الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 2

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 2

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان علمه البيان وجعل اللسان مع القلب دليلاً على عقل الإنسان . وصلى الله وسلم على خير من قال ومن علم محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد ..
فإنه لا توجد مهمة أعلى وأفضل وأهم وأخطر من مهمة الدعاة إلى دين الله. ذلك أنهم يحملون هم نشر الدين وتبليغه وتذكير الناس به، فقولهم هو أحسن قول، (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)، (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم).
وسوف نقدم خلال الشهر المبارك سلسلة حول الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء، أسأل الله جل في علاه أن تكون عونا ونافعة لكل سالكي طريق الدعوة .. والله الموفق.
* الخطابة عند العرب: وإذا وجهنا وجهتنا نحو العرب نجد أن العرب قد جعلوا من الكلمة والاحتفاء بها شغلهم الشاغل حتى قيل أن الشعر هو ديوان العرب، وقد بلغ العرب من الفصاحة والبيان مالم تبلغه أمة من قبل وكان الخطباء والشعراء والبلغاء هم فخر القبيلة وعزها ومجدها، وقد بلغ من عز الكلمة وشرفها أنها كانت تعلق في الكعبة أقدس مكان عندهم وكان عندهم من الخطباء المشهورين من يشار لهم بالبنان ، كـ (قس بن ساعدة الإيادي وخارجة خطيب داحس والغبراء، وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار وأكثم بن صيفي) .. وغيرهم وغيرهم كثير.
ومن خطبة لقس بن ساعدة:(يا أيها الناس اسمعوا واعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات ومن مات فات وكل ماهو آتٍ آت مطر ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمهات وأحياء وأموات، جمع وشتات وآيات بعد آيات، إن في السماء لخبرا، وإن في الارض لعبرا. ليل داج وسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج، مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أو تركوا هناك فناموا، يقسم قس قسماً لا حنث فيه ولا إثم)، إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبياً حان حينه وظلكم أوانه، وأدرككم إبانه، فطوبى لمن أدركه فآمن به وهداه، وويل لمن خالفه وعصاه .. إلى أن قال:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر
ورايت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إليّ ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
وجاء الإسلام بعد ذلك وبعث الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أمة العرب، بعث فيهم بالمعجزة التي لم يأت بها نبي أو يبعث بها رسول، ألا وهي كتاب يتلى وبيان يقرأ، فاق كلام البشر وقدرة الخلق وبلاغة الإنس والجن إلى يوم القيامة، وقد اقتبست الخطبة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة نصاعة البيان وقوة الحجة وجزالة العبارة ورقتها وتجنبت سجع الكهان والفخر والغرور ومدح القبيلة والعصبيات الجاهلية القديمة، فاكتسبت بذلك قوة التأثير ووصلت إلى شغاف القلوب وغزت كل جنس ولون وارتفعت إلى نطاق الرسالة العالمية والحقيقة الانسانية والعزة الربانية بل إنها طغت على الشعر حتى أن بعض فحول الشعر قد تركوه بعد أن دخلوا الإسلام ومنهم الشاعر لبيد بن ربيعة فقد أسلم وحسن اسلامه. ولما سُأل لماذا تركت الشعر قال: ماكنت لأقول شعراً بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران. وقد قيل أنه لم يقل منذ أسلم إلا بيتاً واحداً يقول فيه:
الحمد الله إذ لم يأتني أجلي
حتى اكتسيت من الاسلام سربالا
ولاشك أن وضع الخطبة والخطباء صارله شأن في الاسلام بحيث أنه صار أمراً مكملاً لفرائض الدين كما هو الحال في خطبة الجمعة والعيدين وغير ذلك. وهو ما سنتحدث عنه في الخطبة الدينية إن شاء الله.
* أهمية الخطابة: مهمة الخطيب شاقة ولا ريب، مشقةً تُحتِّم عليه أن يستعد الاستعداد الكافي في صواب الفكر وحسن التعبير وطلاقة اللسان وجودة الإلقاء، وإن الخطيب بلسانه ورِقَّة جنانه وتجرُّده يقتلع جذور الشر من نفس المجرم ويبعث في نفسه خشية الله، وحب الحق وقبول العدل ومعاونة الناس، إن عمله إصلاح الضمائر، وإيقاظ العواطف النبيلة في نفوس الأمة، وبناء الضمائر الحية، وتربية النفوس العالية في عمل خالص وجهد متجرد، يرجو ثواب الله ويروم نفع الناس.
* أثر الخطابة: لا يكاد ينجح صاحب فكرة، أو ينتصر ذو حق، أو يفوز داعية إصلاح، إلا بالكلمة البليغة، والحجة الظاهرة، والخطبة الباهرة، وثمة جانب في التأثير آخر ينبغي مراعاته، وهو أن تأثير الخطيب في سامعيه ليس بالإلزام أو الإفحام، بل مرده إلى إثارة العاطفة، وحملهم على الإذعان والتسليم، ولا يكون ذلك بالدلائل المنطقية تساق جافة، ولا بالبراهين العقلية تقدم عارية، ولكنه بإثارة العاطفة ومخاطبة الوجدان.
* خصائص الخطابة: لاشك أن الخطابة فن ولون من ألوان الكلمة ، وشكل من أشكال التعبير، لكن لها ما يميزها عن غيرها من ألوان الكلمة الأخرى سواءً كانت مكتوبة أومسموعة، فالخطابة نوع من النثر يختلف عن الكتابة وعن الشعر وعن النثر الفني، وإن كانت الخطابة تحتوي على شئ من كل هذه الفنون، لكن الخطابة تختلف عن الشعر، فالخيال عند الشاعر أكثر منه عند الخطيب، بل أكثر ألواناً وتشعباً من الخطيب في هذه الناحية، فالأسلوب في الشعر مركز ومتسامٍ، لكنه في الخطبة وفي أكثر حالاته مرتجل أو كالمرتجل، والخطيب يشكل خطبته حسبما يوحي إليه الجمع، أما الشاعر فإنه في أكثر حالاته مُعدٌ لقصيدته ،مقيد بما أعد ويندر أن يتعداه بالزيادة، إلا في بعض الحالات التي تكون فيها معارضات شعرية تستلزمها بعض المواقف والمناسبات، والخطيب يعتمد في إتقانه واقناعه على الأدلة الملائمة للموضوع وللجمهور ، أما الشاعر فلا يراعي ذلك، وللقصيدة وحدة عضوية، أما الخطبة فإنها مكونة من أجزاء ومراحل وعناصر يسلم بعضها بعضاً في أكثر الأحيان ـ (من كتاب فن الخطابة للحوفي ـ بتصرفٍ كبير).
* الخطابة والكتابة: أما الكتابة فقد تشترك مع الخطبة في اتباع الحجة وفي الإقناع والإستمالة وقد تفترق عنها في حالات كثيرة، كما أنها إذا كانت وصفاً لمنظر ما أو وصفا لحالة نفسية للكاتب أو إخباراً عن شيء إلى غير ذلك، ولهذا كانت للخطابة خصائص عامة تشترك فيها كل أنواع الخطب من دينية وسياسية واجتماعية إلى غير ذلك.
ومن هذه الخصائـص: 1ـ أن الخطابة تعتمد على عناصر ثلاثة تكون لها تلك العناصر كالينابيع التي تمدها بماء الحياة ورى البقاء، أولها: المنطق والحجة، وثانيها: أقوال الحكماء والحوادث المنقولة عن ثقة والأخبار، وثالث هذه العناصر: صنعة الخطيب الذي يمزج كل هذا بصورة من براعة الفنان وعاطفة الإنسان وخيال الشاعر، والذى من المفترض أن تكون في الخطيب، 2 ـ من خصائص الخطابة المميزة لها عن غيرها من فنون القول، وضوح العبارة في الخطبة وظهور معانيها بحيث يكون الغرض الذي يهدف إليه الخطيب مفهوماً، وقد أعجبنى في ذلك قول أحد الدعاة المخلصين إذ يقول ،”قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة تعتقد أنك قد أبنت كل الإبانة وأوضحت كل الإيضاح ،وانك لم تدع سبيلاً إلى الكشف عما في نفسك إلا سلكتها حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء ..، لكنك ما تلبث أن تدهش عندما ينكشف لك أن القوم أو الجمهور الذين كنت تتحدث إليه لم ينتبهوا لك ولم يدركوا قولك.
والسر في ذلك يرجع إلى: 1 ـ أن الذي يقيس به كل منا ما يقول وما يسمع مختلف فيختلف تبعا لذلك الفهم والإدراك، 2 ـ أن يكون القول في ذاته ملتبساً غامضاً وإن أعتقد الخطيب أو قائل الكلام أنه واضح ومكشوف، ومن هنا فإن من خصائص الخطابة وضوح العبارة بحيث تصل إلى السامعين بما يفهمون من عبارات، فالخطاب الموجه للمثقفين والجامعيين غير الخطاب الموجه إلى أخلاط الناس، ولا بأس من توضيح بعض المعاني بالعامية في أضيق الحدود وأعنى بذلك أن نستعمل كلمة أو أثنين في كل الخطبة لتوضيح معنى أوحتى نصل إلى نتيجة، 3 ـ قد يستعمل الخطيب الأسلوب القصصي وهذا من خصائص الخطابة فقد يستعين الخطيب بقصة قصيرة أو حدث تاريخي للاستشهاد به على ما يقول ، وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على نوع القصة ومناسبتها وموقعها من الخطبة وأهميتها للموضوع وذلك بشرط صحتها أو بروز الحكمة منها وعدم الإطالة وتجنب الإكثارمنها في الخطبة أو أن تصبح ملازمة لكل خطب الخطيب، 4 ـ من خصائص الخطابة أيضا أن مقاماتها متعددة ولذا فإنه يجب أن تكون عبارة الخطبة موافقة للمقام الذي تلقى فيه أو من أجله ،وكذلك حال الخطيب نفسه، فخطبة الحرب غير خطبة الزواج وخطبة التبشير غير خطبة التحذير وقد قيل أن البلاغة هى مراعاة مقتضى الحال وأن لكل مقام مقال .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النورين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى