الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / “معالم الشخصية الإيجابية في القرآن الكريم” (2)

“معالم الشخصية الإيجابية في القرآن الكريم” (2)

لقد انتهينا في الحلقة الماضية إلى سؤال مهم، وكان مفاده: هل الماء سيتغير عن سيولته لو أن شخصاً تعامل معه على أساس الصلابة والجماية؟، وهل ستتغير أحكام الماء على هذه الرؤية والنظرة؟.
الجواب: من البديهة العقلية هو .. كلا، لأن لا توجد هناك فكرة أو نظرية تستطيع أن تغير الواقع الذي عليه الماء وهو السيولة والإنسياب.
ولذا نجد العقلاء يتعاملون مع واقعية الماء من خلال ما يفرضه الماء من إسلوب التعامل معه، وبما هو يفرض على الإنسان من أحكامه الخاصة، فلذا يمكننا أن نقول: بأن الماء يحمل في ذاته خصائص ذاتية تأبى أن تتغير حسبما يريده الذهن البشري أو الفكري الإنساني من تغييره، فمعالم شخصية الماء ثابتة حسبما هو موجود متميز في خصائصه الذاتية، وأحكامه واضحة جداً، والجميع يتعامل مع الماء وفقها وبحسب معطياتها.
ومع أن السؤال الذي طرحنا بديهي وواضح ولا يحتاج إلى كل هذا الطرح، إلا أنه يكسب أهميته من العلة التي كانت وراء طرحه عليك أيها القارئ العزيز .. وذلك؛ لإننا نعتقد بأن القضايا الفكرية أيضاً تخضع لمثل هذه الضابطة الوجودية، وهي أن هناك في عالم الفكر والمعنويات ما هو واقع وحقيقي ويأبى التغيير عن ذاتيات وجوده وواقعيته، نعم ونؤمن بأن وجود اشتباهات لدى الفكر البشري أو مغالطات أو جهل في خصوصيات هذه الواقعية يؤدي إلى الإنحراف عنها، ويقود البشرية إلى مسار مغاير للفطرة والبديهية، ولكن مع ذلك لا يغير هذا الواقعية عن واقعيتها، ونعتقد بأن لهذا الواقع الحقيقي أحكاماً خاصة، وهي تأبى بوجودها الخاص إلا أحكام وجودها الخاص، فلا يمكن لأي ذهن بشري أو أي فكر مهما بلغت مفاهيمه من قوة في المغالطة أن تغيره عن حقيقته التي هو عليها من أصل وجوده، ويبقى الكلام في البحث عن هذه الواقعية من مسارها الصحيح، والوقوف على ما يؤثر على الفكر فيحرفه عن مساره ومنهجه الواقعي.
وانطلاقاً من هذه المقدمة الأولى فسوف ندخل إلى المقدمة الثانية، وهي أيضاً لا تقل أهمية عما سبق ذكره، ولربما توضح بعض المطالب إن شاء الله تعالى، علماً سنبين بعض المسائل التي تحمل أحكامها معها، وتأبى أن تتغير عن وجودها بما قد يضع لها الإنسان من أحكامٍ من كيفيه النفساني أو الفكري أو السلوكي، سواء كان هذا الكيف فردياً أو كان إجتماعياً، تحكمه أحكام (العقل الجمعي)، وسيتضح ذلك بإذن الله تعالى في الحلقات القادمة.
المقدمة الثانية: ومفادها .. إن ما نجده من النظرات والإختلاف إلى العالم والوجود فمرجعه الأساس إلى طريقة رؤية الإنسان إلى هذا العالم والوجود، وإلى ما هو المعتمد عنده في ذلك، فلابد من ملاحظة المنطلقات المعرفية لهذا المفهوم، لأن المنطلقات تعتمد على الرؤية الكونية للعالم والوجود، وبناء على هذه الرؤية الكونية يمكن أن تنتج لدى الإنسان مجموعة من التصرفات، وتنتج إسلوب تعامل يعتمد على هذه الرؤية الكونية؛ وهي لا يمكن أن تتعدى ما يتبناه الإنسان.
فمع الرجوع إل ما هو متعارف عليه في الوسط الفكري والإجتماعي سنجد أن رؤى الإنسان للعالم والوجود تختلف من مدرسة إلى أخرى، فهنا ترد بعض التساؤلات المهمة، فمنها:
ما هي هذه الرؤى؟، وما تأثيرها على الفكر والسلوك البشري؟.
الجواب: لربما نجد الرؤى متنوعة في تفاصيلها، ولكنها في خاتمة الأمر يمكن جمعها وتلخيصها في رؤيتين اثنتين أساسيتين، وهما: الأولى: الرؤية المادية، والثانية: الرؤية الإلهية.
فالأولى التي تنظر إلى هذا العالم والوجود على أساس أنه هو الأول والأخير، وهو كل شئ، فهي تقول بأن حياة الإنسان تبدأ من هنا، وأنها تنتهي فيه، ولا يوجد هناك شئ تَقَدَّم على هذه النشأة الدنيوية المادية التي يعيشها الإنسان، ولا يوجد هناك شئ سيكون بعد هذه النشأة المادية الدنيوية لهذا الإنسان.
فلذا نجد أتباع هذه المدرسة يبذلون كل ما بوسعهم لتحصيل الأرباح التجارية، والمكاسب المادية، والوجاهات الإجتماعية، والمناصب الإدارية، والأموال الطائلة، وهؤلاء لا يلتفتون إلا إلى المصالح الشخصية، وإذا ما وجدنا بعضهم يهتم بالمصالح الإجتماعية العامة فإن مرجعه في النتيجة إلى ما يعود بالنفع إلى ذاته وشخصه، ولا يهمهم أن اضطر الفرد إلى أن يدوس أخاه الأنسان لأجل تحصيل مصلحته الخاصة، إذ المبدأ الذي يسود عند هؤلاء هو (البقاء للأقوى)، وإذا ما اعتمد لدى هؤلاء مبدأ “البقاء للأصلح” فإن الأصلحية عند هؤلاء الماديين لا تتجاوز المصالح المادية فقط، وهو في نهاية الأمر يرجع إلى المصالح الشخصية، فإن ما نقراه ونشاهده فيما يحدث في العالم الكثير من أمثلة على ما نقول، فكم من أموال تغدق على الفقراء لأجل تحصيل أصواتهم الانتخابات للحصول على كرسي الإدارة في الشركة!، وكم من أطنان من الرز والطحين يغرق في البحر لأجل الحفاظ على سعر الربح في السوق، وإلا فإن ضخها سيؤدي إلى زيادة السلعة، ومنها سينزل السعر والثمن، وبذلك قد لا يجني التاجر الأرباح التي يتوخها!، وكم من أسلحة تباع في السوق السوداء لأجل جني الأرباح من بيعها، ولا يهم التاجر او الوسيط كيف وأين ستستعمل!، بل إنه حتى لو علم أنها تستعمل لأغراض لا إنسانية فهذا لا يكون من شأنه من أصل، فهذا هو برمج فكره ونفسه، وقتل إنسانيته وضميره، المهم لديه هو جني الأرباح، وزياة رأس المال، والجلوس على أكياس الذهب والألماس.
ولنا تتمة إن شاء الله تعالى في الموضوع فإلى اللقاء ..

اعداد ـ هلال اللواتي

إلى الأعلى