الصيام والقيام ومصاحبة القرآن والصبر والسكينة ومكارم الأخلاق، وهناك ثلاثة عوامل رئيسية يجب أن نعيها جيداً وهي:1 ـ أن تكون على دارية كاملة ويقين تام بقدر هذا الشهر المبارك، 2 ـ التعايش مع روح المنهج الرمضاني قبل حلول الشهر الفضيل فيجب علينا الانصراف عن اللغو واللهو والبعد عن المعصية وشغل النفس والوقت بسبل الطاعة بعامة ومصاحبة القرآن الكريم بخاصة، 3 ـ اتباع منهج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في استقبال شهر رمضان وكان منهجه إكثار الصوم في شهر شعبان.
شهر رمضان المبارك هو شهر التكافل الاجتماعي بكل مقاييسه ومعاييره فقد حث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الجود والعطاء ، وشجع فيه على بذل الصدقات، سدّاً لحاجة المعوزين والتوسعة عليهم ، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(أفضل الصدقة في رمضان) ـ رواه الطبراني، كما حث فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على إفطار الصائمين فقال (صلى الله عليه وسلم):(من فطّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء .
ومن أجمل مظاهر التكافل في مجتمعاتنا المعاصرة اليوم ما نراه من (موائد الرحمن) التي تعد خصيصا في شهر رمضان المبارك تستقبل أبناء السبيل والفقراء على مدى الشهر كله ، يساهم في إعدادها الموسرون والمقتدرين من التجار وغيرهم ، وهذه سمة محمودة وجهد مشكور، بل ومن أجل هذا التكافل الاجتماعي شرعت زكاة الفطر (طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين) حتى لا يشعروا بمرارة الحاجة والفقر في الوقت الذي يوسع فيه المسلمون على عيالهم في المطعم واللمبس ، فزكاة الفطر مظهر جليل من مظاهر التراحم والتكافل بين المسلمين ونحن نستطيع قدر الإماكن أن نجعل من بيوتنا في هذا الشهر الفضيل همزة وصل بين الأهل، وموائد للرحمن نصل بها الأرحام ، ونوثق فيها بين الأقارب.
الصوم هو المرفأ الذي يسرع إليه المؤمن كلما حاصرت سفينته أمواج الحياة .. وما أكثر أمواج الحياة المتلاطمة! وأكثرها خطراً أمواج الطغيان المادي التي تثور هنا وهناك حتى لتكاد تقتلع الأمن والسكينة من النفوس، ومن هنا كانت الحاجة الملحة إلى الصوم باعتباره استشراقاً روحياً سامياً، وقهراً للنفس ومنعها عن الركون إلى المادة.
الصيام إذن علاج روحي لأدران القلب والنفس، وواحة تفرغ إليها الروح طلباً للسكينة والدعة، وإخلاذاً لعالمها العلوي وهو منهج قويم في تحرير النفس البشرية، وتكتمل صورته المبتلى في شهر رمضان المبارك على وجه الخصوص لما يحيط بهذا الشهر الكريم من إشراقات نورانية، تتجلى في ذكر الله تعالى بكل ألوان العبادة الصحيحة من صلاة وتسابيح وتلاوة لكتاب الله وتضرع ودعاء فيتاح للصائم من التأملات والاستشراقات الروحية مالا يباح لغيره، حيث تصفو النفوس ويطهر القلب، وينشط العقل ، وترهف المشاعر، ويبلغ انتصار الروح ذروته.

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى