الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (85)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـقـد شـدد القـرآن الكـريـم وحرض عـلى أداء الأمانـة، وشـنـع وحـذر مـن الخـيانة قال الله تعالى مخـاطـبا رسـوله محمد (صلى الله عـليه وسـلم) حيـث قال:(.. وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء ـ 105)، وقال تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفـال ـ 27).
وقال الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(ويـل لمـن وعـد ثـم أخـلـف) وروي عـن الرســول (صلى الله عـليه وسلم):(ثـلاث مـن كـن فـيه فهـو مـنافـق، وإن صلى وصـام وزعـم أنه مسـلم: إذا حـدث كـذب، وإذا وعـد اخـلـف، وإذا اؤتـمـن خـان)، وقـيـل:(كـفى بالمرء خـيـانة، أن يـكـون أمـينا عـلى الخـونة)، وقالـوا:(مـن نقـض عهـده ومنـع رفـده، فـلا خـير فـيه).
فـيـقـول الله تعـالى عـلى لـسان خـلـيـل الـرحـمـن النبي إبـراهـيـم (عـليه السـلام) في كتابه العـزيـز: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعـراء 87 ـ 89)، وقال تعـالى:(وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ، إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الصافات 83 ـ 84)
إن الحـديث عـن سـلامة القـلـب ، حـديـث عـن القـلب ذاته لأن صـحة القـلب لها عـلاقـة قـوية بصـحـة الجسـم، ذلك لأن القـلـب السـليـم في الجـسم السليـم ، وكما جـاء في الحـديـث الشريف: (ألا وإن في الجـسـد مضـغـة إذا صلحـت صلح الجسـد كله ، وإذا فـسـدت فـسـد الجسـد كله، ألا وهـي القـلـب).
وسلامة القـلب فـضـيلة مـن فـضائـل الإسـلام، وخـلـق مـن أخـلاق القـرآن وجـزء مـن هـدي الرسـول(صلى الله عـليه وسـلم) سـيـد الأنام، وسـلامة القـلـب هي صـفـاؤه ونـقـاؤه، وصحـته وقـوته، والمـؤمـن الحـق مـن شـأنه أن يـكـون صاحـب قـلب سـليم أما قـلب الكافـر فـلا يـكـون سـليماً صحـيحاً، لأن الله تعـالى يـقـول:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِين، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البـقـرة 8 ـ 10).
ولأن القـلـب السليـم هـو القـلب السالم مـن البـدعـة المطـمئـن إلى السـنة، وقال ابن سـيرين: القـلـب السليـم أن يعـلـم أن الله حـق وأن الساعـة حـق وإنها آتية لا ريـب فـيها، وأن الله يبعـث مـن في القـبـور.
إن يـوم القـيامة تخـتـلف مـوازنـه عـن مـوازيـن الـدنيا، فـلا يـنـفـع المال ولا الـبـنـون أحـدا يـوم القـيـامة، ولـكـن مـن أقـبـل عـلى الله بنـفـس مـنـزهة عـن الشـرك والنفـاق، فهـو قـلـب طـاهـر صـاف طـهـور لا إثـم فـيه ولا دغــل.
هـكـذا يـكـون قـلب المـؤمـن، فهـو الفائـز بـفـضـل الله وثـوابه، وكـذلك يـفـوز مـن أنـفـق ماله في سـبيـل الخـير، ومـن كان ولـده صالحاً، كان ذلـك امــتـداداً لحـياته، وجـاء في الحـديـث الـنبـوي الشـريـف:(إذا مات ابن آدم انـقـطـع عــمـله إلا مـن ثـلاث: صـدقـة جـارية، أو عـلـم يـنتـفـع به، أو ولـد صالح يــدعـو له).
والقـلب المـقـبـول عـنـد الله هـو القـلب السالم ، المسلـم لأمـر الله في أداء الـواجـبات وتـرك المـوبـقـات، مـن لم يـكـن محـجـوبا عـن طـاعـة الله بارتـكاب المعـاصي، فـصاحـب القـلب السـليـم هـو الـذي يـسـعـد بـمـنازل القـرب مـن الله، يـفـلـح صاحـبه إذا زكاه، ويخـيـب صاحبه إذا دساه، فـهـو المـطـيع لله في الحـقـيقة والـذي تنتـشـر أنـواره عـلى الجـوارح بالـعـبادة، وهـو الـذي إذا عـرفـه الإنسان عـرف نفـسه، وإذا عـرف نفـسه عـرف ربه سـبحانه وتعـالى، وإذا عـرف ربه عـبـده حـق الـعـبـادة.
وإذا سـيـطـر الـشـيـطان عـلى قـلـب الإنـسان أفـسـده وأضله، وأفـقـده سـلامته وطهـارته، وللـشيـطان مـداخـله الكــثـيرة إلى هـذا الـقــلب لإفـسـاده، منها الغـضب والشهـوة، والحسـد والحـرص والاسـراف في الطـعـام والشـراب، وحـب الـتـزيـن والعـجـلة وعـدم التـثـبـت في الأمـور، والمال والحـرص عـلى جـمعه والبخـل به خـوف الفـقـر، وسـوء الظــن بالله، وبالمسلـمـين، لـذلك فالـقـلـوب معـرضة لخـواطـر الخـير ووسـاوس الـشـر.
قال الله تعـالى:(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الـفـرقان 43 ـ 44)، وقال:(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية ـ 23).
فإذا دعـت الخـواطـر القـلـب إلى الهـوى والشـر، ذكرته الخـواطـر الإيمانية فـنبهـته إلى الخـير، فـينبعـث العـقـل إلى خـاطـر الخـير، ويـقـاوم الشهـوة، فـتمـيـل النفـس إلى النصـح فـتعـمـل به، فـيصـير النصح خـلقاً من أخـلاق المـؤمـن، وقـيـل لـن يصـفـو القـلـب إلا بخـلـوص النيـة لله عـز وجـل، في الأقـوال والأحـوال والأعـمال.
والرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) يـرشـدنا إلى أن جـوهـرة القـلب هي الأساس للإنسـان، فـيقـول:(ألا وإن في الجـسـد مضـغـة إذا صلحـت صلح الجـسـد كله، وإذا فـسـدت فـسـد الجـسـد كله، ألا وهي القـلب)، وقال الإمام أحـمد بن حـنبـل: قـد أفـلح مـن أخـلص قـلبه للإيـمان وجـعـل قـلبه سـليماً.
وكان الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) يـلفـت الأنـظـار، وينبه البصائر إلى المـرتبة العـالية التي احـتلتها فـضيلة سـلامة القـلب، فـهـو يتـوجـه إلى ربه مـصـدر الخـير والعـطاء، يسأله سـلامة الـقـلب فـيـقـول:(وأسـألك قـلباً سـليماً ولساناً صـادقاً) ويقـول:(اللهـم نـق قـلبي مـن الخـطـايا، كما ينقـى الثـوب الأبيض مـن الـدنـس).
وسأل رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) مـن خـير الناس؟ فـقال:(كـل مـؤمـن محـمـوم القـلب)، فـسـئـل وما محـمـوم القــلـب يا رسـول الله؟ قال:(هـو التـقـي النقـي، الـذي لا غـش فـيه، ولا غــدر ولا غـل ولا حـسـد).
ويقـول الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(إذا أراد الله بعـبـد خـيرا جـعــل له واعـظـا مـن قـلبه)، ولا يصلح القـلـب أن يعــظ فـيصـدق في وعـظه إلا إذا كان فـيه فـضـيلة السلامة والصفـاء، وبـعـد عـن هـواتـف الشـيطان ووساوسه ولـذلك يقـول الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(لـولا أن الشـياطـين يحـومـون عـلى قـلـوب بني آدم لنـظـروا إلى مـلـكـوت السماء).
وقال أحـد العـلماء: إن لله تعـالى في أرضه آنـية، هـي القـلـوب فأحبها إليه تعـالى أرقها وأصفاها وأصلبها، أصـلبها في الـديـن، وأصـفاها في اليـقـين، وأعـطـفـها عـلى الإخـوان.
قال الله تبارك وتعـالى في كتابه العـزيـز:(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) (الأحـزاب ـ 72).
وقال (صلى الله عـليه وسـلم):(أد الأمانة إلى مـن ائتـمنـك ولا تخـن مـن خـانـك) والأمانة تتـفـرع إلى فـروع كـثـيرة، منها أمانة العـلـم وأن يـقـوم العالم بتعـليـم الجـاهـل وأمانة الـدين النـصح لـكل مـن يستـطـيع أن ينصحه، كما قال الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(الـدين النصيحة) أن ينصـح لله لا يـريـد مـن وراء ذلك إلا وجـه الله ، وأداء الأمانة التبلـيغ والعـمـل بمقـتضى ذلك، وأمانة المال رده إلى أهـله وتـرشـيـد إنفاقـه في طـرقه المشـروعة، وأمانة الأهـل والأولاد، وقـايتهـم مـن النار، والنصح لهـم فـيما يقـربهـم إلى الله زلفـى، ويبعـدهـم مـن مسالك الشيطان.
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى