الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أخلاق الصائم (2)

أخلاق الصائم (2)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
الحكمةُ من تشريع الصيام: التقوى، ومن التقوى: الإمساكُ عن الأقوال المحرمة كما يُمسِك عن الطعام والشراب، قال جابرٌ ـ رضي الله عنه: إذا صمتَ فليصُم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمآثِم، وليكُن عليك وقارٌ وسكينةٌ يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فِطرك سواء، وقال أبو ذرّ ـ رضي الله عنه: إذا صُمتَ فتحفَّظ ما استطعتَ، وإذا صُمتَ عن الطعام والشراب والأقوال الآثِمة فلا يكن للشيطان عليك سبيلاً بالنظر والسمع المحرم، واجعل الجوارح كلَّها صائمةً لله.
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم):(أنه سُئِل عن أكثر ما يُدخِلُ الناسَ الجنة، قال: تقوى الله وحُسن الخُلُق)، وسُئِل عن أكثر ما يُدخِلُ النار، فقال:(الفمُ والفرْجُ) ـ رواه الترمذي، فالإسلام يُريد من المُتعبِّد أن يتحلَّى بالأخلاق الحسنة، وأن يتَّصِفَ بالمُعاملات الكريمة، قال (صلى الله عليه وسلم):(أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائِهم) ـ رواه الترمذي، ويقول (صلى الله عليه وسلم):(إن المؤمنَ ليُدرِك بحُسن خُلُقه درجةَ الصائم القائم) ـ رواه أبو داود، أكملُ العابدين وأفضلُ الخلق أجمعين محمدٌ (صلى الله عليه وسلم) وصفَه ربُّه بقوله:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم ـ 4)، ولهذا فأقربُ الناس محبَّةً إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأعظمهم منزلةً يوم القيامة أحاسِنهم أخلاقًا، عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن من أحبِّكم إليَّ وأقربكم مني منزلاً يوم القيامة: أحاسِنكم أخلاقًا) ـ رواه الترمذي، استلهِموا من العبادات كل جميلٍ رفيعٍ من الأخلاق والمُثُل والصفات، استمِدُّوا منها كل ذوقٍ سليمٍ، وكل فعلٍ جميلٍ، وقولٍ نبيلٍ، ليملأ حياتَكم حينئذٍ الحبُّ بشتَّى أشكالِه، وتسُودَها المودَّةُ بمُختلف صُورها، وتغمُرها التعامُلات الراقِية، والمبادِئُ الحياتية السامية، فذلك مما أوجبَه الإسلام، وافترضَه القرآن، يقول ـ جل وعلا:(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة ـ 83).
أخي الصائم: نواصل حديثنا عن أهم السلوكيات التي ينبغي على الصائم التحلي بها في أثناء الصوم:
إن سابَّ الصائمَ أحدٌ أو قاتله فليقلْ: (إنّي امرؤٌ صائم) .. فإسلامنا العظيم يدعونا إلى الحِلم في كل أمورنا، والرفق في كل أحوالنا، وهذا ما نقرؤه في القرآن الكريم عندما يقول الله سبحانه وتعالى:(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت ـ 34).
إن جاءك إنسان فأساء إليك بالقول وأغلظ عليك في الخطاب فادفعه بكلمة حسنى، ولا تكن ممن يرد الصاع صاعين، إنما ليرَ منك أخلاق الصائم، قل له: (إني امرؤٌ صائم) والصائم لا يليق به أن يتلفظ هذه الألفاظ التي هي من شأن السفهاء والطائشين وأولئك القوم الذين لا يخشون الله تعالى.هذه المواقف عظيمة، والناس باختلافهم وتنوعهم قد يؤول الأمر بهم أحياناً إلى النزاع والخصام، بل وربما القتال والعياذ بالله تعالى! وقد يقع الإنسان أحياناً في مواقف محرجة، ربما يُساء له ويُغلظ له في القول والخطاب، وربما يُعتدى عليه باليد فيُبطش ويُضرب.
فعندما يواجه الإنسان مثل هذه التصرفات الطائشة بالحلم والرفق والعفو والصفح وحسن الأخلاق، ويردّ على هؤلاء الكلمةَ السيئة بكلمة حسنة، فذلك يدل على رجاحة العقل وطمأنينة النفس، وعلى أن هذا الإنسان يتصف بصفات كريمة، ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عندما قال:(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) (الفرقان ـ 63).
إن اعتدى عليك إنسان جاهل فأساء إليك وأغلظ لك في القول فقل له: سلاماً، كن له مسامحاً وتذكّر قول الله سبحانه وتعالى:(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص ـ 55)، وتذكّر قول الله سبحانه وتعالى:(.. وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى ـ 37)، وتذكّر قول النبي (صلى الله عليه وسلم):(فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقلْ: إني امرؤٌ صائم) ـ صحيح البخاري.
إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الحرام: يجب أن يسيطر صومنا على سمعنا وأبصارنا وتفكيرنا وجوارحنا حتى يكون له أثرٌ في نفوسنا وقلوبنا، وينعكس على تقوى الله سبحانه وتعالى، فتتحقق بذلك الغاية من الصيام، يقول سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري:(إذا صمتَ فلْيصمْ سمعك وبصرك ولسانك عن الحرام، ودعْ عنك أذى الجار، وليكن عليك سكينةٌ ووقار يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء).
لاحظوا كيف أرشدنا الحديث إلى أن نحفظ أسماعنا عن كل ما هو محرّم من غناء أو موسيقى أو غيبة أو نميمة أو خوض في أعراض الناس أو بهتان وافتراء أو ذكر عورات أو فُحش أو سبٍّ أو لعن الناس أو تحميلهم ما لم يفعلوا وتقويلهم ما لم يقولوا أو أي قول مما يندرج تحت المَنهيّات التي نهانا عنها إسلامنا العظيم، وكذلك أرشدنا الحديث إلى حفظ أبصارنا أن تقع على ما حرّم الله علينا أن نراه، وخاصة من النساء المتبرّجات نسأل الله تعالى لهن الهداية، فإذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر الرجال أن يحفظوا أبصارهم عن النظر إلى المرأة المتبرجة ، فإننا ندعو المرأة إلى المحافظة على حجابها وعفّتها وكرامتها، والصيام وهو فريضة يدعو المرأة التمسك بالحجاب، فالله سبحانه وتعالى أنزل آياتٍ كثيرة تحض المرأة وتدعوها إلى ستر جسدها ورأسها وشعرها ومواضع الفتنة منها، وأن تعيش حياتها بشكل طبيعي وعادي دون أن تكون سبباً في إثارة مشاعر الرجال أو تحريك شهواتهم وإفساد عبادتهم عليهم.
إذن فعلى الرجل أن يحفظ بصره من الوقوع على المحرّمات والنظر إلى ما حرم الله عليه من جسد المرأة، وعلى المرأة نفسها أن تحرص على عدم الخروج في شهر رمضان متعطرة ولا متنزينة ولا متبرجة، ولا في غير شهر رمضان، بل ليكن شهر رمضان بداية انطلاق لبناتنا وأخواتنا ونسائنا المؤمنات الصالحات بأن يحرصن على حجابهن، وأن يتّقين الله سبحانه وتعالى في لباسهن أثناء شهر الصوم الذي هو شهر عبادة وعمل وتقرّب إلى الله تعالى أو بعد شهر رمضان.

إلى الأعلى