الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف: تاريخ فكرة خطرة

اصداف: تاريخ فكرة خطرة

وليد الزبيدي

رغم أن «تاريخ فكرة خطرة « هو العنوان الفرعي للكتاب الذي عنوانه الرئيسي « التقشف» لمؤلفه مارك بليث، والصادر حديثا عن عالم المعرفة في الكويت، إلا أن العنوان الفرعي يجذب القاريء ما أن يراه بطريق قد تبدو صادمة للوهلة الاولى لما يحمله من صورة مكثفة مخالفة لما متعارف عليه، لكن الباحث يتوصل إلى أن خطورة فكرة التقشف متأتية من تاريخها الطويل وفشلها الدائم، ويقول بهذا الصدد أن فكرة التقشف لم تنجح على طول الخط، ويأتي بأمثلة كثيرة تؤكد ما ذهب إليه، ولا يقتصر ذلك على العهود القريبة فقط بعد أن نشط الاقتصاد ودخل التنافس أشده بين الشركات الكبرى والدول الكبرى في مختلف ارجاء العالم، بل يمتد إلى أكثر من قرن، ويناقش بليث القضية في كليتها ولا يتوقف عند جزئياتها خاصة عند حافاتها التي تبتعد عن الجوهر وتقترب من الموضوع بعنوانه العام، فإذا نجح التقشف حين تطبقه دولة ما في زمن ما وضمن ظروف معينة، فأن هذا لا يعني أنه حقق النجاح في دول العالم الاخرى ، لأن ظروف البلدان والمجتمعات اقتصاديا قد تتأرجح وفق معطيات معينة وتحت تأثيرات محددة، لكن ذلك قد لا ينطبق على دول تعيش ذات الظروف في ذات الوقت، وتخضع معايير نجاح التقشف وفشله للمديات الزمانية والنتائج التي تم اعتماد خطط التقشف من اجلها، وفي هذه الحال قد يكون الهدف من التقشف اني وقريب المدى وفي مثل هذه الحال لن تنطبق القاعدة العامة الخاصة بالتقشف وفشله على هذا النوع من الاجراءات ، لكن الرأي القائل بفشل التقشف يحاكي الخطط بعيدة المدى وذات الأهداف التنموية الواسعة ، خاصة تلك التي تدخل ضمن الخطط الشاملة في هذا البلد أو ذاك.

«الفكرة» فكرة خاطئة بل أنها من المشاريع الخطرة، قد تكون للوهلة الاولى صادمة للكثير من المختصين في الاقتصاد وادارة الأزمات المالية والمصرفيين والمهتمين بالتخطيط في الدول والمجتمعات، لهذا فأن بليث يبذل جهودا مضنية في اثبات نظريته التي تخالف ما هو سائد من اعتقاد يذهب إلى أن التقشف واحد من اهم المعالجات الجذرية في اقتصاديات الدول التي يعتريها الوهن الاقتصادي لأي سبب كان.
في سبيل اثبات ما ذهب إليه في خطورة فكرة التقشف، يناقش الظروف التي نشأت فيها الاقتصاديات في العالم وكيف تحكمت بهذا الاقتصاد ثلاث نظريات، أو المدارس الثلاث المعروفة في عالم الاقتصاد وتفرعاتها، إبتداء من المدرسة الاولى التي تزامنت مع ثورة أوربا الصناعية وبدء تحويل المخترعات إلى منتجات سلعية، الأمر الذي دفع بالجامعات ومراكز الأبحاث للتفتيش عن الأفكار التي يمكن تطويرها لتصبح مشاريع اقتصادية ذات جدوى، ورافق ذلك عملية نقل ثروات الشرق الاسيوي في حقبة الاستعمار إلى الغرب الذي بدأ الحقبة الصناعية، هذه الحقبة التي سرعان ما شهدت توسعا كبيرا تحول إلى طفرات هائلة في العقود الاخيرة من القرن العشرين وبداية الالفية الثالثة.
إن الأزمات الكبيرة في اقتصاديات الدول تترك آثارا سلبية كبيرة لكنها في الوقت نفسه تشجع الباحثين على التمحيص في زوايا أخرى قد لا تكون معروفة للكثيرين.

إلى الأعلى