الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الحكمة العظمى من الصيام

الحكمة العظمى من الصيام

أيها القراء الكرام: إن الغاية العليا والحكمة العظمي من الصيام هي التقوى قد أبان الله تعالى ذلك في قوله تعالى:(ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة)
يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: قوله:(لعلكم تتقون) بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوة المفعول لأجله لـ (كتب) و(لعل) إما مستعارة لمعنى (كي) استعارة تبعية، وإما تمثيلية بتشبيه شأن الله في إرادته من تشريع الصوم التقوى، بحال المترجي من غيره فعلاً ما، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي لأن المعاصي قسمان: قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب، فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية .
أيها القراء: ولما كانت التقوى هي الغاية العظمي من الصوم فما هي التقوى؟
التقوى شيء عظيم ومنزلة سامية وهي أساس الدين ولا حياة إلا بها بل إن الحياة بغيرها لا تُطاق بل هي أدنى من حياة البهائم فليس صلاحٌ للإنسان إلا بالتقوى، هي كنزٌ عزيز لئن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف وخيرٍ كثير ورزق كريم وفوز كبير وغنمٍ جسيم وملكٍ عظيم، فكأن خيرات الدنيا والآخرة جُمِعَت فجُعِلَت تحت هذه الخصلة الواحدة التي هي التقوى.!
وتأمل ما في القرآن الكريم من ذكرها، فكم عُلِّق بها من خير، وكم وُعِد عليها من خير وثواب، وكم أضيف إليها من سعادة.!
هذه التقوى ظلالٌ طاب العيش فيها .. هذه التقوى حياة كريمة .. فما هي وما تعريفها وكيف تحصل التقوى .. وماهي ثمراتها وما درجاتها .. وماهي الأسباب المعينة عليها..؟.
التقوى هي: الاسم من التقى والمصدر الاتقاء وهي مأخوذة من مادة (وقى) فهي من الوقاية، وهي ما يحمي به الإنسان نفسه، وتدل على دفع شيء عن شيء لغيره، فالوقاية ما يقي الشيء، ووقاه الله السوء وقاية أي حفظه.
واصطلاحاً: أن تجعل بينك وبين ما حرّم الله حاجباً وحاجزاً.
عرّف علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ التقوى فقال: هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.
وسأل عمر ـ رضي الله عنه ـ كعباً فقال له: ما التقوى؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقا فيه شوك؟ قال: نعم. قال: فماذا فعلت؟ فقال عمر ـ رضي الله عنه: أشمر عن ساقي، وانظر إلى مواضع قدمي وأقدم قدما وأؤخر أخرى مخافة أن تصيبني شوكة. فقال كعب: تلك هي التقوى.
تشمير للطاعة، ونظر في الحلال والحرام، وورع من الزلل، ومخافة وخشية من الكبير المتعال سبحانه.
وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
وعن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال: تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام فإن الله قد بين للعباد الذي يصيرهم إليه فقال:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) فلاتحقرن شيئاً من الخير أن تفعله ولا شيئا من الشر أن تتقيه .
وقال الثوري: إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقي، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما: المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدي ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به، وقال الحسن: المتقون اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما اقترض الله عليهم .
وقال عمر بن عبدالعزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير.
وقال موسى بن أعين: المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم الله متقين .
وقال ميمون بن مهران: المتقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه .

وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ وسئل عن التقوى فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، قال : فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عزلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى .
وأخذ أحدهم هذا المعنى فقال :
خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
وأصل التقوى أن يعلم العبد ما يتق ثم يتقي، قال عون بن عبدالله: تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم تعلم منها إلى ما علمت منها .
وذكر معروف الكرخي عن بكر بن خنيس قال: كيف يكون متقيا من لا يدري ما يتقي .ثم قال معروف الكرخي:إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة ولم تغض بصرك وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت سيفك على عاتقك.
قال بن رجب: وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه .
وينبغي أن تعلم:أنه ما من خير إلا وعلقه رب العزة سبحانه بالتقوى: تفريج الكروب:(ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)، وسعة في الرزق:(ويرزقه من حيث لا يحتسب) (الطلاق ـ 2)، وقبول العمل: (إنما يتقبل الله من المتقين) (المائدة ـ 27)، وسداد في الرأي وتوفيق في النظر:(إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) (الأنفال ـ 29)، وحسن العاقبة:( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) (يوسف ـ 90).
والتقوى محلها القلب للحديث:(التقوى ههنا التقوى ههنا ويشير إلى صدره “صلى الله عليه وسلم”).
فليست التقوى مظهراً يكون عليه العبد للحديث:(إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وأما لماذا التقوى؟ فلا بد من التقوى: لأن التقوى هي منبع الفضائل كلها فالرحمة والوفاء والصدق والعدل والورع والبذل والعطاء كلها ثمرات من ثمار شجرة التقوى إذا أينعت في قلب المؤمن.
لأن التقوى هي التي تصحبك إلى قبرك فهي المؤنس لك من الوحشة والمنجية لك من عذاب الله العظيم: (دخل علي ـ كرم الله وجهه ـ المقبرة فقال: يا أهل القبور ما الخبر عندكم: إن الخبر عندنا أن أموالكم قد قُسّمت وأن بيوتكم قد سُكنت وإن زوجاتكم قد زُوجت، ثم بكى ثم قال: والله لو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا: إنا وجدنا أن خير الزاد التقوى، والتقوى هي خير ضمانة تحفظ بها ولدك ومستقبل أبنائك من بعدك: قال تعالى:(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً) (النساء ـ 9).
وتأمل كيف أن الله سبحانه سخر نبيا هو موسى ـ عليه السلام ـ ووليا هو الخضر عليه السلام لإقامة جدار في قرية بخيلة فاعترض موسى ـ عليه السلام:(قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً) (الكهف ـ 78)، ثم يخبر الخضر عليه السلام سبب فعله بالغيب الذي أطلعه الله عليه في هذا الأمر فيقول:(وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً) (الكهف ـ 82)، وقال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما وتقدم إنه كان الأب السابع .. والله أعلم.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى