الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أخلاق الصائم (1)

أخلاق الصائم (1)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
الصوم تزكيةٌ للبدن وتضييقٌ لمسالك الشيطان، وهو يُهذِّبُ اللسانَ فيدعو إلى مُجانبَة الكذب وقول الحرام، قال (عليه الصلاة والسلام):(من لم يدَع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه) ـ رواه البخاري.
والصيام ركنٌ في الإسلام جعلَه الله شهرًا كاملًا في العام ليتزوَّد فيه المسلمون من التقوى، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183).
وخصَّ رمضان بالصوم لأنه الشهرُ الذي أُنزِل فيه القرآن، فيشكرُ المسلمون ربَّهم بالصيام في هذا الشهر لأنه الشهر الذي حلَّت فيه السعادةُ للبشر بنزول القرآن وبعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) فيه، قال عز وجل:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ..) (البقرة ـ 185)، ورفع الله قدر هذا الشهر فأبوابُ الجنة تُفتح فيه وتُغلَّقُ فيه أبوابُ النار، وتُصفَّدُ فيه الشياطين ليمتنعوا من أذى المؤمنين وإغوائهم، قال (عليه الصلاة والسلام): (إذا جاء رمضان فُتِّحت أبوابُ الجنة، وغُلِّقت أبوابُ النار، وصُفِّدت الشياطين) ـ رواه مسلم، قال ابن العربي: وإنما تُفتح أبوابُ الجنة ليعظُم الرجاءُ، ويكثُر العملُ، وتتعلَّق به الهِمم، ويتشوَّق إليها الصابر وتُغلَق أبوابُ النار لتُخزَى الشياطين، وتقِلَّ المعاصي وأساسُ التقوى إخلاصُ الأعمال لله وحده، والصائم يدَع شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبوده، وهو سرٌّ بين العبد وربِّه لا يطَّلِع على صومه سوى الله، وتلك حقيقةُ الإخلاص والمراقبة لله.
في رمضان عباداتٌ تُكفِّرُ الخطايا، فصيامُه يغفِر الزلَّات والأوزار، ومن حافظَ على صيامه كان وقايةً له من النار، قال (عليه الصلاة والسلام):(الصيامُ جُنَّة)، قال ابن حجر : إذا كفَّ نفسَه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة، وقال (عليه الصلاة والسلام):(من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه).
شهرٌ مُبارَك، العُمرةُ فيه عن حجَّة، قال (عليه الصلاة والسلام) لامرأةٍ من الأنصار:(ما منعَكِ أن تحجِّي معنا؟) قالت: كان لنا ناضِحٌ فركِبَه أبو فلانٍ وابنُه لزوجها وابنِها وترك ناضِحًا ننضحُ عليه، قال:(فإذا كان رمضان اعتمِري فيه؛ فإن عُمرةً في رمضان حجَّة) ـ رواه البخاري، قال ابن الجوزي: فيه أن ثوابَ العمل يزيدُ بزيادة شرف الوقت كما يزيدُ بحضور القلبِ وبخُلوص القصد.
فالغاية من الصيام إذاً أن يبلغ المسلم درجة التقوى، والتقوى كما نعلم جميعاً هي ألا يرانا الله حيث نهانا، وأن يجدنا حيث أمرنا، فقد أمرنا الله فلْيجدْنا الله تعالى في المكان الذي أمرنا به، وفي الموضع الذي دعانا إليه، ولنبتعد عما نهانا عنه.
إن الإسلام شرعَ العبادات من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ .. وغيرها، وهي تحمِلُ المقاصِد العُظمى والغايات الكُبرى، التي ترجِع في أصلِها إلى تهذيب النفوس، وتزكية القلوب، وتطهير الجوارِح، والسير بها إلى أرفع القِيَم وأزكَى الشِّيَم.
شهر رمضان بما تضمَّنَه من عباداتٍ جُلَّى وقُرُباتٍ فُضلَى، فرمضانُ بما فيه من صيامٍ وقيامٍ وإطعامٍ مدرسةٌ يجبُ أن تجعلَ المسلم في أعلى ما يكون من الأخلاق الفُضلَى والمُثُل العُليا، يقول ربُّنا ـ جل وعلا:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183)، ومن حقيقة التقوى: التمثُّل بالأخلاق الكريمة والصفات النبيلة فعلاً وقولاً وسُلوكًا ومنهَجًا، يقول (صلى الله عليه وسلم):(اتَّقِ الله حيثُما كنت، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن).
ومن أهم السلوكيات التي ينبغي على الصائم التحلي بها في أثناء الصوم: ترك الرفث والصخب: الرفث يكون بالأقوال، سواء كان هذا الرفث فيما بين الرجل والمرأة مما قد يؤدي إلى الوقوع في الحرام والمحظور، أو فيما بين الناس مع بعضهم، والمعروف أن كثيراً من الناس يلجؤون إلى هذا الرفث في الحياة اليومية، حتى أن حديثهم العادي لا يكاد يخلو من القول الرفث، وهذا يتنافى بالكلية مع الصيام الذي هو تطهير القلب، وتهيئته لتنزّل الرحمات من الله سبحانه وتعالى.
وطالما أن الرفث في القول فهو يشمل كل أنواع الرفث كالسباب، والشتائم، وقبائح الألفاظ، والخوض في أعراض المسلمين، والغيبة، والنميمة، ونحوِ ذلك مما يعد رفثاً في القول، أو استخداماً للسان في غير ما خلقه الله سبحانه وتعالى له، والنبي (عليه الصلاة والسلام) أخبرنا أنه ليس من خلق المسلم السباب، ولا اللِّعان، ولا أن يكون فاحشاً بذيئاً حيث قال:(ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللَّعَّان، ولا البذيء، ولا الفاحش).
إذن صيام المؤمن إنما هو طهرة للسانه ليعوّده الخير ويهذّب أقواله حتى لا ينطق لسانه إلا بما هو خير له من أمور دينه ودنياه، وقال (عليه الصلاة والسلام) عن الصائم:(لا يصخب) وهذا معناه أن يتحلى بالأخلاق الكريمة، فلا يصرخ، ولا يعبث في القول، إنما يكون حليماً، عفوّاً، صفوحاً، معرضاً عن الجاهلين، ويكون صومه سبباً في حمله على الحِلم، وسعة الصدر الأخلاق، فالصوم يُكسِب الإنسانَ هذه الأخلاق العظيمة، فلا يكون ممن يُشار إليه بالبنان بأنه من السفهاء، أو الطائشين، أو الخارجين عن الآداب العامة.

إلى الأعلى