الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أخلاق الصائم (3 )

أخلاق الصائم (3 )

إعداد ـ مبارك بنى عبدالله العامري:
العاقلُ من اغتنمَ بقيَّة أيام وليالي شهر رمضان فشغلَها بالطاعات وعظيم القُرُبات، واستبدلَ السيئات بالحسنات، ومن كان في شهرِه مُنيبًا وفي عملِه مُصيبًا فليُحكِم البناءَ ولا يهدِم ما بناهُ بالخطيئات فيكونُ كالتي نقضَت غزلَها من بعد قوةٍ أنكاثًا.وإذا أكملَ المُسلمُ العملَ وأتمَّه وجبَ عليه الخشيةُ من عدم قبولِه أو فسادِه بعد قبولِه، قال عليٌّ ـ رضي الله عنه: كونوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل. قال سبحانه:(إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة ـ 27)، قال سلمة بن دينار:(الخوفُ على العمل ألا يُتقبَّل أشدُّ من العمل).
والمرءُ مأمورٌ بعبادة الرحمن في كل وقتٍ وآنٍ قال ـ جل وعلا:(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر ـ 99)، ومن كان يعملُ الصالحات في رمضان فليُداوِم عليها، قال ـ عليه الصلاة والسلام:(أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلَّ).
أخي الصائم: نواصل حديثنا عن أهم السلوكيات التي ينبغي على الصائم التحلي بها في أثناء الصوم: دع عنك أذى الجار: كما يرشدنا الحديث أن نترك أذى الجار، والجار الذي يعيش إلى جانبك، يقول ـ عليه الصلاة والسلام:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكرمْ جاره)، ويقول:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره)، ويقول أيضاً ـ عليه الصلاة والسلام:(ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِّثُه)، قضية احترام الجار وغيره وترك أذاه، ألا نؤذي جارنا وأخواننا افي المسجد برائحة الثوب أو العرق أو الثوم والبصل التي يكون قد تناولها ثم يؤذي برائحتها جاره وأخوه المسلم في المسجد أثناء صلاة التراويح، (ودع عنك أذى الجار)، سواء كان هذا الجار في المسجد أو البيت أو العمل أو أي مكان آخر، احرص ألا تؤذيَه حالَ الصيام؛ فإن ذلك يسري عليك فيما بعد الصيام.
ليكن عليك سكينةٌ ووقار: وليكنْ عليك سكينة ووقار يومَ صومك، السكينة والوقار هما من أحسن الصفات عند الإنسان، فالإنسان الذي يبدو للناس وقوراً هو إنسان سكنت نفسه واطمأنت بالله سبحانه وتعالى أولاً، ثم بما أكرمه الله وتعالى من خصال وصفات وسجايا حميدة وكريمة.
ولا ينبغي للمسلم أن يكون طائشاً ولا سفيهاً ولا صخّاباً، وقد جاء في صفات النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه لم يكن صخّاباً في الأسواق، ولم يكن فاحشاً ولا بذيئاً في اللسان، إنما كان هيّناً ليناً، يدخل كلامه إلى القلوب فيستقر في سويدائها لدقة كلامه وحسنه وحسن معاملته للناس، وهذا ما يدعونا إليه ـ عليه الصلاة والسلام:(ليكنْ عليك سكينة ووقار يومَ صومك) فتبدو عليك آثار العبادة وآثار القرآن الكريم، وكل أثر لخُلق فاضل حملته وأنت صائم.
لا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء: فعلى الصائم أن يتحلى بالأخلاق والآداب الكريمة التي نُقِلت عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ربما يتجاوز الإنسان هذه الآداب في الأيام العادية، وربما يتركها أو ينساها، فيأتي الصيام ليذكّره بها، فيتحلى المسلم بهذه الأخلاق ويحرص عليها، ثم تكون له بعد الصيام خلقاً اعتاده وألفة، لقد أراد لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن تكون آثار الصيام ظاهرة في أقوالنا وأحوالنا، في سلوكنا ومعاملاتنا، لأن سلفنا الصالح ـ رضي الله تعالى عنهم ـ عندما كانوا يتمنون أن تكون السنة كلها رمضان، إنما ليتذوقوا هذه المعاني، وليتحلوا بهذه الصفات، ويكتسبوا من هذه الفوائد العظيمة التي أعدّها الله سبحانه وتعالى للصائمين في شهر رمضان.
أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يطهّر صيامنا ويزكّيه، وينفعنا به عندما نتحلى بالأخلاق الكريمة التي نقلت عنه ـ عليه الصلاة والسلام.
ولعل من أبرز ما نُقل عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يحثّنا على حفظ صيامنا من أي شيء يُفقده جوهرَه ومعناه قوله ـ عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، فكثير من الصائمين يصومون وليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، وكثير من القائمين يقومون وليس لهم من قيامهم إلا السهر والتعب؛ لأنهم لم يخلصوا عملهم لله سبحانه وتعالى.
فلنتّقِ الله في صيامنا، ولنراعِ آداب الصيام، لنكون من الصائمين حقيقة ظاهراً وباطناً، ولنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صيامنا، وأن يرفع درجاتنا، وأن يحقق لنا ما وعدنا على لسان نبيه (صلى الله عليه وسلم) حيث قال:(كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، ويقول الله عز وجل:(إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به) تشريف وتكريم، فالله سبحانه وتعالى جعل ثواب الصيام غير مقدّر بعدد، إنما هو ثواب مفتوح لا يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى.

إلى الأعلى