الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / داعش فـي رمضان

داعش فـي رمضان

د.احمد مصطفى

” .. إذا كان الأردن يتعرض لخطر محيط من الجوار ـ العراق وسوريا ولبنان ـ فمصر أيضا تتعرض لخطر مماثل من حدود الشرق والغرب والجنوب. والقاسم المشترك الأعلى في كل هذا هو تنظيم الإخوان، وما خرج من عباءته من جماعات تطرف وعنف وإرهاب. وربما لا يبالغ المرء إذا تصور أنه حتى مصادر التمويل لكل تلك التنظيمات والجماعات تكاد تتطابق، ذاتيا وإليميا ودوليا.”

وكأنما يحتاج القول إن داعش وغيره من التنظيمات والجماعات الإرهابية والمتطرفة، هم أبعد ما يكون عن الدين وحتى عن القيم الإنسانية البسيطة فقامت عناصره باستهداف مقر أمني في العاصمة الأردنية عمان صباح أو أيام شهر رمضان الكريم فقتلوا عددا من أفراد الأمن الصائمين. ذكرني الحادث بما فعله الإرهابيون في وقت إفطار رمضان قبل أربعة اعوام (2012) حين هاجموا ضباط وجنود الجيش المصري في رفح وقتلوا منهم أكثر من 15 صائما. ورغم أن الأردن لا يشهد ما تشهده مصر من عمليات إرهاب مستمرة، لا تقتصر على سيناء فقط، إلا أن الآفة الأساسية ومصدر كل جماعات العنف والتطرف، تنظيم الإخوان، موجود في البلدين. صحيح أيضا أن الإخوان في الأردن يختلفون ـ في علاقتهم بالسلطة ـ عن التنظيم الأم بمصر لكن السنوات الأخيرة ومنذ ما سمي (الربيع العربي) تحديدا جعلت التنظيم بشكل عاما أكثر شراسة ومصدر قلاقل لا تحصى في مصر والأردن وغيرهما.

كعادته، يتحمل الأردن أغلب مآسي المنطقة المحيطة به من الاحتلال الصهيوني لفلسطين إلى أزمات وحروب دول الجوار وحتى تمدد تنظيم داعش الإرهابي، ونظرائه من الجماعات الإرهابية، في العراق وسوريا. ليس فقط بحكم حدوده مع تلك الدول، وما يقع عليه من أعباء أمنية واقتصادية وانسانية فحسب بل لأن في الأردن من هو مرتبط بما يجري في تلك البلدان. ولم يقلل أحد من خطر التيار المسمى «السلفية الجهادية» في الأردن، ولا يخفى على كثيرين وفي مقدمتهم أجهزة الأمن الأردنية ذاتها أن عددا كبيرا من «منظري» الجماعات الإرهابية في العراق وسوريا هم من الأردن. ومع إدراك هذا الخطر، تبقى أجهزة الأمن والسلطات الأردنية عموما في حالة تأهب قصوى على الدوام لتفادي الإضرار بأمن واستقرار البلاد على يد هؤلاء الإرهابيين من الخارج أو من الداخل. لكن طبيعة الإرهاب أنه يصعب تفاديه مهما كانت احتياطاتك، ما لم تقض على جذوره تماما ـ وهو للأسف ما لم يحدث ولا أظن أن هناك من هو مخلص تماما تجاه هذا الهدف لأسباب مختلفة.
رغم كل ما يبدو من اختلافات في موضوع الإرهاب في مصر والأردن، إلا أن هناك عوامل مشتركة كثيرة ليس فقط هذا الملمح المغرق في البشاعة وعدم الإنسانية والبعد عن أي دين من جانب الإرهابيين وهو قتل الأبرياء الصائمين في شهر رمضان الكريم. ففي مصر أطاح الناس بحكم الإخوان، بدعم من الجيش، وفي الأردن بدأت السلطات للمرة الأولى التعامل مع خطر الإخوان بعدما كانوا في فترة ما حلفاء في الحكم. لكن التسامح مع الإخوان في الأردن لسنوات، ضمن طريقة الحفاظ على تنوع البلاد، وفر مساحة لنمو تيارات متشددة وعنيفة ساهم في تعزيزها ما ينسكب على الأردن من دول الجوار ومن كل الاتجاهات. واتذكر أنه قبل عقود كانت هناك شخصية متطرفة (عمر بكري) في بريطانيا تقود تنظيما متشددا يسمى «حزب التحرير» ينشط في أوساط الجامعات. ورغم أن أصله سوري إلا أنه قدم من الأردن، التي وجد فيها وقتها ملاذا من بطش النظام السوري بالمتشددين والمتطرفين وتنظيمهم الأم (الإخوان). لكن بعد محاكمة بكري وادانته فر هاربا ـ هذه المرة إلى لبنان، الذي أصبح مرتعا لكافة اشكال التطرف والتشدد من شتى الملل والمذاهب.
طبيعي، حتى رغم ما هناك من عوامل تشابه، أن يختلف تعامل السلطات والأجهزة الأمنية في البلدين ـ مصر والأردن ـ مع جماعات التشدد والعنف لاعتبارات عدة ايضا. لكن يظل الأساس مشتركا: ضرورة قص هذا الفرع من جذوره حتى تذبل أطرافه من جماعات عنف وإرهاب. نعم هناك تنسيق أمني منذ زمن طويل بين البلدين، وتنسيق مشترك مع دول في الاقليم وفي العالم، في إطار مكافحة الإرهاب والتطرف والتشدد. وهناك أيضا تعاون بين أجهزة البلدين، يقوى حينا ويضعف حينا. لكن الفترة الحالية تتطلب مزيدا من هذا التنسيق والتعاون، ودعما اقليميا ودوليا للبلدين إذا كنا نهدف فعلا لتقليل خطر الإرهاب حتى تحقيق الهدف النهائي بالقضاء عليه تماما.
فإذا كان الأردن يتعرض لخطر محيط من الجوار ـ العراق وسوريا ولبنان ـ فمصر أيضا تتعرض لخطر مماثل من حدود الشرق والغرب والجنوب. والقاسم المشترك الأعلى في كل هذا هو تنظيم الإخوان، وما خرج من عباءته من جماعات تطرف وعنف وإرهاب. وربما لا يبالغ المرء إذا تصور أنه حتى مصادر التمويل لكل تلك التنظيمات والجماعات تكاد تتطابق، ذاتيا واقليميا ودوليا. ومن المهم أيضا ألا يترك هدف «تجفيف منابع الإرهاب» المالية والبشرية لما يسمى «المجتمع الدولي» واجراءاته. بل يتطلب ذلك تعاونا قويا بين البلاد المبتلاة بالإرهاب وتلك التي تخشى خطره القريب أو البعيد من دول المنطقة في هذا المجال. فليس الأردن ببعيد عن ليبيا وتونس ولا مصر بعيدة عن سوريا والعراق حين يتعلق الأمر بتسلل الإرهابيين ولا تلقيهم الدعم والتمويل.
إذا كان الإرهابيون يتوهمون زورا وبهتانا أن قتلهم الأبرياء في رمضان يجعل مكافأتهم على إرهابهم أكبر، فإن على ضحايا الإرهاب المحتملين أن يعاملوهم بالمثل ويكون القصاص من جنس الجرم. ولتضاعف دول المنطقة الجزاء بأضعاف أضعافه، ليس بغضب يقلل من فعالية التعامل مع الخطر ولكن بالضرب عميقا حتى تستأصل جذور تلك الآفة التي تشوه الإنسانية ككل وليس ديننا الحنيف فقط.

إلى الأعلى