الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 5

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 5

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان علمه البيان وجعل اللسان مع القلب دليلاً على عقل الإنسان . وصلى الله وسلم على خير من قال ومن علم محمد (صلى الله عليه وسلم)، وبعد..
فإنه لا توجد مهمة أعلى وأفضل وأهم وأخطر من مهمة الدعاة إلى دين الله. ذلك أنهم يحملون هم نشر الدين وتبليغه وتذكير الناس به، فقولهم هو أحسن قول،(ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)، ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم).
وسوف نقدم خلال الشهر المبارك سلسلة حول الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ، أسأل الله جل في علاه أن تكون عوناً ونافعة لكل سالكي طريق الدعوة .. والله الموفق.
5 ـ الارتعاش والرعدة والعرق: وهذا العيب من أشد العيوب وطأة على الخطباء، لانه يعترى الخطيب، ويغلبه قهراً، فإذا اعتراه أفقده توازنه وأوقعه في الاضطراب الشديد، وقد يصل به الامر إلى أن يضطر إلى قطع خطبته فلا يستطيع اكمالها مهما حاول، حتى أن بعضهم لا يقوى على القيام.
وهذا العيب غالباً ما يعترى المبتدئين الذين لم يستعدوا نفسياً، ولم يتدربوا لهذا المقام وقد يعترى غير المبتدئين وذلك إذا علم أن من بين الحضور من يتابعه أو عالم أو أستاذ من أساتذته الذين يوقرهم ويعظمهم ويكبرهم.
6 ـ رفع اليدين: رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة خلاف السنة، الا في دعاء الاستسقاء فقد ثبت عنه (صلى الله عليه وسلم) رفع اليدين فيه، اما غيره من الدعاء فلا يشرع للخطيب أن يرفع فيه يديه.
7 ـ ضعف الصوت: صوت الخطيب هو الآله التي يبلغ بها خطبته، فإذا كان صوته ضعيفاً، فلا يحصل مقصوداً الخطبة، ولذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته كأنه منذر جيش ويمكن للخطيب الذي بلي بهذا العيب أن يذهبه بالمراس والمران.
8 ـ عدم التفاعل مع الخطبة: قد تشتمل الخطبة على فنون شتى متغايرة، فقد تشتمل على الترغيب والترهيب وعلى التحذير والتبشير، وقد تشتمل على ما يقتضى الحزن أو الفرح أو الغضب أو الخوف، والخطيب الموفق يعطي كل مقام حقه من الانفعال والتعبير وسبب هذا العيب في الغالب هو خروج الكلام من اللسان دون القلب، ومتى حصل ذلك لم تؤت الخطبة ثمارها، قال عامر بن عبد القيس:(الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الأذان)، والتفاعل الذي ننشده هو التفاعل الحقيقي الصادق، وليس التفاعل الصوري المتكلف ،فهذا يضر صاحبه، ويجعله هزأة عند المستمع.
وأشد عيباً من عدم التفاعل هو التفاعل بما لا يناسب الكلام فإنه يبعث في السامع التعجب والحيرة فيشغله محاولة تفهم هذا التصرف من الخطيب عن الإنصات لخطبته.
9 ـ استغلال المنبر لأغراض شخصية: وهذا العيب من أخس العيوب، ويقع من بعض الخطباء لقلة دينه وضعف إيمانه، أولضعف شخصيته، ومن صوره أن ينتقم الخطيب لنفسه ، أو يدافع عن نفسه، أو يدعو إلى نفسه، وهذا من أكبر العدوان على المخاطبين، قال بعض الفضلاء:(إن أشر السراق الخطباء الذين يستغلون المنبر لأغراضهم الشخصية، لأنهم يسرقون أعمار الناس ،فهم شر ممن يسرق أموالهم).
ومن مضار هذا العيب: الإضرار بالدعوة، وعدم أداء الواجب الشرعي، وانتهاك حرمة المنبر وتعطيل مهمته.
فالخطيب لا يمثل شخصه وإنما يمثل منصباً شرعياً ، فإن لم يؤد الذي ينبغي كما يجب كان فتنة على الشرع.
10 ـ محاكاه غيره من الخطباء في طريقة الالقاء وفي النبرات والسكتات، وفي الحركات والاشارات:
ومن اسباب هذا العيب ضعف شخصية الخطيب أو ولوعه بمن يحاكي ويقلد ومن اضراره خروج الخطبة من كونها حقيقة إلى الصورية، فيظهر الخطيب وكانه ممثل، وقد عاب المتقدمون من يقلد الاخرين وعبروا عنهم بانهم السراق ـ كما أسلفنا.
11 ـ التفيهق والتشديق والتقعر: وهو ان يتكلم بأقصى قعر فمه ويحاول ان يملأ فمه بالكلام ويملئ شدقيه بالكلام متكبراً على الناس ومتعاليا عليهم.
وقد عاب النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك في قوله:(وإن أبغضكم إلى وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا يارسول الله قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟ قال صلى الله عليه وسلم:(المتكبرون).
12 ـ تتبع الغريب والوحشي من الالفاظ: وهذا من العيوب التي قد يقع فيها بعض الخطباء فيبحث عن الكلمات الصعبة أو الغريبة وهذا ولا شك مناف للمقصود من الخطبة فالغرض من الخطبة أو من الخطابة بشكل عام هو البيان والتبين والافهام والتفهيم، وكما قيل: كلما كان اللسان أبين كان أحمد، والوحشي من الكلام يناسب الوحشي من الناس، ولذا فان المطلوب من الخطيب أن يستعمل ما يوصل إلى المطلوب ويختار للمعاني الجليلة الالفاظ النبيلة.
13 ـ الجفاء والغلطة والقسوة على المخاطبين: وذلك بتوجيه الالفاظ النابية واصناف الشتائم والوان السباب اليهم، وتنزيل نصوص الوعيد عليهم واحتقارهم والتكبر والتعالي عليهم وجرح مشاعرهم، ومن ذلك مثلاً: أن يقول خطيب:(إن ابنائكم بلغوا منتهى سوء التربية والخلق وإن ازواجكم قد خرجن عن حدود الأدب. وكان ينبغي عليه إن أراد أن يقول مثل هذا الكلام أن يدخل نفسه في جماعة المخاطبين وأن يشعر المخاطبين أنه واحد منهم فيقول:(إن ابناءنا وإن نساءنا).
ولذا فإنه ينبغي للخطيب أن يكون حكيماً وأن يستعمل التواضع والتودد والرفق واللين وأن يشعر المخاطبين أنه يريد نفعهم وذلك حتى لا يمقته الناس فينصرفون عنه ولا يستمعون لحديثه أو خطابه.
14 ـ عدم الاعتناء بالهيئة: وهذا مخالف للسنة فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحرص على الاعتناء بهيئته ويتطيب بالطيب ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ووضع الدهن والعود على شعره ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ وكانت له بردة يمانية يلبسها للجمعة وكذا اخرى للعيد، ومن المعلوم أنه من السنة الاغتسال والتسوك ليوم الجمعة وهذا لعموم الناس فكيف بالخطيب الذي ترمقة الابصار وتتجه إليه الأنظار؟!.
والحق أن الخطيب إذا ابتذل في مظهره احتقره الناس، وربما أهانوه وصرفوا عن الانشغال بالانصات إليه إلى الاشتغال بالنظر إلى هيئته، وإن كان هذا عيب ومذموم فكذلك الاعتناء الزائد على المشروع والخارج عن العرف مرفوض، والذي ينبغي للخطيب الاعتدال في ذلك وأن لا يخرج عن المعروف والمألوف، وقد دخل يوما القاضي إياس بن معاوية المزني على جماعة من قريش في المسجد الاموي بدمشق يحدثهم بحديث فلم يستمعوا له في البداية إلى أن اخذهم بحسن حديثه، فقالوا له بعد أن انتهى: الذنب مقسوم بيننا وبينك يا إياس لأنك أتيتنا في ملابس وهيئة مبتذلة تكلمنا بكلام الملوك.
15 ـ الصوت النمطي المطرد على وتيرة واحدة: وقد بينا سابقاً أن من عيوب الخطيب ضعف الصوت، ولكن قد يكون الخطيب قوى الصوت غير أنه لا يعرف كيف يلقى خطبته وكيف ينوع في ادائه وإلقائه، وسوف نفرد بحثا خاصا عن فن الإلقاء.
والأمر لا يسير في الخطبة على وتيرة واحدة أو مقام صوتي واحد، ولكن للأسف نجد بعض الخطباء يستوي عنده الاستفهام والتعجب والإنكار والإخبار والأمر والنهى وغير ذلك بل يستوي عنده مقام الغضب ومقام الرضا، ومقام الفرح ومقام الحزن، ومن أهم أسباب هذا العيب عدم تفاعل الخطيب مع الموضوع أو عدم استيعابه له.
ومن أضراره أنه بسببه يصعب فهم كلامه، بل ويبعث الملل في نفوس السامعين إن كان بطيئاً، أو تشرد أذهانهم عن متابعة الموضوع إن كان سريعاً.
16 ـ مناقضة قوله لفعله، أو مناقضة اللسان للحال: وهذا من أعظم العيوب وأخطرها، وأشدها ضرراً على الخطيب وعلى الدعوة بشكل عام، وما أكثر الآيات والأحاديث التى تذم الذى يقول ما لا يفعل وتبين له الوعيد يوم القيامة، يقول تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (الصف ـ 2).
والعالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصف ولأن نطق الأفعال أقوى وأبلغ في الإقناع من نطق اللسان كما يقولون.
والحق أني اطلت الكلام عن عيوب الخطيب أو عن العيوب التي يجب أن لا تكون أبدا في الخطيب وذلك لتلافيها أو لعدم الوقوع فيها وكما قيل:(عرفت الشر لتوقيه .. ومن لا يعرف الشر يقع فيه).
وقد عبرت عن هذه العيوب بأنها شر لانها كذلك فعلا يجب أن يحرص الخطيب الذي يريد لدعوته أن تصل إلى الناس أن يبتعد عنها.
وهناك عيوب اخرى بيانية قد تكون في لسان الخطيب كالفأفأة والتمتمة واللثغة والعجمة وغيرها يمكن أن يتلافها بالدربة ومراعاة المخارج إن استطاع إلى ذلك سبيلاً (من كتاب البيان والتبيين للجاحظ) بتصرف كبير.
.. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى