الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أسباب النزول ـ 8

أسباب النزول ـ 8

فآيات الظهار وأن نزلت في أوس بن الصامت وخولة بنت ثعلبة إلا أن لفظها يتناول الجميع من انطبق عليه الحكم فإن كلمة (الذين) لفظه سبحانه:(الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ)(المجادلة ـ 2) اسم موصول والاسم الموصول عام.
والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يعممون اللفظ على كل من انطبق عليه فصار اجماعاً منهم وهكذا كان حال التابعين.
فالجمهور يقولون أن أفراد السبب والأفراد المشابهة له داخلة في نص الآية بينما يرى غيرهم أن الأفراد المشابهة لهم غير داخلين فيه وإنما بقياسهم إياه على أفراد السبب أو بتعميم اللفظ أخذاً بالحديث المذكور سابقاً.
لكن إذا قامت قرينة على إرادة اللفظ العام لسبب النزول فقط, فإن اللفظ يُصرَف عن عمومه إليه, مثال ذلك:
قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنِهِ أَبِي بَكْرٍ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَرَاكَ تُعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ دُونَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَتِ، إِنِّي أُرِيدُ مَا أُرِيدُ، قَالَ: فَيُتَحَدَّثُ مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إِلَّا فِيهِ، وَفِيمَا قَالَ أَبُوهُ:(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى، إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى، فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل 5 ـ 21).
ونرى (أل) في (الأتقى) لا تصلح أن تكون موصولة لاقترانها باسم التفضيل وبالتالي لا تفيد العموم, لذلك تكون بمعنى (أل) العهدية والمعهود هو ما دل عليه سبب نزولها وهو أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ فالحكم الخاص به هو تجينبه عن نار لظى.
لكن بعض المفسرين من يجعل اسم التفضيل بمعتى (فعيل) فقالوا في (أهون عليه) أي: هيِّن عليه, وقالوا في (الله أكبر) أي الله كبير,
وبناء على قولهم فإن التعميم حاصل في قوله (الأتقى) حيث يعني (تقي) والتقيين كثيرين بخلاف (الأتقى) يكون واحداً ونحن نعلم أن إيمان سيدنا أبي بكر يوزن إيمان الأمة بأكملها والله أعلم.
هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب:
والآن نعرض عليك أدلة الجمهور وأدلة مخالفيهم فنقول: أولا: أدلة الجمهور، فمن حججهم:
1 ـ موضع الحجة اللفظ لا السبب, والدليل قوله سبحانه وتعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة ـ 215).
فنلاحظ أن السؤال وهو سبب النزول جاء عن القدْر الذي يُنْفق من الأموال, فكان الجواب من قِبًل الله عن محل الإنفاق وجهاته, فلو كان السبب هو العبرة لكان الجواب صريحاً عنه, لكن أراد سبحانه من عدوله عنه في الجواب أراد التوجيه والتربية للمسلمين وصرفهم إلى الأهم أو المهم عمّا أهمهم.
2 ـ اللفظ العام لا يُصْرَف عن عمومه, لأن في اللغة أن تُحْمَل الألفاظ على معانيها فالعام يعم على أفراده إلا إذا ورد الخاص فيخصص بعض أفراده بحكم آخر بينما يبقي البعض الآخر في حكم العام.
أما خصوص السبب فليس بصارف للفظ عن عمومه, لأنه لا يُخْرِج بذاته صورَ غيرِ السببِ من عموم اللفظ.
3 ـ تعميم الصحابة الألفاظ العامة الواردة على سبب خاص على جميع ما يتناوله لفظ العام من حوادث لذلك عمموا حكم الظهار وحكم اللعان وكل حكم يفيد لفظه العمومَ.
والدليل عليه: حديثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةَ حَرَامٍ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ كَفَّارَتِهَا، فَنَزَلَتْ (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِي هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: لَكَ وَلِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي) ـ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ووجه الاستدلال هي قوله (صلى الله عليه وسلم):(لَكَ وَلِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي).
ثانياً: أدلة المخالفين: وكل أدلتهم عبارة عن محاذير لا داعي لها أصلاً كما سيتضح ذلك, وهي:
1 ـ القول بعموم اللفظ يترتب عليه عدم الفائدة من سبب النزول, و(أجيب) بل له فوائد منها معرفة حكمة التشريع وإزالة الاشكال عن الآيات الكريمات.
2 ـ من قال لآخر: كُل فاكهة, فقال الآخر: والله لا آكل, ثم أكل لحماً,
قالوا عنه: لا يحنث عند الفقهاء, ولو كان العبرة باللفظ لحنث, و(أجيب) أن التحصيص عُرفي فمن المعروف من قال لا آكل جواباً لدعوته لأكل طعامٍ معين, أنه يخصصه.
3 ـ القول بعموم اللفظ, يجعل ربط الآية بسببها عديم الفائدة, وبالتالي يجوز أن تنزل الآية قبل سببها أو بعده بوقت صغير أو كبير لأن الربط مُلغى اعتباراً, لكن لما نزلت الآية عقب سببها عُلِم أن العبرة بخصوص السبب, و(أُجيب) أن التعاقب بين السبب والنازل يُثْبِت الحكم الشرعي ويصوره بقصة واقعية’ ويُظهِر بوضوح حكمة التشريع و يُزيل اشكال الآية.
4 ـ القول بعموم اللفظ, يؤدّي إلى تجويز اخراج صورة السبب من عموم اللفظ إذا ورد ما يخصِّصه, لكن لم يحصل ذلك لاجماع العلماء على خلافه, و(أجيب) إن صورة السبب داخلة في العموم بصورة قطعية بينما تخصيص ظني, والظني لا يُخْرِج القطعي.
القول بعموم اللفظ, الوارد على سبب خاص يؤدّي إلى عدم تطابقهما في الخصوص, ومن البلاغة مراعاة مقتضى الحال فإن كان السبب خاصاً يكن النازل (اللفظ) خاصاً, و(أجيب) أنهما متطابقان فاللفظ يشمل السبب ويمتد إلى أشباهه.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى